جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج3 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>


مجمع البيان ج : 3 ص : 25
البنات و حكى النظام في كتاب النكت عن ابن عباس أنه قال للبنتين نصف و قيراط لأن للواحدة النصف و للثلاث الثلثين فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما « و إن كانت واحدة » أي و إن كانت المولودة أو المتروكة واحدة « فلها النصف » أي نصف ما ترك الميت ثم ذكر ميراث الوالدين فقال « و لأبويه » يعني بالأبوين الأب و الأم و الهاء الذي أضيف إليه الأبوان كناية عن غير مذكور تقديره و لأبوي الميت « لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد » فللأب السدس مع الولد و كذلك الأم لها السدس معه ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر ثم إن كان الولد ذكرا كان الباقي له و إن كانوا ذكورا فالباقي لهم بالسوية و إن كانوا ذكورا و إناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين و إن كانت بنتا فلها النصف بالتسمية و لأحد الأبوين السدس أو لهما السدسان و الباقي عند أئمتنا يرد على البنت و على أحد الأبوين أو عليهما على قدر سهامهم بدلالة قوله و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله و قد ثبت أن قرابة الوالدين و قرابة الولد متساوية لأن الولد يتقرب إلى الميت بنفسه كما أن الوالدين يتقربان إليه بأنفسهما و ولد الولد يقوم مقام الولد للصلب مع الوالدين كل منهم يقوم مقام من يتقرب به و في بعض هذه المسائل خلاف بين الفقهاء « فإن لم يكن له » يعني للميت « ولد » أي ابن و لا بنت و لا أولادهما لأن اسم الولد يعم الجميع « و ورثه أبواه فلأمه الثلث » و ظاهر هذا يدل على أن الباقي للأب و فيه إجماع فإن كان في الفريضة زوج فإن له النصف و للأم الثلث و الباقي للأب و هو مذهب ابن عباس و أئمتنا و من قال في هذه المسألة أن للأم ثلث ما يبقى فقد ترك الظاهر و كذلك إن كان بدل الزوج الزوجة فلها الربع و للأم الثلث و الباقي للأب و قوله « فإن كان له إخوة فلأمه السدس » قال أصحابنا إنما يكون لها السدس إذا كان هناك أب و يدل عليه ما تقدمه من قوله « و ورثه أبواه » فإن هذه الجملة معطوفة على قوله « فإن لم يكن له ولد و ورثه أبواه فلأمه الثلث » و تقديره فإن كان له إخوة و ورثه أبواه فلأمه السدس و قال بعض أصحابنا أن لها السدس مع وجود الأخوة و إن لم يكن هناك أب و به قال جميع الفقهاء و اتفقوا على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس و قد روي عن ابن عباس أنه قال لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة من الأخوة و الأخوات كما تقتضيه ظاهر الآية و أصحابنا يقولون لا تحجب الأم عن الثلث إلى السدس إلا بالأخوين أو أخ و أختين أو أربع أخوات من قبل الأب و الأم أو من قبل الأب خاصة دون الأم و في ذلك خلاف بين الفقهاء قالوا و العرب تسمي الاثنين بلفظ الجمع في كثير من كلامهم حكى سيبويه أنهم يقولون وضعا رحالهما يريدون رحلي راحلتيهما و قال تعالى و كنا لحكمهم
مجمع البيان ج : 3 ص : 26
شاهدين يعني حكم داود و سليمان و قال قتادة إنما تحجب الأخوة الأم مع أنهم لا يرثون من المال شيئا معونة للأب لأن الأب يقوم بنفقتهم و نكاحهم دون الأم و هذا يدل على أنه ذهب إلى أن الأخوة للأم لا يحجبون على ما ذهب إليه أصحابنا لأن الأب لا يلزمه نفقتهم بلا خلاف « من بعد وصية يوصي بها أو دين » أي تقسم التركة على ما ذكرنا بعد قضاء الديون و إقرار الوصية و لا خلاف في أن الدين مقدم على الوصية و الميراث و إن أحاط بالمال فأما الوصية فقد قيل إنها مقدمة على الميراث و قيل بل الموصى له شريك الوارث له الثلث و لهم الثلثان و قد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال إنكم تقرأون في هذه الآية الوصية قبل الدين و إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قضى بالدين قبل الوصية و الوجه في تقديم الدين على الوصية في الآية إن لفظ أو إنما هو لأحد الشيئين أو الأشياء و لا يوجب الترتيب فكأنه قال من بعد أحد هذين مفردا أو مضموما إلى الآخر و هذا كقولهم جالس الحسن أو ابن سيرين أي جالس أحدهما مفردا أو مضموما إلى الآخر « آباؤكم و أبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا » ذكر فيه وجوه ( أحدها ) إن معناه لا تدرون أي هؤلاء أنفع لكم في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق و لكن الله قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمة عن مجاهد ( و ثانيها ) إن معناه لا تدرون بأيهم أنتم أسعد في الدنيا و الدين و الله يعلمه فاقتسموه على ما بينه من المصلحة فيه عن الحسن ( و ثالثها ) إن معناه لا تدرون أن نفعكم بتربية آبائكم لكم أكثر أم نفع آبائكم بخدمتكم إياهم و إنفاقكم عليهم عند كبرهم عن الجبائي ( و رابعها ) أن المعنى أطوعكم لله عز و جل من الآباء و الأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة لأن الله يشفع المؤمنين ببعضهم في بعض فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته لتقر بذلك عينه و إن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته لتقر بذلك أعينهم عن ابن عباس ( و خامسها ) إن المراد لا تدرون أي الوارثين و الموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه فلا تتمنوا موت الموروث و لا تستعجلوه عن أبي مسلم « فريضة من الله » أي فرض الله ذلك فريضة أو كما ذكرنا في الإعراب « إن الله كان عليما حكيما » أي لم يزل عليما بمصالحكم حكيما فيما يحكم به عليكم من هذه الأموال و غيرها قال الزجاج في كان هنا ثلاثة أقوال قال سيبويه كان القوم شاهدوا علما و حكمة و مغفرة و تفضلا فقيل لهم أن الله كان كذلك على ما شاهدتم و قال الحسن كان عليما بالأشياء قبل خلقها حكيما فيما يقدر تدبيره منها و قال بعضهم الخبر من الله في هذه الأشياء بالمضي كالخبر بالاستقبال و الحال لأن الأشياء عند الله في حال واحدة ما مضى و ما يكون و ما هو كائن .

