جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج3 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>


مجمع البيان ج : 3 ص : 312
وَ أَنزَلْنَا إِلَيْك الْكِتَب بِالْحَقِّ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ مِنَ الْكتَبِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَك مِنَ الْحَقِّ لِكلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرْعَةً وَ مِنْهَاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَ لَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فى مَا ءَاتَاكُمْ فَاستَبِقُوا الْخَيرَتِ إِلى اللَّهِ مَرْجِعُكمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تخْتَلِفُونَ(48)

اللغة

أصل مهيمن مؤيمن فقلبت الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء هرقت و قد صرف فقيل هيمن الرجل إذا ارتقب و حفظ و شهد يهيمن هيمنة فهو مهيمن و على هذا فيكون وزنه مفيعل مثل مسيطر و مبيطر و قال الأزهري كان في الأصل أيمن يؤيمن كما أن الأصل في يفعل يؤفعل فعلى هذا يكون على وزن مؤفعل فقلبت الهمزة هاء و روي في الشواذ مهيمنا بفتح الميم عن مجاهد ، و الشرعة و الشريعة واحدة و هي الطريقة الظاهرة و الشريعة هي الطريقة التي توصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة فقيل الشريعة في الدين للطريق الذي توصل منه إلى الحياة في النعيم و هي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع قال الشاعر :
أ تنسونني يوم الشريعة و القنا
بصفين من لباتكم تتكسر يريد شريعة الفرات و الأصل فيه الظهور و يقال أشرعت القنا إذا أظهرت و شرعت في الأمر شروعا إذا دخلت فيه دخولا ظاهرا و الناس فيه شرع أي متساوون و المنهاج الطريق المستمر يقال طريق نهج و منهج أي بين قال الراجز :
من يك ذا شك فهذا فلج
ماء رواء و طريق نهج و قال المبرد الشرعة ابتداء الطريق و المنهاج الطريق المستقيم قال و هذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه و منه قول الحطيئة :
و هند أتى من دونها الناي و البعد و قال و الناي لما قل بعده و قد جاء بمعنى واحد قال عنترة :
حييت من طلل تقادم عهده
أقوى و أقفر بعد أم الهيثم و أقوى و أقفر بمعنى يقال نهجت لك الطريق و أنهجته فهو منهوج و نهج الطريق و أنهج
مجمع البيان ج : 3 ص : 313
إذا وضح و الاستباق يكون بين اثنين فصاعدا يجتهد كل منهم أن يستبق غيره قال تعالى و استبقا الباب يعني يوسف و صاحبته تبادرا إلى الباب .

الإعراب

مصدقا حال من الكتاب و مهيمنا كذلك و قيل أنه حال من الكاف الذي هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و الأول أقوى لأجل حرف العطف لأنه قال « و أنزلنا إليك الكتاب » « مصدقا » و « مهيمنا » و لا يجوز أن يعطف حال على حال لغير الأول لا تقول ضربت هند زيدا قاعدا و قائمة و لو قلت قائمة بغير واو لجاز و يجوز أن يكون عطفا على مصدقا و يكون مصدقا حالا للنبي و الأول أظهر .

المعنى

لما بين تعالى نبوة موسى و عيسى عقب ذلك ببيان نبوة محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) احتجاجا على اليهود و النصارى بأن طريقته كطريقتهم في الوحي و المعجز فقال « و أنزلنا إليك » يا محمد « الكتاب » يعني القرآن « بالحق » أي بالعدل « مصدقا لما بين يديه من الكتاب » يعني التوراة و الإنجيل و ما فيهما من توحيد الله و عدله و الدلالة على نبوته و الحكم بالرجم و القود على ما تقدم ذكره و قيل المراد بالكتاب الكتب المنزلة على الأنبياء و معنى الكتاب المكتوب كقولهم هذه الدراهم ضرب الأمير أي مضروبه عن أبي مسلم « و مهيمنا عليه » معناه و أمينا عليه شاهدا بأنه الحق عن ابن عباس و الحسن و قتادة و مجاهد و قيل مؤتمنا عن سعيد بن جبير و أبي عبيدة و ابن جريج و هو قريب من الأول قال ابن جريج أمانة القرآن أن ما أخبر به الكتب أن كان موافقا للقرآن يجب التصديق به و إلا فلا و قيل معناه و حافظا و رقيبا عليه عن الحسن و أبي عبيدة قالوا و فيه دلالة على أن ما حكى الله أنه كتبه عليهم في التوراة يلزمنا العمل به لأنه جعل القرآن مصدقا لذلك و شاهدا به « فاحكم بينهم بما أنزل الله » يعني بين اليهود بالقرآن في الرجم على الزانين عن ابن عباس قال إذا ترافع أهل الكتاب إلى الحكام يجب أن يحكموا بينهم بحكم القرآن و شريعة الإسلام لأنه أمر من الله بالحكم بينهم و الأمر يقتضي الإيجاب و به قال الحسن و مسروق و قال الجبائي و هذا ناسخ للتخيير في الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم و الترك « و لا تتبع أهواءهم » يريد فيما حرفوا و بدلوا من أمر الرجم عن ابن عباس « عما جاءك من الحق » و يجوز أن يكون عن من صلة معنى لا تتبع أهواءهم لأن معناه لا تزغ فكأنه قال لا تزغ عما جاءك باتباع أهوائهم و متى قيل كيف يجوز أن يتبع النبي أهواءهم مع كونه معصوما فالجواب أن النبي يجوز أن يرد عما يعلم أنه لا يفعله و يجوز أن يكون الخطاب له و المراد جميع الحكام « لكل جعلنا منكم شرعة
مجمع البيان ج : 3 ص : 314
و منهاجا » الخطاب للأمم الثلاث أمة موسى و أمة عيسى و أمة محمد و لا يعني به قوم كل نبي أ لا ترى أن ذكر هؤلاء قد تقدم في قوله « إنا أنزلنا التوراة » الآية ثم قال و قفينا على آثارهم بعيسى بن مريم قال « أنزلنا إليك الكتاب » ثم قال « لكل جعلنا منكم شرعة » فغلب المخاطب على الغائب شرعة أي شريعة فللتوراة شريعة و للإنجيل شريعة و للقرآن شريعة عن قتادة و جماعة من المفسرين و في هذا دلالة على جواز النسخ على أن نبينا كان متعبدا بشريعته فقط و كذلك أمته و قيل الخطاب لأمة نبينا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) عن مجاهد و الأول أقوى لأنه سبحانه بين أن لكل نبي شريعة و منهاجا أي سبيلا واضحا غير شريعة صاحبه و طريقته و يقوي ذلك قوله « و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة » و معناه و لو شاء الله لجمعكم على ملة واحدة في دعوة جميع الأنبياء لا تبدل شريعة منها و لا تنسخ عن ابن عباس و قيل أراد به مشيئة القدرة أي لو شاء الله لجمعكم على الحق كما قال و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها عن الحسن و قتادة « و لكن ليبلوكم » أي و لكن جعلكم على شرائع مختلفة ليمتحنكم « فيما آتاكم » أي فيما فرضه عليكم و شرعه لكم و قيل فيما أعطاكم من السنن و الكتاب و قال الحسين بن علي المغربي المعنى لو شاء الله لم يبعث إليكم نبيا فتكونون متعبدين بما في العقل و تكونون أمة واحدة و لكن ليختبركم فيما كلفكم من العبادات و هو عالم بما يؤول إليه أمركم « فاستبقوا الخيرات » أي بادروا فوت الحظ بالتقدم في الخير و قيل معناه بادروا الفوت بالموت أو العجز و بادروا إلى ما أمرتكم به فإني لا آمركم إلا بالصلاح عن الجبائي و قيل معناه سابقوا الأمم الماضية إلى الطاعات و الأعمال الصالحة عن الكلبي و في هذا دلالة على وجوب المبادرة إلى أفعال الخيرات و يكون محمولا على الواجبات و من قال إن الأمر على الندب حمله على جميع الطاعات « إلى الله مرجعكم » أي مصيركم « جميعا فينبؤكم » فيخبركم « بما كنتم فيه تختلفون » من أمر دينكم ثم يجازيكم على حسب استحقاقكم .

مجمع البيان ج : 3 ص : 315
وَ أَنِ احْكُم بَيْنهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوك عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْك فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبهُم بِبَعْضِ ذُنُوبهِمْ وَ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَسِقُونَ(49) أَ فَحُكْمَ الجَْهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْم يُوقِنُونَ(50)

القراءة

قرأ ابن عامر وحده تبغون بالتاء و الباقون بالياء و روي في الشواذ قراءة يحيى بن يعمر و إبراهيم النخعي « أ فحكم الجاهلية يبغون » برفع الميم و قراءة الأعمش أ فحكم الجاهلية بفتح الحاء و الكاف و الميم .

الحجة

من قرأ « يبغون » بالياء فلأن ما قبله غيبة « و إن كثيرا من الناس لفاسقون » و من قرأ بالتاء فعلى تقدير قل لهم يا محمد أ فحكم الجاهلية تبغون و من قرأ أ فحكم الجاهلية فعلى نحو ما جاء في الشعر :
قد أصبحت أم الخيار تدعي
علي ذنبا كله لم أصنع أي لم أصنعه فيكون التقدير أ فحكم الجاهلية يبغونه فحذف العائد من الخبر كما يحذف من الصفة و الحال في قولهم الناس رجلان رجل أكرمت و رجل أهنت أي أكرمته و أهنته و مررت بهند يضرب زيد أي يضربها زيد و قوله « أ فحكم الجاهلية » فيكون بمعنى الشياع أي فحكام الجاهلية يبغون و جاز أن يقع المضاف جنسا كما جاء عنهم من قولهم منعت العراق قفيزها و درهمها ثم يرجع المعنى إلى قوله « أ فحكم الجاهلية » لأنه ليس المراد هنا نفس الحكم فهو إذا على حذف المضاف و المراد أ فحكم حكم الجاهلية يبغون .

الإعراب

موضع « أن احكم » نصب بالعطف على الكتاب و التقدير أنزلنا إليك الكتاب و أن احكم بينهم بما أنزل الله و وصلت أن بالأمر و إن كان لا يجوز صلة الذي بالأمر لأن الذي اسم ناقص تجري صلته في البيان عنه مجرى الصفة في بيان النكرة و لذلك لا بد لها من عائد يعود إليها كما أن الصفة لا بد لها من عائد يعود منها إلى الموصوف و ليس كذلك أن لأنها حرف و هي مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد فلما كان في فعل الأمر معنى المصدر جاز وصل الحرف به على معنى مصدره و حكم نصب لأنه مفعول يبغون و حكما نصب على التمييز .

المعنى

« و أن احكم بينهم بما أنزل الله و لا تتبع أهواءهم » إنما كرر سبحانه الأمر بالحكم بينهم لأمرين ( أحدهما ) أنهما حكمان أمر بهما جميعا لأنهم احتكموا إليه في
مجمع البيان ج : 3 ص : 316
الزمن المحصن ثم احتكموا إليه في قتيل كان بينهم عن الجبائي و جماعة من المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) ( و الثاني ) أن الأمر الأول مطلق و الثاني يدل على أنه منزل « و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك » قيل فيه قولان : ( أحدهما ) أن معناه احذرهم أن يضلوك عن ذلك إلى ما يهوون من الأحكام بأن يطمعوك منهم في الإجابة إلى الإسلام عن ابن عباس ( و الثاني ) إن معناه احذرهم أن يضلوك بالكذب على التوراة لأنه ليس كذلك الحكم فيها فإني قد بينت لك حكمها عن ابن زيد و في هذه الآية دلالة على وجوب مجانبة أهل البدع و الضلال و ذوي الأهواء و ترك مخالطتهم « فإن تولوا » أي فإن أعرضوا عن حكمك بما أنزل الله « فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم » قيل في معناه أقوال ( أحدها ) أن معناه فاعلم يا محمد إنما يريد الله أن يعاقبهم ببعض إجرامهم ، ذكر البعض و المراد به الكل كما يذكر العموم و يراد به الخصوص عن الجبائي ، ( و الثاني ) أنه ذكر البعض تغليظا للعقاب و المراد أنه يكفي أن يؤاخذوا ببعض ذنوبهم في إهلاكهم و التدمير عليهم ( و الثالث ) أنه أراد تعجيل بعض العقاب بما كان من التمرد في الأجرام لأن عذاب الدنيا يختص ببعض الذنوب دون بعض و عذاب الآخرة يعم و قيل المراد بذلك إجلاء بني النضير لأن علماءهم لما كفروا و كتموا الحق عوقبوا بالجلاء عن الحسن و قيل المراد بنو قريظة لما نقضوا العهد يوم الأحزاب عوقبوا بالقتل « و إن كثيرا من الناس لفاسقون » هذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن امتناع القوم من الإقرار بنبوته و الإسراع إلى إجابته بأن أهل الإيمان قليل و أهل الفسق كثير فلا ينبغي أن يعظم عليك ذلك ثم أنكر عليهم فعلهم فقال « أ فحكم الجاهلية يبغون » و المراد به اليهود عن مجاهد و اختاره الجبائي قال لأنهم كانوا إذا وجب الحكم على ضعفائهم ألزموهم إياه و إذا وجب على أقويائهم و أشرافهم لم يؤاخذوهم به فقيل لهم أ فحكم الجاهلية أي عبدة الأوثان تطلبون و أنتم أهل الكتاب و قيل المراد به كل من طلب غير حكم الله فإنه يخرج منه إلى حكم الجاهلية و كفى بذلك أن يحكم بما يوجبه الجهل دون ما يوجبه العلم « و من أحسن من الله حكما » أي لا أحد حكمه أحسن من حكم الله « لقوم يوقنون » أي عند قوم أقيمت اللام مقام عنه عن الجبائي و هذا جائز إذا تقاربت المعاني و ارتفع اللبس فإذا قيل الحكم لهم فلأنهم يستحسنونه و إذا قيل عندهم فلان عندهم العلم بصحته .

مجمع البيان ج : 3 ص : 317
* يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيهُودَ وَ النَّصرَى أَوْلِيَاءَ بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَ مَن يَتَوَلهَُّم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(51) فَترَى الَّذِينَ فى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نخْشى أَن تُصِيبَنَا دَائرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أَن يَأْتىَ بِالْفَتْح أَوْ أَمْر مِّنْ عِندِهِ فَيُصبِحُوا عَلى مَا أَسرُّوا فى أَنفُسِهِمْ نَدِمِينَ(52) وَ يَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنهِمْ إِنهُمْ لمََعَكُمْ حَبِطت أَعْمَلُهُمْ فَأَصبَحُوا خَسرِينَ(53)

القراءة

قرأ ابن عامر و ابن كثير و نافع يقول بلا واو و الباقون بالواو و كلهم قرأ بضم اللام إلا أبا عمرو فإنه فتحها .

الحجة

من حذف الواو من قوله « و يقول الذين آمنوا » فلأن في الجملة المعطوفة ذكرا من المعطوف عليها و ذلك إن من وصف بقوله « يسارعون » إلى قوله « نادمين » هم الذين قال فيهم « الذين آمنوا أ هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم » فلما صار في كل واحدة من الجملتين ذكر من الأخرى حسن عطفها بالواو و بغير الواو كما أن قوله « سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم و يقولون خمسة سادسهم كلبهم » لما كان في كل واحدة من الجملتين ذكر مما تقدم اكتفي بذلك عن الواو لأنهما بالذكر و ملابسة بعضهما ببعض قد ترتبط إحداهما بالأخرى كما ترتبط بحرف العطف و يدلك على حسن دخول الواو قوله تعالى « و ثامنهم كلبهم » فحذف الواو من « و يقول » كحذفها في هذه الآية و إلحاقها كإلحاقها فيها و الوجه في قراءة أبي عمرو و يقول بالنصب أن يحمله على أن تكون « أن يأتي » بدلا من اسم الله كما كان أن أذكره بدلا من الهاء في أنسانيه من قوله « و ما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره » ثم يكون « و يقول » منصوبا عطفا على ذلك فكأنه قال عسى أن يأتي الله بالفتح « و يقول الذين آمنوا » و من رفع فحجته أن يعطف جملة على جملة لا مفردا على مفرد .