مجمع البيان ج : 3 ص : 27
* وَ لَكمْ نِصف مَا تَرَك أَزْوَجُكمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كانَ لَكمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّة تُوصونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَ إِن كانَ رَجُلٌ يُورَث كلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكلِّ وَحِد مِّنْهُمَا السدُس فَإِن كانُوا أَكثَرَ مِن ذَلِك فَهُمْ شرَكاءُ فى الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بهَا أَوْ دَيْن غَيرَ مُضارّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ(12)

القراءة

روي في الشواذ قراءة الحسن يورث بكسر الراء « كلالة » و قراءة عيسى بن عمر الثقفي يورث و قرأ الحسن أيضا غير مضار وصية مضاف .

الحجة

كلاهما منقول من ورث فهذا من أورث و ذاك من ورث و في كلتا القراءتين المفعولان محذوفان فكأنه قال يورث وارثه ماله و قد جاء حذف المفعولين جميعا قال الكميت :
بأي كتاب أم بأية سنة
ترى حبهم عارا علي و تحسب فلم يعد تحسب و أما قوله « غير مضار وصية » فيعني به غير مضار من جهة الوصية أو عند الوصية كقول طرفة ( بضة المتجرد ) أي بضة عند تجردها و هذا كما يقال شجاع حرب و كريم مسألة أي شجاع عند الحرب و كريم عند المسألة .

اللغة

أصل الكلالة الإحاطة و منه الإكليل لإحاطته بالرأس و منه الكل لإحاطته
مجمع البيان ج : 3 ص : 28
بالعدد فالكلالة تحيط بأصل النسب الذي هو الولد و الوالد و قال أبو مسلم أصلها من كل أي أعيى فكان الكلالة تناول الميراث من بعد على كلال و إعياء و قال الحسين بن علي المغربي أصله عندي ما تركه الإنسان وراء ظهره مأخوذا من الأكل و هو الظهر تقول العرب ولأني فلان إكله على وزن إطله أي ولأني ظهره و العرب تخبر بهذا الاسم عن جملة النسب و الوراثة قال عامر بن الطفيل :
و إني و إن كنت ابن فارس عامر
و في السر منها و الصريح المهذب
فما سودتني عامر عن كلالة
أبى الله أن أسمو بأم و لا أب و يروى عن وراثة و قال زيادة بن زيد العذري :
و لم أرث المجد التليد كلالة
و لم يأن مني فترة لعقيب و يقال رجل كلالة و قوم كلالة و امرأة كلالة لا تثنى و لا تجمع لأنه مصدر .

الإعراب

ينتصب كلالة على أنه مصدر وضع موضع الحال و يكون كان التامة و يورث صفة رجل و تقديره إن وجد رجل موروث متكلل النسب و العامل في الحال يورث و ذو الحال الضمير في يورث و يجوز أن ينتصب كلالة على أنه خبر كان على أن يكون كان ناقصة قال الزجاج من قرأ يورث بكسر الراء فكلالة مفعول و من قرأ « يورث » فكلالة منصوب على الحال « غير مضار » منصوب على الحال أيضا وصية ينصب على المصدر أي يوصيكم الله بذلك وصية .