مجمع البيان ج : 3 ص : 318

اللغة

الاتخاذ هو الاعتماد على الشيء لإعداده لأمره و هو افتعال من الأخذ و أصله اءتخاذ فأبدلت الهمزة تاء و أدغمتها في التاء التي بعدها و مثله الاتعاد من الوعد و الأخذ يكون على وجوه تقول أخذ الكتاب إذا تناوله و أخذ القربان إذا تقبله و أخذه الله من مأمنه إذا أهلكه و أصله جواز الشيء من جهة إلى جهة من الجهات و الأولياء جمع ولي و هو النصير لأنه يلي بالنصر صاحبه و الدائرة هاهنا الدولة التي تتحول إلى من كانت له عمن في يده قال حميد الأرقط :
كنت حسبت الخندق المحفورا
يرد عنك القدر المقدورا
و دائرات الدهر أن تدورا يعني دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم و عسى موضوعة للشك و هي من الله تعالى تفيد الوجوب لأن الكريم إذا أطمع في خير يفعله فهو بمنزلة الوعد به في تعلق النفس به و رجائها له و لذلك حق لا يضيع و منزلة لا تخيب و الفتح القضاء و الفصل و يقال للحاكم الفتاح لأنه يفتح الحكم و يفصل به الأمر .

النزول

اختلف في سبب نزوله و إن كان حكمه عاما لجميع المؤمنين فقال عطية بن سعد العوفي و الزهري لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن ضيف أغركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال أما لو أمرونا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يدان بقتالنا فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال يا رسول الله إن لي أولياء من اليهود كثيرا عددهم قوية أنفسهم شديدة شوكتهم و إني أبرأ إلى الله و رسوله من ولايتهم و لا مولى لي إلا الله و رسوله فقال عبد الله بن أبي لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر و لا بد لي منهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه قال إذا أقبل و أنزل الله الآية و قال السدي لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس فقال رجل من المسلمين أنا ألحق بفلان اليهودي و آخذ منه أمانا و قال آخر أنا ألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام فأخذ منه أمانا فنزلت الآية و قال عكرمة نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين قال لبني قريظة إذا رضوا بحكم سعد أنه الذبح .

مجمع البيان ج : 3 ص : 319

المعنى

لما تقدم ذكر اليهود و النصارى أمر سبحانه عقيب ذلك بقطع موالاتهم و التبرؤ منهم فقال « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء » أي لا تعتمدوا على الاستنصار بهم متوددين إليهم و خص اليهود و النصارى بالذكر لأن سائر الكفار بمنزلتها في وجوب معاداتهم « بعضهم أولياء بعض » ابتداء كلام أخبر سبحانه أن بعض الكفار ولي بعض في العون و النصرة و يدهم واحدة على المسلمين و في هذه دلالة على أن الكفر كله كالملة الواحدة في أحكام المواريث لعموم قوله « بعضهم أولياء بعض » و قال الصادق لا تتوارث أهل ملتين و نحن نرثهم و لا يورثوننا « و من يتولهم منكم » أي من استنصر بهم و اتخذهم أنصارا « فإنه منهم » أي هو كافر مثلهم عن ابن عباس و المعنى أنه محكوم له حكمهم في وجوب لعنه و البراءة منه و أنه من أهل النار « إن الله لا يهدي القوم الظالمين » إلى طريق الجنة لكفرهم و استحقاقهم العذاب الدائم بل يضلهم عنها إلى طريق النار عن أبي علي الجبائي و قيل معناه لا يحكم لهم بحكم المؤمنين في المدح و الثناء و النصرة على الأعداء « فترى » يا محمد « الذين في قلوبهم مرض » أي شك و نفاق يعني عبد الله بن أبي عن ابن عباس « يسارعون فيهم » أي في موالاة اليهود و مناصحتهم و قيل في معاونتهم على المسلمين و قيل موالاة اليهود و نصارى نجران لأنهم كانوا يميرونهم عن الكلبي « يقولون » أي قائلين و هو في موضع الحال « نخشى أن تصيبنا دائرة » أي دولة تدور لأعداء المسلمين على المسلمين فنحتاج إلى نصرتهم عن مجاهد و السدي و قتادة و قيل معناه نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه يعنون الجدب فلا يميروننا عن الكلبي « فعسى الله أن يأتي بالفتح » يعني فتح مكة عن السدي و قيل بفتح بلاد المشركين عن الجبائي و قيل المراد بالقضاء الفصل عن قتادة و يجمع هذه الأقوال قول ابن عباس يريد بفتح الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) على جميع خلقه « أو أمر من عنده » فيه إعزاز للمؤمنين و إذلال للمشركين و ظهور الإسلام عن السدي و قيل هو إظهار نفاق المنافقين مع الأمر بقتالهم عن الحسن و الزجاج و قيل هو أمر دون الفتح الأعظم أو موت هذا المنافق عن الجبائي و قيل هو القتل و سبي الذراري لبني قريظة و الإجلاء لبني النضير عن مقاتل و هذا معنى قول ابن عباس « أو أمر من عنده » يريد فيه هلاكهم و هو يحتمل هلاك اليهود و هلاك المنافقين « فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين » أي فيصبح أهل النفاق على ما كان منهم من نفاقهم و ولايتهم لليهود
مجمع البيان ج : 3 ص : 320
و دس الأخبار إليهم نادمين عن ابن عباس و قتادة و المعنى إذا فتح الله على المؤمنين ندم المنافقون و الكفار على تفويتهم أنفسهم ذلك و كذلك إذا ماتوا و تحققوا دخول النار ندموا على ما فعلوه في الدنيا من الكفر و النفاق « و يقول الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله ظاهرا و باطنا تعجبا من نفاق المنافقين و اجترائهم على الله بالأيمان الكاذبة « أ هؤلاء الذين أقسموا بالله » يعني المنافقين حلفوا بالله « جهد أيمانهم » انتصب جهد لأنه مصدر أي جهدوا جهد أيمانهم قال عطا أي حلفوا بأغلظ الأيمان و أوكدها أنهم مؤمنون و معكم في معاونتكم على أعدائكم و نصرتكم يريد أنهم حلفوا أنهم لأمثالكم في الإيمان « حبطت أعمالهم » أي ضاعت أعمالهم التي عملوها لأنهم أوقعوها على خلاف الوجه المأمور به و بطل ما أظهروه من الإيمان لأنه لم يوافق باطنهم ظاهرهم فلم يستحقوا به الثواب « فأصبحوا » أي صاروا « خاسرين » أي خسروا الدنيا و الآخرة أما الدنيا فليسوا من الأنصار و أما الآخرة فقرنهم الله مع الكفار عن ابن عباس و قيل مغبونين بأنفسهم و منازلهم في الجنة إذا صاروا إلى النار و ورثها المؤمنون عن الكلبي .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسوْف يَأْتى اللَّهُ بِقَوْم يحِبهُمْ وَ يحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلى الْكَفِرِينَ يجَهِدُونَ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ لا يخَافُونَ لَوْمَةَ لائم ذَلِك فَضلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(54)

القراءة

قرأ أبو جعفر و نافع و ابن عامر يرتدد بدالين و الباقون بدال واحدة مشددة .

الحجة

حجة من أدغم أنه لما أسكن الحرف الأول ليدغمه في الثاني و كان الثاني ساكنا حرك المدغم فيه لالتقاء الساكنين و هذه لغة بني تميم و حجة من أظهر أن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنا و المدغم إذا كان ساكنا و المدغم فيه كذلك التقى ساكنان و التقاء الساكنين في هذا النحو ليس من كلامهم فأظهر الحرف الأول و حركه و أسكن الثاني من
مجمع البيان ج : 3 ص : 321
المثلين و هذه لغة أهل الحجاز .

اللغة

الذل بكسر الذال ضد الصعوبة و بضمها ضد العز يقال ذلول بين الذل من قوم أذلة و ذليل بين الذل من قوم أذلاء و الأول من اللين و الانقياد و الثاني من الهوان و الاستخفاف و العزة الشدة يقال عززت فلانا على أمره أي غلبته عليه و العزاز الأرض الصلبة و عز يعز الشيء إذا لم يقدر عليه و أصل الباب الامتناع .