المعنى

ثم خاطب الله الأزواج فقال « و لكم » أيها الأزواج « نصف ما ترك أزواجكم » أي زوجاتكم « إن لم يكن لهن ولد » لا ذكر و لا أنثى و لا ولد ولد « فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن » أي من ميراثهن « من بعد وصية يوصين بها أو دين » قد مر تفسيره « و لهن » أي و لزوجاتكم « الربع مما تركتم » من الميراث « إن لم يكن لكم ولد » واحدة كانت الزوجة أو اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر من ذلك « فإن كان لكم ولد » ذكر أو أنثى أو ولد « فلهن الثمن مما تركتم » من الميراث واحدة كانت الزوجة أو أكثر من ذلك « من بعد وصية توصون بها » أيها الأزواج « أو دين » و قد مر في ما مضى بيان ميراث الأزواج ثم ذكر ميراث ولد الأم فقال « و إن كان رجل يورث كلالة » اختلف في معنى
مجمع البيان ج : 3 ص : 29
الكلالة فقال جماعة من الصحابة و التابعين منهم أبو بكر و عمر و ابن عباس في إحدى الروايتين عنه و قتادة و الزهري و ابن زيد هو من عدا الوالد و الولد و في الرواية الأخرى عن ابن عباس أنه من عدا الوالد و قال الضحاك و السدي أنه اسم للميت الذي يورث عنه و المروي عن أئمتنا أن الكلالة الإخوة و الأخوات و المذكور في هذه الآية من كان من قبل الأم منهم و المذكور في آخر السورة من كان منهم من قبل الأب و الأم أو من قبل الآباء « أو امرأة » هو عطف على قوله « و إن كان رجل » معناه و إن كان رجل كلالة يورث ماله أو امرأة كلالة تورث مالها على قول من قال إن الميت نفسه يسمى كلالة و من قال إنه الحي الوارث فتقديره و إن كان رجل يورث في حال تكلل نسبه به أو امرأة تورث كذلك و هو قول ابن عمر و أهل الكوفة و يؤيده ما روي عن جابر أنه قال أتاني رسول الله و أنا مريض فقلت و كيف الميراث و إنما يرثني كلالة فنزلت آية الفرائض فالكلالة في النسب من أحاط بالميت و تكلله من الإخوة و الأخوات و الولد و الوالد ليسا بكلالة لأنهما أصل النسب الذي ينتهي إلى الميت و من سواهما خارج عنهما و إنما يشتمل عليهما بالأنساب من غير جهة الولادة فعلى هذا تكون الكلالة كالإكليل يشتمل على الرأس و يحيط به و ليس من أصله فإن الوالد و الولد طرفان للرجل فإذا مات الرجل و لم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه فسمي ذهاب طرفيه كلالة و قوله « و له أخ أو أخت » يعني الأخ و الأخت من الأم « فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث » جعل للذكر و الأنثى هاهنا سواء و لا خلاف بين الأمة أن الإخوة و الأخوات من قبل الأم متساوون في الميراث « من بعد وصية يوصي بها أو دين » مر بيانه « غير مضار وصية من الله » منع الله من الضرار في الوصية أي غير موص وصية تضر بالورثة و قيل أراد غير مضار في الميراث كره سبحانه الضرار في الحياة و بعد الممات عن قتادة و تقديره لا يضار بعض الورثة بعضا و قيل هو أن يوصي بدين ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة فالضرار في الوصية راجع إلى الميراث و هو أن يضر في وصيته بماله أو بعضه لأجنبي أو يقر بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن وارثه أو يقر باستيفاء دين له في مرضه أو ببيع ماله في مرضه و استيفاء ثمنه لئلا يصل إلى وارثه و جاء في الحديث أن الضرار في الوصية من الكبائر « و الله عليم » بمصالح عباده يحكم بما توجب الحكمة في قسمة الميراث و الوصايا و غيرها « حليم » لا يعاجل العصاة بالعقوبة و يمن عليهم بالانتظار و المهلة و في هاتين الآيتين دلالة على تقدير سهام أصحاب المواريث و نحن نذكر من ذلك جملة موجزة منقولة عن أهل البيت دون غيرهم فإن الاختلاف في مسائل المواريث بين الفقهاء كثير يطول بذكره الكتاب فمن
مجمع البيان ج : 3 ص : 30
أراده وجده في مظانه : اعلم أن الإرث يستحق بأمرين نسب و سبب فالسبب الزوجية و الولاء فالميراث بالزوجية يثبت مع كل نسب و الميراث بالولاء لا يثبت إلا مع فقد كل نسب و أما النسب فعلى ضربين ( أحدهما ) أبو الميت و من يتقرب به ( و الآخر ) ولده و ولد ولده و إن سفل و المانع من الإرث بعد وجود سبب وجوبه ثلاثة الكفر و الرق و قتل الوارث من كان يرثه لو لا القتل و لا يمنع الأبوين و الولد و الزوج و الزوجات من أصل الإرث مانع ثم هم على ثلاثة أضرب ( الأول ) الولد يمنع من يتقرب به و من يجري مجراه من ولد إخوته و أخواته عن أصل الإرث و يمنع من يتقرب بالأبوين و يمنع الأبوين عما زاد على السدس إلا على سبيل الرد مع البنت أو البنات و الأبوان يمنعان من يتقرب بهما أو بأحدهما و لا يتعدى منعهما إلى غير ذلك و الزوج و الزوجة لا حظ لهما في المنع و ولد الولد و إن سفل يقوم مقام الولد الأدنى عند فقده في الإرث و المنع و يترتبون الأقرب فالأقرب و هذه سبيل ولد الإخوة و الأخوات و إن سفل عند فقد الإخوة و الأخوات مع الأجداد و الجدات ثم إن الميراث بالنسب يستحق على وجهين بالفرض و القرابة فالفرض ما سماه الله و لا يجتمع في ذلك إلا من كانت قرابته متساوية إلى الميت مثل البنت أو البنات مع الأبوين أو أحدهما لأن كل واحد منهم يتقرب إلى الميت بنفسه فمتى انفرد أحدهم بالميراث أخذ المال كله بعضه بالفرض و الباقي بالقرابة و عند الاجتماع يأخذ كل واحد منهم ما سمي له و الباقي يرد عليهم على قدر سهامهم فإن نقصت التركة عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم كان النقص داخلا على البنت أو البنات دون الأبوين أو أحدهما و دون الزوج و الزوجة و يصح اجتماع الكلالتين معا لتساوي قرابتيهما فإذا فضل التركة عن سهامهم يرد الفاضل على كلالة الأب و الأم أو الأب دون كلالة الأم و كذلك إذا نقصت عن سهامهم لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم كان النقص داخلا عليهم دون كلالة الأم و الزوج و الزوجة لا يدخل عليهم النقصان على حال فعلى هذا إذا اجتمع كلالة الأب مع كلالة الأم كان لكلالة الأم للواحد السدس و للاثنين فصاعدا الثلث لا ينقصون منه و الباقي لكلالة الأب و لا يرث كلالة الأب مع كلالة الأب و الأم ذكورا كانوا أو إناثا فأما من يرث بالقرابة دون الفرض فأقواهم الولد للصلب ثم ولد الولد يقوم مقام الولد و يأخذ نصيب من يتقرب به ذكرا كان أو أنثى و البطن الأول يمنع من نزل عنه بدرجة ثم الأب يأخذ جميع المال إذا انفرد ثم من يتقرب به أما ولده أو والده أو من يتقرب بهما من عم أو عمة فالجد أب الأب مع الأخ الذي هو ولده في درجة و كذلك الجدة مع الأخت فهم يتقاسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين و من له سببان يمنع من له سبب واحد و ولد الإخوة و الأخوات يقومون مقام
مجمع البيان ج : 3 ص : 31
آبائهم و أمهاتهم في مقاسمة الجد و الجدة كما يقوم ولد الولد مقام الولد للصلب مع الأب و كذلك الجد و الجدة و إن عليا يقاسمان الإخوة و الأخوات و أولادهم و إن نزلوا على حد واحد و أما من يرث بالقرابة ممن يتقرب بالأم فهم الجد و الجدة أو من يتقرب بهما من الخال و الخالة فإن أولاد الأم يرثون بالفرض أو بالفرائض دون القرابة فالجد و الجدة من قبلها يقاسمان الإخوة و الأخوات من قبلها و متى اجتمع قرابة الأب مع قرابة الأم مع استوائهم في الدرجة كان لقرابة الأم الثلث بينهم بالسوية و الباقي لقرابة الأب للذكر مثل حظ الأنثيين و متى بعد إحدى القرابتين بدرجة سقطت مع التي هي أقرب سواء كان الأقرب من قبل الأب أو من قبل الأم إلا في مسألة واحدة و هو ابن عم للأب فإن المال لابن العم هذه أصول مسائل الفرائض و لتفريعها شرح طويل دونه المشائخ في كتب الفقه .
تِلْك حُدُودُ اللَّهِ وَ مَن يُطِع اللَّهَ وَ رَسولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّت تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِك الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13) وَ مَن يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَلِداً فِيهَا وَ لَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ(14)

القراءة

قرأ نافع و ابن عامر ندخله بالنون في الموضعين و الباقون بالياء .