المعنى

لما بين تعالى حال المنافقين و أنهم يتربصون الدوائر بالمؤمنين و علم أن قوما منهم يرتدون بعد وفاته أعلم أن ذلك كائن و إنهم لا ينالون أمانيهم و الله ينصر دينه بقوم لهم صفات مخصوصة تميزوا بها من بين العالمين فقال « يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه » أي من يرجع منكم أي من جملتكم إلى الكفر بعد إظهار الإيمان فلن يضر دين الله شيئا فإن الله لا يخلي دينه من أنصار يحمونه « فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه » أي يحبهم الله و يحبون الله « أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين » أي رحماء على المؤمنين غلاظ شداد على الكافرين و هو من الذل الذي هو اللين لا من الذل الذي هو الهوان قال ابن عباس تراهم للمؤمنين كالولد لوالده و كالعبد لسيده و هم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته « يجاهدون في سبيل الله » بالقتال لإعلاء كلمة الله و إعزاز دينه « و لا يخافون لومة لائم » فيما يأتون من الجهاد و الطاعات و اختلف فيمن وصف بهذه الأوصاف منهم فقيل هم أبو بكر و أصحابه الذين قاتلوا أهل الردة عن الحسن و قتادة و الضحاك و قيل هم الأنصار عن السدي و قيل هم أهل اليمن عن مجاهد قال قال رسول الله أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا و أرق أفئدة الإيمان يماني و الحكمة يمانية و قال عياض بن غنم الأشعري لما نزلت هذه الآية أومأ رسول الله إلى أبي موسى الأشعري فقال هم قوم هذا و قيل أنهم الفرس و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن هذه الآية فضرب بيده على عاتق سلمان فقال هذا و ذووه ثم قال لو كان الدين معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس و قيل هم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و أصحابه حين قاتل من قاتله من الناكثين و القاسطين و المارقين و روي ذلك عن عمار و حذيفة و ابن عباس و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و يؤيد هذا القول أن النبي وصفه بهذه الصفات المذكورة في الآية فقال فيه و قد ندبه لفتح خيبر بعد أن رد عنها حامل الراية إليه مرة بعد أخرى و هو يجبن الناس و يجبنونه لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يده ثم أعطاها إياه فأما الوصف باللين
مجمع البيان ج : 3 ص : 322
على أهل الإيمان و الشدة على الكفار و الجهاد في سبيل الله مع أنه لا يخاف فيه لومة لائم فمما لا يمكن أحدا دفع علي عن استحقاق ذلك لما ظهر من شدته على أهل الشرك و الكفر و نكايته فيهم و مقاماته المشهورة في تشييد الملة و نصرة الدين و الرأفة بالمؤمنين و يؤيد ذلك أيضا إنذار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قريشا بقتال علي لهم من بعده حيث جاء سهيل بن عمرو في جماعة منهم فقالوا له يا محمد إن أرقاءنا لحقوا بك فارددهم علينا فقال رسول الله لتنتهين يا معاشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا يضربكم على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله فقال له بعض أصحابه من هو يا رسول الله أبو بكر قال لا و لكنه خاصف النعل في الحجرة و كان علي يخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و روي عن علي أنه قال يوم البصرة و الله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم و تلا هذه الآية و روى أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بالإسناد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله قال يرد علي قوم من أصحابي يوم القيامة فيجلون عن الحوض فأقول يا رب أصحابي أصحابي فيقال إنك لا علم لك بما أحدثوا من بعدك أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى و قيل أن الآية عامة في كل من استجمع هذه الخصال إلى يوم القيامة و ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم أنها نزلت في مهدي الأمة و أصحابه و أولها خطاب لمن ظلم آل محمد و قتلهم و غصبهم حقهم و يمكن أن ينصر هذا القول بأن قوله تعالى « فسوف يأتي الله بقوم » يوجب أن يكون ذلك القوم غير موجودين في وقت نزول الخطاب فهو يتناول من يكون بعدهم بهذه الصفة إلى قيام الساعة « ذلك فضل الله » أي محبتهم لله و لين جانبهم للمؤمنين و شدتهم على الكافرين بفضل من الله و توفيق و لطف منه و منة من جهته « يؤتيه من يشاء » أن يعطيه من يعلم أنه محل له « و الله واسع » أي جواد لا يخاف نفاد ما عنده « عليم » بموضع جوده و عطائه فلا يبذله إلا لمن تقتضي الحكمة إعطاءه و قيل معناه واسع الرحمة « عليم » بمن يكون من أهلها .
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسولُهُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصلَوةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَ هُمْ رَكِعُونَ(55) وَ مَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسولَهُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْب اللَّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ(56)

مجمع البيان ج : 3 ص : 323

اللغة

الولي هو الذي يلي النصرة و المعونة و الولي هو الذي يلي تدبير الأمر يقال فلان ولي المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها و ولي الدم من كان إليه المطالبة بالقود و السلطان ولي أمر الرعية و يقال لمن يرشحه لخلافته عليهم بعده ولي عهد المسلمين قال الكميت يمدح عليا :
و نعم ولي الأمر بعد وليه
و منتجع التقوى و نعم المؤدب و يروي الفتوى و إنما أراد ولي الأمر و القائم بتدبيره قال المبرد في كتاب العبارة عن صفات الله أصل الولي الذي هو أولى أي أحق و مثله المولى و الركوع هو التطأطؤ المخصوص قال الخليل كل شيء ينكب لوجهه فتمس ركبته الأرض أو لا يمس بعد أن يطأطىء رأسه فهو راكع و أنشد لبيد :
أخبر أخبار القرون التي مضت
أدب كأني كلما قمت راكع و قال ابن دريد الراكع الذي يكبو على وجهه و منه الركوع في الصلاة قال الشاعر :
و أفلت حاجب فوق العوالي
على شقا تركع في الظراب و قد يوصف الخاضع بأنه راكع على سبيل التشبيه و المجاز لما يستعمله من التطامن و التطأطؤ و على ذلك قول الشاعر :
لا تهين الفقير علك أن
تركع يوما و الدهر قد رفعه و الحزب الطائفة و الجماعة و أصله من قولهم حزبه الأمر يحزبه إذا نابه و كل قوم تشابهت قلوبهم و أعمالهم فهم أحزاب و تحزب القوم إذا اجتمعوا و حمار حزابية مجتمع الخلق غليظ .

الإعراب

لفظة إنما مخصصة لما أثبت بعده نافية لما لم يثبت يقول القائل لغيره إنما لك عندي درهم فيكون مثل أن يقول أنه ليس لك عندي إلا درهم و قالوا إنما السخاء حاتم يريدون نفي السخاء عن غيره و التقدير إنما السخاء سخاء حاتم فحذف المضاف و المفهوم من قول القائل إنما أكلت رغيفا و إنما لقيت اليوم زيدا نفي أكل أكثر من رغيف
مجمع البيان ج : 3 ص : 324
و نفي لقاء غير زيد و قال الأعشى :
و لست بالأكثر منهم حصى
و إنما العزة للكاثر أراد نفي العزة عمن ليس بكاثر و قوله « و هم راكعون » جملة في موضع النصب على الحال من يؤتون أي يؤتون الزكاة راكعين كما يقال الجواد من يجود بماله و هو ضاحك و موضع من رفع بالابتداء و في يتول ضمير يعود إلى من و هو مجزوم بالشرط و موضع الفاء مع ما بعده جزم لما في ذلك من معنى الجزاء لأن تقديره فهو غالب و في من معنى إن فلهذا جزم الفعل المضارع و معنى هذا الحرف الذي في من مع الشرط و الجزاء في موضع رفع بكونه خبر المبتدأ .