الحجة

من قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم فحمل الكلام على الغيبة و من قرأ بالنون عدل عن لفظ الغيبة إلى الإخبار عن الله بنون الكبرياء و يقوي ذلك قوله بل الله موليكم ثم قال سنلقي .

اللغة

الحد الحاجز بين الشيئين و أصله المنع و الفصل و حدود الدار تفصلها عن غيرها و الفوز و الفلاح نظائر .

الإعراب

« خالدين فيها » نصب على الحال قال الزجاج و التقدير يدخلهم مقدرين الخلود فيها و الحال يستقبل بها تقول مررت برجل معه باز صائدا به غدا أي مقدرا الصيد به
مجمع البيان ج : 3 ص : 32
غدا و قوله « خالدا فيها » منصوب على أحد وجهين ( أحدهما ) الحال من الهاء في « يدخله نارا » و التقدير على ما ذكرناه ( و الآخر ) أن يكون صفة لقوله « نارا » و هذا كما تقول زيد مررت بدار ساكن فيها فيكون على حذف الضمير من ساكن هو فيها لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل و لو قلت يسكن فيها يجب إبرازه فتقول زيد مررت بدار ساكن هو فيها .

المعنى

لما فرض الله فرائض المواريث عقبها بذكر الوعد في الائتمار لها و الوعيد على التعدي لحدودها فقال « تلك حدود الله » أي هذه التي بينت في أمر الفرائض و أمر اليتامى حدود الله أي الأمكنة التي لا ينبغي أن تتجاوز عن الزجاج و اختلف في معنى الحدود على أقوال ( أحدها ) تلك شروط الله عن السدي ( و ثانيها ) تلك طاعة الله عن ابن عباس ( و ثالثها ) تلك تفصيلات الله لفرائضه و هو الأقوى فيكون المراد هذه القسمة التي قسمها الله لكم و الفرائض التي فرضها الله لأحيائكم من أمواتكم فصول بين طاعة الله و معصيته فإن معنى حدود الله حدود طاعة الله و إنما اختصر لوضوح معناه للمخاطبين « و من يطع الله و رسوله » فيما أمر به من الأحكام و قيل فيما فرض له من فرائض المواريث « يدخله جنات تجري من تحتها » أي من تحت أشجارها و أبنيتها « الأنهار » أي ماء الأنهار حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه في الموضعين « خالدين فيها » أي دائمين فيها « و ذلك الفوز العظيم » أي الفلاح العظيم وصفه بالعظيم و لم يبين بالإضافة إلى ما ذا و المراد أنه عظيم بالإضافة إلى منفعة الحيازة في التركة من حيث كان أمر الدنيا حقيرا بالإضافة إلى أمر الآخرة و إنما خص الله الطاعة في قسمة الميراث بالوعد مع أنه واجب في كل طاعة إذا فعلت لوجوبها أو لوجه وجوبها ليبين عن عظم موقع هذه الطاعة بالترغيب فيها و الترهيب عن تجاوزها و تعديها « و من يعص الله و رسوله » فيما بينه من الفرائض و غيرها « و يتعد حدوده » أي و يتجاوز ما حد له من الطاعات « يدخله نارا خالدا » أي دائما « فيها و له عذاب مهين » سماه مهينا لأن الله يفعله على وجه الإهانة كما أنه يثيب المؤمن على وجه الكرامة و من استدل بهذه الآية على أن صاحب الكبيرة من أهل الصلاة مخلد في النار و معاقب فيها لا محالة فقوله بعيد لأن قوله « و يتعد حدوده » يدل على أن المراد به من تعدى جميع حدود الله و هذه صفة الكفار و لأن صاحب الصغيرة بلا خلاف خارج عن عموم الآية و إن كان فاعلا للمعصية و متعديا حدا من حدود الله و إذا جاز إخراجه بدليل جاز لغيره أن يخرج من عمومها من يشفع له النبي أو يتفضل الله عليه بالعفو
مجمع البيان ج : 3 ص : 33
بدليل آخر و أيضا فإن التائب لا بد من إخراجه من عموم الآية لقيام الدليل على وجوب قبول التوبة و كذلك يجب إخراج من يتفضل الله بإسقاط عقابه منها لقيام الدلالة على جواز وقوع التفضل بالعفو فإن جعلوا للآية دلالة على أن الله لا يختار العفو جاز لغيرهم أن يجعلها دلالة على أن العاصي لا يختار التوبة على أن في المفسرين من حمل الآية على من تعدى حدود الله و عصاه مستحلا لذلك و من كان كذلك لا يكون إلا كافرا .
وَ الَّتى يَأْتِينَ الْفَحِشةَ مِن نِّسائكمْ فَاستَشهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكمْ فَإِن شهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فى الْبُيُوتِ حَتى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سبِيلاً(15) وَ الَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكمْ فَئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَ أَصلَحَا فَأَعْرِضوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَّحِيماً(16)

القراءة

قرأ ابن كثير و الذان يأتيانها بتشديد النون و كذلك فذانك و هذان أو هاتين و قرأ الباقون بتخفيف ذلك كله إلا أبا عمرو فإنه شدد فذانك وحدها .