النزول

حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسني القائني قال حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني ( ره ) قال حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه الصيدلاني قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الشعراني قال حدثنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني قال حدثني المظفر بن الحسين الأنصاري قال حدثنا السدي بن علي الوراق قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عباية بن ربعي قال بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذ أقبل رجل متعمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله أ لا قال الرجل قال رسول الله فقال ابن عباس سألتك بالله من أنت فكشف العمامة عن وجهه و قال يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي أنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بهاتين و إلا فصمتا و رأيته بهاتين و إلا فعميتا يقول علي قائد البررة و قاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوما من الأيام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئا فرفع السائل يده إلى السماء و قال اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئا و كان علي راكعا فأومأ بخنصره اليمني إليه و كان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره و ذلك بعين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فلما فرغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من صلاته رفع رأسه إلى السماء و قال اللهم إن أخي موسى سألك فقال رب اشرح لي صدري و يسر لي أمري و أحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري و أشركه في أمري فأنزلت عليه قرآنا ناطقا « سنشد عضدك بأخيك و نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما » اللهم و أنا
مجمع البيان ج : 3 ص : 325
محمد نبيك و صفيك اللهم فاشرح لي صدري و يسر لي أمري و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري قال أبو ذر فو الله ما استتم رسول الله الكلمة حتى نزل عليه جبرائيل من عند الله فقال يا محمد اقرأ قال و ما أقرأ قال اقرأ « إنما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا » الآية و روى هذا الخبر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره بهذا الإسناد بعينه و روى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن على ما حكاه المغربي عنه و الرماني و الطبري أنها نزلت في علي حين تصدق بخاتمه و هو راكع و هو قول مجاهد و السدي و المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و جميع علماء أهل البيت و قال الكلبي نزلت في عبد الله بن سلام و أصحابه لما أسلموا فقطعت اليهود موالاتهم فنزلت الآية و في رواية عطا قال عبد الله بن سلام يا رسول الله أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه و هو راكع فنحن نتولاه و قد رواه لنا السيد أبو الحمد عن أبي القاسم الحسكاني بالإسناد المتصل المرفوع إلى أبي صالح عن ابن عباس قال أقبل عبد الله بن سلام و معه نفر من قومه ممن قد آمنوا بالنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالوا يا رسول الله إن منازلنا بعيدة و ليس لنا مجلس و لا متحدث دون هذا المجلس و إن قومنا لما رأونا آمنا بالله و رسوله و صدقناه رفضونا و آلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا و لا يناكحونا و لا يكلمونا فشق ذلك علينا فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) « إنما وليكم الله و رسوله » الآية ثم أن النبي خرج إلى المسجد و الناس بين قائم و راكع فبصر بسائل فقال النبي هل أعطاك أحد شيئا فقال نعم خاتم من فضة فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أعطاكه قال ذلك القائم و أومأ بيده إلى علي فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على أي حال أعطاك قال أعطاني و هو راكع فكبر النبي ثم قرأ « و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون » فأنشأ حسان بن ثابت يقول في ذلك :
أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي
و كل بطيء في الهدى و مسارع
أ يذهب مدحيك المحبر ضائعا
و ما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا
زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية
و ثبتها مثنى كتاب الشرائع و في حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير أن عبد الله بن سلام أتى رسول الله مع رهط من قومه يشكون إلى رسول الله ما لقوا من قومهم فبينا هم يشكون إذ نزلت هذه الآية و أذن
مجمع البيان ج : 3 ص : 326
بلال فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى المسجد و إذا مسكين يسأل فقال (عليه السلام) ما ذا أعطيت قال خاتم من فضة قال من أعطاكه قال ذلك القائم فإذا هو علي قال على أي حال أعطاكه قال أعطاني و هو راكع فكبر رسول الله و قال « و من يتول الله و رسوله » الآية .

المعنى

ثم بين تعالى من له الولاية على الخلق و القيام بأمورهم و تجب طاعته عليهم فقال « إنما وليكم الله و رسوله » أي الذي يتولى مصالحكم و يتحقق تدبيركم هو الله تعالى و رسوله يفعله بأمر الله « و الذين آمنوا » ثم وصف الذين آمنوا فقال « الذين يقيمون الصلاة » بشرائطها « و يؤتون » أي و يعطون « الزكاة و هم راكعون » أي في حال الركوع و هذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل و الوجه فيه أنه إذا ثبت أن لفظة « وليكم » تفيد من هو أولى بتدبير أموركم و يجب طاعته عليكم و ثبت أن المراد « بالذين آمنوا » علي ثبت النص عليه بالإمامة و وضح و الذي يدل على الأول هو الرجوع إلى اللغة فمن تأملها علم أن القوم نصوا على ذلك و قد ذكرنا قول أهل اللغة فيه قبل فلا وجه لإعادته ثم الذي يدل على أنها في الآية تفيد ذلك دون غيره أن لفظة إنما على ما تقدم ذكره تقتضي التخصيص و نفي الحكم عمن عدا المذكور كما يقولون إنما الفصاحة للجاهلية يعنون نفي الفصاحة عن غيرهم و إذا تقرر هذا لم يجز حمل لفظة الولي على الموالاة في الدين و المحبة لأنه لا تخصيص في هذا المعنى لمؤمن دون مؤمن آخر و المؤمنون كلهم مشتركون في هذا المعنى كما قال سبحانه « و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض » و إذا لم يجز حمله على ذلك لم يبق إلا الوجه الآخر و هو التحقق بالأمور و ما يقتضي فرض الطاعة على الجمهور لأنه لا محتمل للفظه إلا الوجهان فإذا بطل أحدهما ثبت الآخر و الذي يدل على أن المعني ب « الذين آمنوا » هو علي الرواية الواردة من طريق العامة و الخاصة بنزول الآية فيه لما تصدق بخاتمه في حال الركوع و قد تقدم ذكرها و أيضا فإن كل من قال أن المراد بلفظة ولي ما يرجع إلى فرض الطاعة و الإمامة ذهب إلى أنه هو المقصود بالآية و المتفرد بمعناها و لا أحد من الأمة يذهب إلى أن هذه اللفظة تقتضي ما ذكرناه و يذهب إلى أن المعني بها سواه و ليس لأحد أن يقول أن لفظ « الذين آمنوا » لفظ جمع فلا يجوز أن يتوجه إليه على الانفراد و ذلك أن أهل اللغة قد يعبرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التفخيم و التعظيم و ذلك أشهر في كلامهم من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه و ليس لهم أن يقولوا أن المراد بقوله « و هم راكعون » أن هذه شيمتهم و عادتهم و لا يكون حالا لإيتاء الزكاة و ذلك لأن قوله
مجمع البيان ج : 3 ص : 327
« يقيمون الصلاة » قد دخل فيه الركوع فلو لم يحمل قوله « و هم راكعون » على أنه حال من يؤتون الزكاة و حملناه على من صفتهم الركوع كان ذلك كالتكرار غير المفيد و التأويل المفيد أولى من البعيد الذي لا يفيد و وجه آخر في الدلالة على أن الولاية في الآية مختصة أنه سبحانه قال « إنما وليكم الله » فخاطب جميع المؤمنين و دخل في الخطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و غيره ثم قال « و رسوله » فأخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته ثم قال « و الذين آمنوا » فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية و إلا أدى إلى أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه و إلى أن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه و ذلك محال و استيفاء الكلام في هذا الباب يطول به الكتاب فمن أراده فليطلبه من مظانه قال الواحدي و استدل أهل العلم بهذه الآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة و إن دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزكاة « و من يتول الله » بالقيام بطاعته « و رسوله » باتباع أمره « و الذين آمنوا » بالموالاة و النصرة « فإن حزب الله » أي جند الله عن الحسن و قيل أنصار الله « هم الغالبون » الظاهرون على أعدائهم الظافرون بهم .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتخَذُوا دِينَكمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب مِن قَبْلِكمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(57)

القراءة

قرأ أهل البصرة و الكسائي و الكفار بالجر و قرأ الباقون بالنصب .

الحجة

حجة من قرأ بالجر أنه حمل الكلام على أقرب العاملين و هو عامل الجر و حجة من نصب أنه عطف على العامل الناصب فكأنه قال لا تتخذوا الكفار أولياء قال الزجاج يجوز في « هزوا » أربعة أوجه إن شئت قلت هزؤا بضم الزاي و تحقيق الهمزة و هو الأصل و الأجود و إن شئت قلت هزوا و أبدلت من الهمزة واوا لانضمام ما قبلها و إن شئت قلت هزؤا بإسكان الزاي و تحقيق الهمزة فهذه الأوجه الثلاثة جيدة يقرأ بهن و فيها وجه آخر لا يجوز القراءة به و هو أن يقول هزا مثل هدى و ذلك أنه يجوز إذا أردت تخفيف همزة هزءا أن تطرح
مجمع البيان ج : 3 ص : 328
حركتها إلى الزاي كما تقول رأيت خبأ تريد خباء .

اللغة

الهزء السخرية و هو إظهار ما يلهي تعجبا مما يجري قال الله تعالى « و لقد استهزىء برسل من قبلك » و قال الشاعر :
أ لا هزئت و أعجبها المشيب
فلا نكر لديك و لا عجيب يقال هزأ به هزأ و تهزأ و استهزأ و اللعب الأخذ على غير طريق الحق و مثله العبث و أصله من لعاب الصبي يقال لعب يلعب إذا سأل لعابه لأنه يخرج إلى غير جهته فلذلك اللاعب يمر إلى غير جهة الصواب .

النزول

قيل كان رفاعة بن زيد بن التابوت و سويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا و كان رجال من المسلمين يوادونهما فنزلت الآية عن ابن عباس .