الحجة

قال أبو علي القول في تشديد نون التثنية أنه عوض عن الحذف الذي لحق الكلمة أ لا ترى أن ذا قد حذف لامها و قد حذف الياء من اللذان في التثنية و اتفق اللذان و هذان في التعويض كما اتفقا في فتح الأوائل منهما في التحقير مع ضمها في غيرهما و ذلك في نحو اللذيا و اللتيا و ذيا و تيا .

اللغة

اللاتي جمع التي و كذلك اللواتي قال :
من اللواتي و التي و اللاتي
زعمن أني كبرت لداتي و قد تحذف التاء من اللاتي فيقال اللاي قال :
من اللاي لم يحججن يبغين حسبة
و لكن ليقتلن البريء المغفلا .

مجمع البيان ج : 3 ص : 34

المعنى

لما بين سبحانه حكم الرجال و النساء في باب النكاح و الميراث بين حكم الحدود فيهن إذا ارتكبن الحرام فقال « و اللاتي يأتين الفاحشة » أي يفعلن الزنا « من نسائكم » الحرائر فالمعنى اللاتي يزنين « فاستشهدوا عليهن أربعة منكم » أي من المسلمين يخاطب الحكام و الأئمة و يأمرهم بطلب أربعة من الشهود في ذلك عند عدم الإقرار و قيل هو خطاب للأزواج في نسائهم أي فأشهدوا عليهن أربعة منكم و قال أبو مسلم المراد بالفاحشة في الآية هنا الزنا أن تخلو المرأة في الفاحشة المذكورة عنهن و هذا القول مخالف للإجماع و لما عليه المفسرون فإنهم أجمعوا على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا « فإن شهدوا » يعني الأربعة « فأمسكوهن » أي فاحبسوهن « في البيوت حتى يتوفاهن الموت » أي يدركهن الموت فيمتن في البيوت و كان في مبدإ الإسلام إذا فجرت المرأة و قام عليها أربعة شهود حبست في البيت أبدا حتى تموت ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين و الجلد في البكرين « أو يجعل الله لهن سبيلا » قالوا لما نزل قوله الزانية و الزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة و تغريب عام و الثيب بالثيب جلد مائة و الرجم و قال بعض أصحابنا إن من وجب عليه الرجم يجلد أولا ثم يرجم و به قال الحسن و قتادة و جماعة من الفقهاء و قال أكثر أصحابنا إن ذلك يختص بالشيخ و الشيخة فأما غيرهما فليس عليه غير الرجم و حكم هذه الآية منسوخ عند جمهور المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله و قال بعضهم إنه غير منسوخ لأن الحبس لم يكن مؤبدا بل كان مستندا إلى غاية فلا يكون بيان الغاية نسخا له كما لو قال افعلوا كذا إلى رأس الشهر و قد فرق بين الموضعين فإن الحكم المعلق بمجيء رأس الشهر لا يحتاج إلى بيان صاحب الشرع بخلاف ما في الآية و قوله « و اللذان يأتيانها منكم » أي يأتيان الفاحشة و فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنهما الرجل و المرأة عن الحسن و عطا ( و ثانيها ) أنهما البكران من الرجال و النساء عن السدي و ابن زيد ( و ثالثها ) أنهما الرجلان الزانيان عن مجاهد و هذا لا يصح لأنه لو كان كذلك لما كان للتثنية معنى لأن الوعد و الوعيد إنما يأتي بلفظ الجمع فيكون لكل واحد منهم أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس فأما التثنية فلا فائدة فيها و قال أبو مسلم هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما و الفاحشة في الآية الأولى عنده السحق و في الآية الثانية اللواط فحكم الآيتين عنده ثابت غير منسوخ و إلى هذا التأويل ذهب أهل العراق فلا حد عندهم في اللواط و السحق و هذا بعيد لأن الذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة في آية الزنا و أن الحكم في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور ذهب إليه الحسن و مجاهد
مجمع البيان ج : 3 ص : 35
و قتادة و السدي و الضحاك و غيرهم و إليه ذهب البلخي و الجبائي و الطبري و قال بعضهم نسخها الحدود بالرجم أو الجلد و قوله « ف آذوهما » قيل في معناه قولان ( أحدهما ) هو التعيير باللسان و الضرب بالنعال عن ابن عباس ( و الآخر ) أنه التعيير و التوبيخ باللسان عن قتادة و السدي و مجاهد و اختلف في الأذى و الحبس ] في الثيبين [ كيف كان فقال الحسن كان الأذى أولا و الآية الأخيرة نزلت من قبل ثم أمرت أن توضع في التلاوة من بعد فكان الأول الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم و قال السدي كان الحبس في الثيبين و الأذى في البكرين و قيل كان الحبس للنساء و الأذى للرجال و قال الفراء إن الآية الأخيرة نسخت الآية الأولى و قوله « فإن تابا » أي رجعا عن الفاحشة « و أصلحا » العمل فيما بعده « فأعرضوا عنهما » أي اصفحوا عنهما و كفوا عن أذاهما « إن الله كان توابا رحيما » يقبل التوبة عن عباده و يرحمهم قال الجبائي في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة لأنها نسخت بالرجم أو الجلد و الرجم قد ثبت بالسنة و من لم يجوز نسخ القرآن بالسنة يقول إن هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا و أضيف الرجم إليه زيادة لا نسخا و أما الأذى المذكور في الآية فغير منسوخ فإن الزاني يؤذى و يعنف على فعله و يذم به لكنه لم يقتصر عليه بل زيد فيه بأن أضيف الجلد أو الرجم إليه .
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوءَ بجَهَلَة ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيب فَأُولَئك يَتُوب اللَّهُ عَلَيهِمْ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكيماً(17) وَ لَيْستِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيِّئَاتِ حَتى إِذَا حَضرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْت قَالَ إِنى تُبْت الْئََنَ وَ لا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كفَّارٌ أُولَئك أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً(18)

اللغة

أصل التوبة الرجوع و حقيقتها الندم على القبيح مع العزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح و قيل يكفي في حدها الندم على القبيح و العزم على أن لا يعود إلى مثله .
أعتدنا قيل أن أصله أعددنا فالتاء بدل من الدال و قيل هو أفعلنا من العتاد و هو العدة قال عدي بن
مجمع البيان ج : 3 ص : 36

الرقاع :

تأتيه أسلاب الأعزة عنوة
قسرا و يجمع للحروب عتادها يقال للفرس المعد للحرب عتد و عتد .

الإعراب

موضع « الذين يموتون » جر بكونه عطفا على قوله « للذين يعملون السوء » و تقديره و لا للذين يموتون .

المعنى

لما وصف تعالى نفسه بالتواب الرحيم بين عقيبه شرائط التوبة فقال « إنما التوبة » و لفظة « إنما » يتضمن النفي و الإثبات فمعناه لا توبة مقبولة « على الله » أي عند الله إلا « للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب » و اختلف في معنى قوله « بجهالة » على وجوه ( أحدها ) أن كل معصية يفعلها العبد جهالة و إن كان على سبيل العمد لأنه يدعو إليها الجهل و يزينها للعبد عن ابن عباس و عطاء و مجاهد و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) فإنه قال كل ذنب عمله العبد و إن كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربه فقد حكى الله تعالى قول يوسف لإخوته هل علمتم ما فعلتم بيوسف و أخيه إذ أنتم جاهلون فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله ( و ثانيها ) إن معنى قوله « بجهالة » أنهم لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة كما يعلم الشيء ضرورة عن الفراء ( و ثالثها ) أن معناه أنهم يجهلون أنها ذنوب و معاص فيفعلونها إما بتأويل يخطئون فيه و إما بأن يفرطوا في الاستدلال على قبحها عن الجبائي و ضعف الرماني هذا القول لأنه بخلاف ما أجمع عليه المفسرون و لأنه يوجب أن لا يكون لمن علم أنها ذنوب توبة لأن قوله « إنما التوبة » تفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم و قال أبو العالية و قتادة أجمعت الصحابة على أن كل ذنب أصابه العبد فهو جهالة و قال الزجاج إنما قال الجهالة لأنهم في اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية جهال فهو جهل في الاختيار و معنى « يتوبون من قريب » أي يتوبون قبل الموت لأن ما بين الإنسان و بين الموت قريب فالتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت و قال الحسن و الضحاك و ابن عمر القريب ما لم يعاين الموت و قال السدي هو ما دام في الصحة قبل المرض و الموت و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قيل له فإن عاد و تاب مرارا قال يغفر الله له قيل إلى متى
مجمع البيان ج : 3 ص : 37
قال حتى يكون الشيطان هو المسحور و في كتاب من لا يحضره الفقيه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في آخر خطبة خطبها من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه ثم قال و إن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه ثم قال و إن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه ثم قال و إن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه ثم قال و إن الساعة لكثيرة من تاب قبل موته و قد بلغت نفسه هذه و أهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه و روى الثعلبي بإسناده عن عبادة بن الصامت عن النبي هذا الخبر بعينه إلا أنه قال في آخره و إن الساعة لكثيرة من تاب قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه و روى أيضا بإسناده عن الحسن قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما هبط إبليس قال و عزتك و جلالتك و عظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده فقال الله سبحانه و عزتي و عظمتي و جلالي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها « فأولئك يتوب الله عليهم » أي يقبل توبتهم « و كان الله عليما » بمصالح العباد « حكيما » فيما يعاملهم به « و ليست التوبة » التوبة المقبولة التي ينتفع بها صاحبها « للذين يعملون السيئات » أي المعاصي و يصرون عليها و يسوفون التوبة « حتى إذا حضر أحدهم الموت » أي أسباب الموت من معاينة ملك الموت و انقطع الرجاء عن الحياة و هو حال اليأس التي لا يعلمها أحد غير المحتضر « قال إني تبت الآن » أي فليس عند ذلك اليأس التوبة و أجمع أهل التأويل على أن هذه قد تناولت عصاة أهل الإسلام إلا ما روي عن الربيع أنه قال إنها في المنافقين و هذا لا يصح لأن المنافقين من جملة الكفار و قد بين الكفار بقوله « و لا الذين يموتون و هم كفار » و معناه و ليست التوبة أيضا للذين يموتون على الكفر ثم يندمون بعد الموت « أولئك أعتدنا » أي هيأنا « لهم عذابا أليما » أي موجعا و إنما لم يقبل الله تعالى التوبة في حال اليأس و اليأس من الحياة لأنه يكون العبد هناك ملجأ إلى فعل الحسنات و ترك القبائح فيكون خارجا عن حد التكليف إذ لا يستحق على فعله المدح و لا الذم و إذا زال عنه التكليف لم تصح منه التوبة و لهذا لم يكن أهل الآخرة مكلفين و لا تقبل توبتهم و من استدل بظاهر قوله تعالى « أعتدنا لهم عذابا أليما » على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبي الكبائر من المؤمنين قبل التوبة فالانفصال عن استدلاله أن يقال إن معنى إعداد العذاب لهم إنما هو خلق النار التي هي مصيرهم فالظاهر يقتضي استيجابهم لدخولها و ليس في الآية أن الله يفعل بهم ما يستحقونه لا محالة و يحتمل أيضا أن يكون « أولئك » إشارة إلى الذين يموتون و هم كفار لأنه أقرب إليه من قوله « للذين يعملون السيئات » و يحتمل أيضا أن يكون التقدير أعتدنا لهم العذاب إن عاملناهم بالعدل و لم نشأ العوف عنهم و تكون الفائدة فيه إعلامهم ما
مجمع البيان ج : 3 ص : 38
يستحقونه من العقاب و أن لا يأمنوا من أن يفعل بهم ذلك فإن قوله و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء لا تتناول المشيئة فيه إلا المؤمنين من أهل الكبائر الذين يموتون قبل التوبة لأن المؤمن المطيع خارج عن هذه الجملة و كذلك التائب إذ لا خلاف في أن الله لا يعذب أهل الطاعات من المؤمنين و لا التائبين من المعصية و الكافر خارج أيضا عن المشيئة لأخبار الله تعالى أنه لا يغفر الكفر فلم يبق تحت المشيئة إلا من مات مؤمنا موحدا و قد ارتكب كبيرة لم يتب منها و قال الربيع إن الآية منسوخة بقوله و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء لأنه حكم من الله و النسخ جائز في الأحكام كما جاز في الأوامر و النواهي و إنما يمتنع النسخ في الأخبار بأن يقول كان كذا و كذا ثم يقول لم يكن أو يقول في المستقبل لا يكون كذا ثم يقول يكون كذا و هذا لا يصح لأن قوله « أعتدنا » وارد مورد الخبر فلا يجوز النسخ فيه كما لا يجوز في سائر الأخبار .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا يحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَ لا تَعْضلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَحِشة مُّبَيِّنَة وَ عَاشرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَن تَكْرَهُوا شيْئاً وَ يجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيراً كثِيراً(19)