المعنى

ثم أكد سبحانه النهي عن موالاة الكفار فقال « يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا و لعبا » أي أظهروا الإيمان باللسان و استبطنوا الكفر فذلك معنى تلاعبهم بالدين « من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » يعني اليهود و النصارى « و الكفار » بالجر أي و من الكفار « أولياء » بطانة و أخلاء فيكون الهزء من الكتابي و من المشرك و المنافق و يدل على استهزاء المشركين قوله سبحانه « إنا كفيناك المستهزءين الذين يجعلون مع الله إلها آخر » و يدل على استهزاء المنافقين قوله « و إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون » و كل من ذكرنا من المشركين و المنافقين و من لم يسلم من اليهود و النصارى يقع عليه اسم كافر يدل على ذلك قوله « لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين » فإذا وقع على المستهزءين اسم كافر حسن أن يكون قوله « و الكفار » تبيينا للاسم الموصول و هو الذي اتخذوا دينكم هزوا و لعبا كما كان قوله « من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم » تبيينا له و لو قال من الكفار فبين به لعم الجميع و لكن الكفار كان إطلاقه على المشركين أغلب فلذلك فصل بينهما و أما القراءة بالنصب فمعناه لا تتخذوا المستهزءين من أهل الكتاب و لا تتخذوا الكفار أولياء « و اتقوا الله » في موالاتهم بعد النهي عنها « إن كنتم مؤمنين » بوعده و وعيده أي ليس من صفات المؤمنين موالاة من يطعن في الدين فمن كان مؤمنا غضب لإيمانه على من طعن فيه و كافأه بما يستحقه من
مجمع البيان ج : 3 ص : 329
المقت و العداوة .
وَ إِذَا نَادَيْتُمْ إِلى الصلَوةِ اتخَذُوهَا هُزُواً وَ لَعِباً ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ(58)

اللغة

النداء الدعاء بمد الصوت على طريقة يا فلان و أصله ندى الصوت و هو بعد مذهبه و صحة جرمه و منه قوله أناديك و لا أناجيك أي أعالنك الندا و لا أسر لك النجوى قال أبو ذهيل :
و أبرزتها من بطن مكة بعد ما
أصات المنادي بالصلاة فاعتما و أصل الباب الندو و هو الاجتماع يقال ندا القوم يندون ندوا أي اجتمعوا في النادي و منه دار الندوة و ندى الماء لأنه يجتمع قليلا قليلا و ندى الصوت منه لأنه عن جرم الندى .

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن صفة الكفار الذين نهى الله المؤمنين عن موالاتهم فقال « و إذا ناديتم » أيها المؤمنون « إلى الصلاة » أي دعوتم إليها « اتخذوها » أي اتخذوا الصلاة « هزوا و لعبا » و قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أنهم كانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم و تغامزوا على طريق السخف و المجون تجهيلا لأهلها و تنفيرا للناس عنها و عن الداعي إليها ( و الآخر ) أنهم كانوا يرون المنادي إليها بمنزلة اللاعب الهازىء بفعلها جهلا منهم بمنزلتها « ذلك بأنهم قوم لا يعقلون » و قيل فيه قولان ( أحدهما ) أنهم لا يعقلون ما لهم في إجابتهم لو أجابوا إليها من الثواب و ما عليهم في استهزائهم بها من العقاب ( و الثاني ) أنهم بمنزلة من لا عقل له يمنعه من القبائح و يردعه عن الفواحش قال السدي كان رجل من النصارى بالمدينة فسمع المؤذن ينادي أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله فقال حرق الكاذب فدخلت خادمة له ليلة بنار و هو نائم و أهله فسقطت بشرارة فاحترق هو و أهله و احترق البيت .
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَ مَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَ أَنَّ أَكْثرَكمْ فَسِقُونَ(59)

مجمع البيان ج : 3 ص : 330

اللغة

يقال نقم الأمر ينقم نقما و نقم ينقم إذا أنكره و الأول أكثر قال عبد الله بن قيس الرقيات :
ما نقموا من بني أمية إلا
أنهم يحلمون إن غضبوا و سمي العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل .

الإعراب

قوله « أن أكثركم فاسقون » في موضع نصب و كذلك قوله « أن آمنا بالله » و التقدير هل تنقمون منا إلا إيماننا و فسقكم .

النزول

قيل أن نفرا من اليهود أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال أومن بالله و ما أنزل إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق إلى قوله « و نحن له مسلمون » فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته و قالوا و الله ما نعلم أهل دين قط أخطأ في الدنيا و الآخرة منكم و لا دينا شرا من دينكم فأنزل الله الآية و ما بعدها .

المعنى

ثم أمر الله سبحانه رسوله بحجاجهم فقال « قل » يا محمد « يا أهل الكتاب هل تنقمون منا » أي هل تنكرون منا و قيل هل تسخطون منا و قيل هل تكرهون منا و المعاني متقاربة « إلا أن آمنا بالله » فوجدناه و وصفناه بما يليق به من الصفات العلى و نزهناه عما لا يجوز عليه في ذاته و صفاته « و ما أنزل إلينا » من القرآن « و ما أنزل من قبل » على الأنبياء « و أن أكثركم فاسقون » قال الزجاج معناه هل تكرهون إلا إيماننا و فسقكم أي إنما كرهتم إيماننا و أنتم تعلمون أنا على الحق لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة و كسبكم بها الأموال و هذا معنى قول الحسن لفسقكم نقمتم علينا قال بعض أهل التحقيق فعلى هذا يجب أن يكون موضع أن في قوله « و أن أكثركم فاسقون » نصبا بإضمار اللام على تأويل و لأن أكثركم فاسقون و قيل لما ذكر تعالى ما نقمة اليهود عليهم من الإيمان بجميع الرسل و ليس هو مما ينقم ذكر في مقابلته فسقهم و هو مما ينقم و مثل هذا يحسن في الإزدواج يقول القائل هل تنقم مني إلا أني عفيف و أنك فاجر و إلا أني غني و أنك فقير فيحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة و معنى « فاسقون » خارجون عن أمر الله طلبا للرئاسة و حسدا على منزلة النبوة و المراد بالأكثر من لم يؤمن منهم لأن قليلا من أهل الكتاب آمن و قيل في قوله « و أن أكثركم فاسقون » قول آخر ذكره أبو علي الجرجاني
مجمع البيان ج : 3 ص : 331
صاحب النظم قال يجعله منظوما بقوله « آمنا بالله » على تأويل آمنا بالله و بأن أكثركم فاسقون فيكون موضع أن جر بالباء و هذا وجه حسن .
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشرّ مِّن ذَلِك مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِب عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنهُمُ الْقِرَدَةَ وَ الخَْنَازِيرَ وَ عَبَدَ الطغُوت أُولَئك شرُّ مَّكاناً وَ أَضلُّ عَن سوَاءِ السبِيلِ(60)

القراءة

قرأ حمزة وحده و عبد الطاغوت بضم الباء و جر التاء و الباقون « و عبد الطاغوت » بفتح الباء و نصب التاء و روي في الشواذ قراءة الحسن و ابن هرمز مثوبة ساكنة الثاء مفتوحة الواو و كذلك في سورة البقرة لمثوبة و قرأ ابن عباس و ابن مسعود و إبراهيم النخعي و الأعمش و أبان بن تغلب و عبد الطاغوت بضم العين و الباء و فتح الدال و خفض الطاغوت و قرأ أبي بن كعب عبدوا الطاغوت و رواية عكرمة عن ابن عباس و عبد الطاغوت بتشديد الباء و فتح الدال و قراءة أبي واقد و عباد الطاغوت و قراءة أبي جعفر الرؤاسي النحوي و عبد الطاغوت كقولك ضرب زيد لم يسم فاعله و قراءة عون العقيلي و ابن بريدة و عابد الطاغوت و رواية علقمة عن ابن مسعود و عبد الطاغوت على وزن صرد فهذه عشر قراءات اثنتان منها في السبعة .

الحجة

قال أبو علي حجة حمزة في قراءة و عبد الطاغوت أن يحمله على ما عمل فيه جعل كأنه و جعل منهم عبد الطاغوت و معنى جعل خلق كقوله « و جعل الظلمات و النور و جعل منها زوجها » و ليس عبد لفظ جمع لأنه ليس من أبنية الجموع شيء على هذا البناء و لكنه واحد يراد به الكثرة أ لا ترى أن في الأسماء المفردة المضافة إلى المعارف ما لفظه لفظ الإفراد و معناه الجمع كما في قوله « و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها » و لأن بنا فعل يراد به المبالغة و الكثرة نحو يقظ و ندس فكان تقديره أنه قد ذهب في عباد الطاغوت كل مذهب و تكرر ذلك منه و أما من فتح فقال « و عبد الطاغوت » فإنه عطفه على بناء الماضي الذي في الصلة و هو قوله « لعنه الله » و أفرد الضمير في عبد و إن كان المعني فيه الكثرة لأن الكلام محمول على لفظه دون معناه و فاعله ضمير من كما أن فاعل الأمثلة المعطوفة عليه ضمير من فأفرد لحمل ذلك جميعا على اللفظ و لو حمل الكل على المعنى أو البعض على اللفظ
مجمع البيان ج : 3 ص : 332
و البعض على المعنى لكان مستقيما و أما الوجه في « مثوبة » فإنه قد خرج على الأصل شاذا قال أبو الفتح و مثله ما يحكى عنهم الفكاهة مقودة إلى الأذى و قياسهما مثابة و مقادة و مثله مزيد و قياسه مزاد إلا أن مزيدا علم و الأعلام قد يحتمل فيها ما يكره من الأجناس نحو محبب و مكوزة و مريم و مدين و رجاء بن حيوة و مثوبة مفعلة و نظيرها المبطخة و المشرقة و أصل مثوبة مثوبة فنقلت الضمة من الواو إلى الثاء و مثلها معونة و قيل هي مفعولة مثل مقولة و مضوفة على معنى المصدر قال الشاعر :
و كنت إذا جاري دعا لمضوفة
أشمر حتى ينصف الساق مئزري قال و أما قوله عبد الطاغوت فهو جمع عبد و أنشد :
انسب العبد إلى آبائه
أسود الجلد و من قوم عبد هكذا قال أبو الحسن و قال أحمد بن يحيى عبد جمع عابد كبازل و بزل و شارف و شرف و كذلك عبد جمع عابد و مثله عباد و عباد و يجوز أن يكون عباد جمع عبد و أما عبد الطاغوت و عبدوا الطاغوت فظاهر و أما عابد الطاغوت فهو واحد في معنى جماعة و كذلك و عبد الطاغوت لأنه كحطم و لبد كما أن عبد كحذر و فطن و وظف و عجز .

الإعراب

مثوبة نصب على التمييز كذلك هو خير ثوابا ، موضع من يحتمل ثلاثة أوجه من الإعراب ( أحدها ) الجر على البدل و التقرير هل أنبئكم بمن لعنه الله و الثاني الرفع على خبر المبتدأ المحذوف أي هم من لعنه الله و الثالث النصب على البدل من موضع الجار و المجرور و التقدير أنبئكم أي هل أخبركم على من لعنه الله مكانا على التمييز .

المعنى

ثم أمر سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يخاطبهم فقال « قل » يا محمد لهؤلاء المستهزءين من الكفار و اليهود « هل أنبئكم » أي هل أخبركم « بشر من ذلك مثوبة عند الله » أي بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابا أي جزاء المعنى إن كان ذلك عندكم شرا فأنا أخبركم بشر منه عاقبة عند الله و قيل معناه هل أخبركم بشر من الذين طعنتم عليهم من المسلمين و إنما قال « بشر من ذلك » و إن لم يكن في المؤمنين شر على الإنصاف في المخاطبة و المظاهرة في الحجاج كقوله و إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين « من لعنه الله »
مجمع البيان ج : 3 ص : 333
أي أبعده من رحمته « و غضب عليه » بفسقه و كفره و غضبه عليه أراد به العقوبة و الاستخفاف به و قيل غضبه أن ضرب عليهم الذلة و المسكنة و الجزية أينما كانوا من الأرض « و جعل منهم القردة و الخنازير » أي مسخهم قردة و خنازير قال المفسرون يعني بالقردة أصحاب السبت و بالخنازير كفار مائدة عيسى و روى الوالبي عن ابن عباس أن الممسوخين من أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة و شيوخهم مسخوا خنازير « و عبد الطاغوت » قال الزجاج هو نسق على لعنة الله و من عبد الطاغوت و قال الفراء تأويله و جعل منهم القردة و من عبد الطاغوت فعلى هذا يكون الموصول محذوفا و ذلك لا يجوز عند البصريين فالصحيح الأول و الطاغوت هنا الشيطان عن ابن عباس و الحسن لأنهم أطاعوه طاعة المعبود و قيل هو العجل الذي عبده اليهود عن الجبائي لأن الكلام كله في صفتهم و لا تعلق في هذه الآية للمجبرة لأن أكثر ما تضمنته الأخبار بأنه خلق من يعبد الطاغوت على قراءة حمزة أو غيره ممن قرأ عبادا أو عبدا و غير ذلك و لا شبهة في أنه تعالى خلق الكافر و أنه لا خالق للكافر سواه غير أن ذلك لا يوجب أن يكون خلق كفره و جعله كافرا و ليس لهم أن يقولوا أنا نستفيد من قوله و جعل منهم من عبد الطاغوت أو عبد الطاغوت أنه خلق ما به كان عابدا كما نستفيد من قوله « و جعل منهم القردة و الخنازير » أنه جعل ما به كانوا كذلك و ذلك أنا إنما استفدنا ما ذكروه لأن الدليل قد دل على أن ما به يكون القرد قردا و الخنزير خنزيرا لا يكون إلا من فعل الله و ليس كذلك ما به يكون الكافر كافرا فإنه قد دل الدليل على أنه يتعالى عن فعله و خلقه فافترق الأمران « أولئك شر مكانا » أي هؤلاء الذين وصفهم الله بأنه لعنهم و غضب عليهم و أنهم عبدوا الطاغوت شر مكانا لأن مكانهم سقر و لا شر في مكان المؤمنين و مثله أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا و قيل معناه أنهم شر مكانا في عاجل الدنيا و آجل الآخرة ممن نقمتم من المؤمنين أما في الدنيا فبالقتل و السبي و ضرب الذلة و المسكنة عليهم و إلزام الجزية و أما في الآخرة فبعذاب الأبد « و أضل عن سواء السبيل » أي أجوز عن الطريق المستقيم و أبعد من النجاة قال المفسرون فلما نزلت هذه الآية عبر المسلمون أهل الكتاب و قالوا يا إخوان القردة و الخنازير فنكسوا رءوسهم و افتضحوا .

مجمع البيان ج : 3 ص : 334
وَ إِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَ قَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا يَكْتُمُونَ(61) وَ تَرَى كَثِيراً مِّنهُمْ يُسرِعُونَ فى الاثْمِ وَ الْعُدْوَنِ وَ أَكلِهِمُ السحْت لَبِئْس مَا كانُوا يَعْمَلُونَ(62) لَوْ لا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّنِيُّونَ وَ الأَحْبَارُ عَن قَوْلهِِمُ الاثْمَ وَ أَكلِهِمُ السحْت لَبِئْس مَا كانُوا يَصنَعُونَ(63)

اللغة

الفرق بين الإثم و العدوان أن الإثم الجرم كائنا ما كان و العدوان الظلم و قد مر معنى السحت قبل و الصنع و العمل واحد و قيل الفرق بينهما أن الصنع مضمن بالجودة من قولهم ثوب صنيع و فلان صنيعة فلان إذا استخلصه على غيره و صنع الله لفلان أي أحسن إليه و كل ذلك كالفعل الجيد .

الإعراب

قد تدخل في الكلام على وجهين إذا كانت مع الماضي قريبة من الحال و إذا كانت مع المستقبل دلت على التقليل و موضع الباء من قوله « و قد دخلوا بالكفر و هم قد خرجوا به » نصب على الحال لأن المعنى دخلوا كافرين و خرجوا كافرين لأنه لا يريد أنهم دخلوا يحملون شيئا و هو كقولك خرج زيد بثيابه أي و ثيابه عليه يريد خرج لابسا ثيابه و مثله قول الشاعر :
و مستنة كاستنان الخروف
قد قطع الحبل بالمرود أي و فيه المرود يعني و هذه صفته و الفرق بين قولك متى جاءوكم و إذا جاءوكم إن متى يتضمن معنى إن الجزاء و يعمل فيه جاءوكم و لا يجوز أن يعمل في إذا لأن إذا مضاف إلى ما بعده و المضاف إليه لا يعمل في المضاف لأنه من تمامه لبئس اللام فيه لام القسم و لا يجوز أن يكون لام الابتداء لأنها لا تدخل على الفعل إلا في باب إن خاصة لأنها أخرت إلى الخبر لئلا يجتمع حرفان متفقان في المعنى و قوله « لبئس ما كانوا يعملون » بدل على أن المدح و الذم يكونان بالأفعال لأنه بمنزلة لبئس العمل عملهم و ما يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن تكون كافة كما تكون في إنما زيد منطلق و ليتما عمرو قائم فلا يكون لها على هذا موضع ( الثاني ) أن يكون نكرة موصوفة كأنه قيل لبئس شيئا كانوا يعملون و لو لا هاهنا بمعنى هلا قال علي بن
مجمع البيان ج : 3 ص : 335
عيسى و أصلها التقرير لوجوب الشيء عن الأول فنقلت إلى التحضيض على فعل الثاني من أجل الأول و إن لم يذكر لا و لا بد معها من لا لأنه دخلها معنى لم لا تفعل و متى قيل كيف تدخل لو لا على الماضي و هي للتحضيض و في التحضيض معنى الأمر قيل لأنها تدخل للتحضيض و التوبيخ فإذا كانت مع الماضي فهو توبيخ كقوله تعالى لو لا جاءوا عليه بأربعة شهداء .