القراءة

قرأ حمزة و الكسائي كرها بضم الكاف هنا و في التوبة و الأحقاف و وافقهما عاصم و ابن عامر و يعقوب في الأحقاف و قرأ الباقون بفتح الكاف في جميع ذلك و قرأ بفاحشة مبينة بفتح الياء ابن كثير و أبو بكر عن عاصم و الباقون بكسر الياء و روي في الشواذ عن ابن عباس مبينة بكسر الياء خفيفة .

الحجة

الكره و الكره لغتان مثل الضعف و الضعف و الفقر و الفقر و الدف و الدف و قال سيبويه بين الشيء و بينته و أبان الشيء و أبنته و استبان الشيء و استبنته و تبين و تبينته و من أبيات

الكتاب :

سل الهموم بكل معطي رأسه
تاج مخالط صهبة متعيس

مجمع البيان ج : 3 ص : 39

مغتال أحبله مبين عنقه
في منكب زين المطي عرندس و في نوادر أبي زيد :
يبينهم ذو اللب حين يراهم
بسيماهم بيضا لحاهم و أصلعا و من كلامهم
قد بين الصبح لذي عينين .

اللغة

العضل التضييق بالمنع من التزويج و أصله الامتناع يقال عضلت الدجاجة ببيضتها إذا عسرت عليها و عضل الفضاء بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه و منه الداء العضال الذي لا يبرأ و الفاحشة مصدر كالعاقبة و العافية قال أبو عبيدة الفاحشة الشنار و الفحش القبيح و المعاشرة المصاحبة و هو من العشرة .

الإعراب

« أن ترثوا النساء » في موضع رفع بأنه فاعل يحل و كرها مصدر وضع موضع الحال من النساء و العامل في الحال ترثوا « و لا تعضلوهن » يجوز أن يكون أيضا نصبا بكونه معطوفا على ترثوا و تقديره لا يحل لكم أن ترثوا و لا أن تعضلوا و يجوز أن يكون مجزوما على النهي .

النزول

قيل أن أبا قيس بن الأسلت لما مات عن زوجته كبيشة بنت معن ألقى ابنه محصن بن أبي قيس ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها و لم يقربها و لم ينفق عليها فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقالت يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي و لا أنا تركت فأنكح فنزلت الآية عن مقاتل و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل كان أهل الجاهلية إذا مات الرجل جاء ابنه من غيرها أو وليه فورث امرأته كما يرث ماله و ألقى عليها ثوبا فإن شاء تزوجها بالصداق الأول و إن شاء زوجها غيره و أخذ صداقها فنهوا عن ذلك عن الحسن و مجاهد و روى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل نزلت في الرجل تكون تحته امرأة يكره صحبتها و لها عليه مهر فيطول عليها و يضارها لتفتدي بالمهر فنهوا عن ذلك عن ابن عباس و قيل نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له إليها و ينتظر موتها حتى يرثها عن الزهري و روي ذلك عن أبي جعفر (عليه السلام) أيضا .

مجمع البيان ج : 3 ص : 40

المعنى


لما نهى الله فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية في أمر اليتامى و الأموال عقبه بالنهي عن الاستنان بسنتهم في النساء فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي يا أيها المؤمنون « لا يحل لكم » أي لا يسعكم في دينكم « أن ترثوا النساء » أي نكاح النساء « كرها » أي على كره منهن و قيل ليس لكم أن تحبسوهن على كره منهن طمعا في ميراثهن و قيل ليس لكم أن تسيئوا صحبتهن ليفتدين بما لهن أو بما سقتم إليهن من مهورهن أو ليمتن فترثوهن « و لا تعضلوهن » أي و أن لا تحبسوهن و قيل و لا تمنعوهن عن النكاح « لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن » و اختلف في المعني بهذا النهي على أربعة أقوال ( أحدها ) أنه الزوج أمره الله بتخلية سبيلها إذا لم يكن له فيها حاجة و أن لا يمسكها إضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها عن ابن عباس و قتادة و السدي و الضحاك و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ( و ثانيها ) أنه الوارث نهي عن منع المرأة من التزويج كما كان يفعله أهل الجاهلية على ما بيناه عن الحسن ( و ثالثها ) أنه المطلق أي لا يمنع المطلقة من التزويج كما كانت تفعله قريش في الجاهلية ينكح الرجل منه المرأة الشريفة فإذا لم توافقه فارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه و يشهد عليها بذلك و يكتب كتابا فإذا خطبها خاطب فإن أرضته أذن لها و إن لم تعطه شيئا عضلها فنهى الله عن ذلك عن ابن زيد ( و رابعها ) أنه الولي خوطب بأن لا يمنعها عن النكاح عن مجاهد و القول الأول أصح « إلا أن يأتين بفاحشة مبينة » أي ظاهرة و قيل فيه قولان ( أحدهما ) أنه يعني إلا أن يزنين عن الحسن و أبي قلابة و السدي و قالوا إذا اطلع منها على زنية فله أخذ الفدية ( و الآخر ) أن الفاحشة النشوز عن ابن عباس و الأولى حمل الآية على كل معصية و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و اختاره الطبري .
و اختلف في هذا الاستثناء و هو قوله « إلا أن يأتين » من ما ذا هو فقيل هو من أخذ المال و هو قول أهل التفسير و قيل كان هذا قبل الحدود و كان الأخذ منهن على وجه العقوبة لهن ثم نسخ عن الأصم و قيل هو من الحبس و الإمساك على ما تقدم في قوله فأمسكوهن في البيوت عن أبي علي الجبائي و أبي مسلم إلا أن أبا علي قال إنها منسوخة و أبى أبو مسلم النسخ « و عاشروهن بالمعروف » أي خالطوهن من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من أداء حقوقهن التي هي النصفة في القسم و النفقة و الإجمال في القول و الفعل و قيل المعروف أن لا يضربها و لا يسيء القول فيها و يكون منبسط الوجه معها و قيل هو أن يتصنع لها كما تتصنع له « فإن كرهتموهن » أي
مجمع البيان ج : 3 ص : 41