المعنى

ثم أخبر الله تعالى عن هؤلاء المنافقين بقوله « و إذا جاءوكم » أيها المؤمنون « قالوا آمنا » أي صدقنا « و قد دخلوا بالكفر و هم قد خرجوا به » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أنهم دخلوا به على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و خرجوا به من عنده أي دخلوا و خرجوا كافرين و الكفر معهم في كلتا حالتيهم عن الحسن و قتادة ( و الثاني ) أن معناه و قد دخلوا به في أحوالهم و خرجوا به إلى أحوال أخر كقولك هو يتقلب في الكفر و يتصرف فيه و قوله و هم قد خرجوا به أكد الكلام بالضمير تعيينا إياهم بالكفر و تمييزا لهم من غيرهم بهذه الصفة « و الله أعلم بما كانوا يكتمون » معناه بما كانوا يكتمون من نفاقهم إذا أظهروا بألسنتهم ما أضمروا خلافه في قلوبهم ثم بين الله سبحانه أنهم يضمون إلى نفاقهم خصالا أخر ذميمة فقال « و ترى » يا محمد « كثيرا منهم » قيل المراد بالكثير رؤساؤهم و علماؤهم « يسارعون » يبادرون « في الإثم و العدوان » قيل الإثم الكفر عن السدي و العدوان مجاوزة حدود الله و تعديها و قيل الإثم كل معصية و هو الأولى و العدوان الظلم أي يسارعون في ظلم الناس و في الجرم الذي يعود عليهم بالوبال و الخسران « و أكلهم السحت » أي الرشوة في الحكم عن الحسن و سماها سحتا لأنه يؤدي إلى الاستئصال و يقال لأنها تذهب بالبركة من المال قال أهل المعاني أكثر ما تستعمل المسارعة في الخير كقوله تعالى « يسارعون » و فائدة لفظة المسارعة و إن كان لفظ العجلة أدل على الذم أنهم يعملونه كأنهم محقون فيه و لذلك قال ابن عباس في تفسيره و إنهم يجترؤون على الخطإ « لبئس ما كانوا يعملون » أي لبئس العمل عملهم « لو لا ينهاهم » أي هلا ينهاهم و الكناية في هم تعود إلى الكثير « الربانيون » أي العلماء بالدين الذين من قبل الرب على وجه تغير الاسم كما قالوا روحاني بالنسبة إلى الروح و بحراني بالنسبة إلى البحر و قال الحسن الربانيون علماء أهل الإنجيل « و الأحبار » علماء أهل التوراة و قال غيره كلهم من اليهود لأنه يتصل بذكرهم « عن قولهم الإثم » أي عن تحريفهم الكتاب و قيل عن كل ما
مجمع البيان ج : 3 ص : 336
قالوه بخلاف الحق « و أكلهم السحت » أي الحرام و الرشوة « لبئس ما كانوا يصنعون » أي لبئس الصنع صنعهم حيث اجتمعوا على معصية الله و أنذر سبحانه علماءهم بترك التكبر عليهم فيما ضيعوا منزلتهم فذم هؤلاء بمثل اللفظة التي ذم بها أولئك و في هذه الآية دلالة على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبة و فيه وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .
وَ قَالَتِ الْيهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّت أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسوطتَانِ يُنفِقُ كَيْف يَشاءُ وَ لَيزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْك مِن رَّبِّك طغْيَناً وَ كُفْراً وَ أَلْقَيْنَا بَيْنهُمُ الْعَدَوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطفَأَهَا اللَّهُ وَ يَسعَوْنَ فى الأَرْضِ فَساداً وَ اللَّهُ لا يحِب الْمُفْسِدِينَ(64)

اللغة

اليد تذكر في اللغة على خمسة أوجه الجارحة و النعمة و القوة و الملك و تحقيق إضافة الفعل فالنعمة في قولهم لفلان عندي يد أشكرها أي نعمة قال عدي بن زيد :
و لن أذكر النعمان إلا بصالح
فإن له عندي يديا و أنعما جمع يدا على يدي كالكليب و العبيد و حسن التكرار لاختلاف اللفظين و اليد للقوة في نحو قوله تعالى أولي الأيدي و الأبصار أي ذوي القوى و العقول و أنشد الأصمعي للغنوي :
فاعمد لما تعلو فما لك بالذي
لا تستطيع من الأمور يدان يريد ليس لك به قوة و على هذا ما ذكره سيبويه من قولهم لا يدين بها لك و معنى هذه التثنية المبالغة في نفي الاقتدار و القوة على الشيء و اليد بمعنى الملك في نحو قوله الذي بيده عقدة النكاح أي يملك ذلك و هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه و اليد بمعنى التولي للشيء و إضافة الفعل في نحو قوله تعالى لما خلقت بيدي أي لما توليت خلقه تخصيصا لآدم و تشريفا له بهذا و إن كان جميع المخلوقات هو خلقها لا غير و تقول يدي لك رهن بالوفاء
مجمع البيان ج : 3 ص : 337
إذا ضمنت له شيئا و كان معناه اجتهادي و طاقتي و تستعمل أيضا حيث تراد النصرة و ذلك مثل ما جاء في الحديث و هم يد على من سواهم أي نصرتهم واحدة و كلمتهم مجتمعة على من تشق عصاهم قال أحمد بن يحيى بن تغلب اليد الجماعة و منه الحديث و هم يد على من سواهم و قد يستعار اليد للشيء الذي لا يد له تشبيها بمن له اليد قال ابن الأعرابي يد الدهر الدهر كله يقال لا آتية يد الدهر و يد المسند قال ذو الرمة :
أ لا طرقت مي هيوما بذكرها
و أيدي الثريا جنح في المغارب و أصل هذه الاستعارة لثعلبة بن صعير في قوله :
ألقت ذكاء يمينها في كافر فجعل للشمس يدا في المغيب لما أراد أن يصفها بالغروب ثم للبيد في قوله :
حتى إذا ألقت يدا في كافر
و أجن عورات الثغور ظلامها و قد يستعار اليد في مواضع كثيرة يطول ذكرها و لما كان الجواد ينفق باليد و البخيل يمسك باليد عن الإنفاق أضافوا الجود و البخل إلى اليد فقالوا للجواد اليد و بسط البيان فياض الكف و للبخيل كز الأصابع مقبوض الكف جعل الأنامل في أشباه لهذا كثيرة معروفة في أشعارهم و أنكر الزجاج على من ذهب إلى أن معنى اليد في الآية النعمة بأن قال إن هذا ينقضه قوله « بل يداه مبسوطتان » فيكون المعنى بل نعمتاه مبسوطتان و نعم الله أكثر من أن تحصى قال أبو علي الفارسي قوله نعمتاه مبسوطتان لا يدل على تقليل النعمة و على أن نعمته نعمتان ثنتان و لكنه يدل على الكثرة و المبالغة فقد جاء التثنية و يراد به الكثرة و المبالغة و تعداد الشيء لا المعنى الذي يشفع الواحد المفرد أ لا ترى إلى قولهم لبيك إنما هو إقامة على طاعتك بعد إقامة و كذلك سعديك إنما هو مساعدة بعد مساعدة و ليس المراد بذلك طاعتين اثنتين و لا مساعدتين فكذلك المعنى في الآية أن نعمه متظاهرة متتابعة فهذا وجه و إن شئت حملت المثنى على أنه تثنية جنس لا تثنية واحد مفرد و يكون أحد جنسي النعمة نعمة الدنيا و الآخر نعمة الآخرة أو نعمة الدين فلا يكون التثنية على هذا مرادا بها اثنتين و قد جاء
 

<<        الفهرس        >>