كرهتم صحبتهن و إمساكهن « فعسى أن تكرهوا شيئا و يجعل الله فيه » أي في ذلك الشيء و هو إمساكهن على كره منكم « خيرا كثيرا » من ولد يرزقكم أو عطف لكم عليهن بعد الكراهة و به قال ابن عباس و مجاهد فعلى هذا يكون المعنى إن كرهتموهن فلا تعجلوا طلاقهن لعل الله يجعل فيهن خيرا كثيرا و في هذا حث للأزواج على حسن الصبر فيما يكرهون من الأزواج و ترغيبهم في إمساكهن مع كراهة صحبتهن إذا لم يخافوا في ذلك من ضرر على النفس أو الدين أو المال و يحتمل أن يكون الهاء عائدا إلى الذي تكرهونه أي عسى أن يجعل الله فيما تكرهونه خيرا كثيرا و المعنى مثل الأول و قيل المعنى و يجعل الله في فراقكم لهن خيرا عن الأصم قال و نظيره و إن يتفرقا يغن الله كلا من سعته قال القاضي و هذا بعيد لأن الله تعالى حث على الاستمرار على الصحبة فكيف يحث على المفارقة .
وَ إِنْ أَرَدتُّمُ استِبْدَالَ زَوْج مَّكانَ زَوْج وَ ءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتَناً وَ إِثْماً مُّبِيناً(20) وَ كَيْف تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضكمْ إِلى بَعْض وَ أَخَذْنَ مِنكم مِّيثَقاً غَلِيظاً(21)
اللغة
القنطار مأخوذ من القنطرة و منه القنطر للداهية لأنها كالقنطرة في عظم الصورة و يقال قنطر في الأمر يقنطر إذا عظمه بتكثير الكلام فيه من غير حاجة إليه و البهتان الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة له و أصله التحير من قوله فبهت الذي كفر أي تحير لانقطاع حجته فالبهتان كذب يحير صاحبه لعظمه و الإفضاء إلى شيء هو الوصول إليه بالملامسة و أصله من الفضاء و هو السعة فضا يفضو فضوا إذا اتسع .

الإعراب


« بهتانا » مصدر وضع موضع الحال و كذلك قوله « و إثما » و المعنى أ تأخذونه مباهتين و آثمين .

المعنى


لما حث الله على حسن مصاحبة النساء عند الإمساك عقبه ببيان حال الاستبدال فقال مخاطبا للأزواج « و إن أردتم » أيها الأزواج « استبدال زوج مكان زوج » أي إقامة امرأة مقام امرأة « و آتيتم إحداهن » أي أعطيتم المطلقة التي تستبدلون بها غيرها
مجمع البيان ج : 3 ص : 42

« قنطارا » أي مالا كثيرا على ما قيل فيه من أنه ملأ مسك ثور ذهبا أو أنه دية الإنسان أو غير ذلك من الأقوال التي ذكرناها في أول آل عمران « فلا تأخذوا منه » أي من المؤتى أي المعطى « شيئا » أي لا ترجعوا فيما أعطيتموهن من المهر إذا كرهتموهن و أردتم طلاقهن « أ تأخذونه بهتانا » هذا استفهام إنكاري أي تأخذونه باطلا و ظلما كالظلم بالبهتان و قيل معناه أ تأخذونه بإنكار التمليك و سماه بهتانا لأن الزوج إذا أنكر تمليكه إياها بغير حق استوجب المعطى لها في ظاهر الحكم كان إنكاره بهتانا و كذبا « و إثما مبينا » أي ظاهرا لا شك فيه و متى قيل في الآية لم خص حال الاستبدال بالنهي عن الأخذ مع أن الأخذ محرم مع عدم الاستبدال فجوابه أن مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع من حيث أن الثانية تقوم مقام الأولى فيكون لها ما أخذت الأولى فبين تعالى أن ذلك لا يجوز و أزال هذا الإشكال و المعنى إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدلتم مكانها أخرى أم لم تستبدلوا فلا تأخذوا مما آتيتموها شيئا « و كيف تأخذونه » و هذا تعجيب من الله تعالى و تعظيم أي عجبا من فعلكم كيف تأخذون ذلك منهن « و قد أفضى بعضكم إلى بعض » و هو كناية عن الجماع عن ابن عباس و مجاهد و السدي و قيل المراد به الخلوة الصحيحة و إن لم يجامع فسمى الخلوة إفضاء لوصوله بها إلى مكان الوطء و كلا القولين قد رواه أصحابنا و في تفسير الكلبي عن ابن عباس أن الإفضاء حصوله معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها فقد وجب المهر في الحالين « و أخذن منكم ميثاقا غليظا » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان عن الحسن و ابن سيرين و الضحاك و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) ( و ثانيها ) أن المراد به كلمة النكاح التي يستحل بها الفرج عن مجاهد و ابن زيد ( و ثالثها ) قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أخذتموهن بأمانة الله و استحللتم فروجهن بكلمة الله عن عكرمة و الشعبي و الربيع و قد قيل في هاتين الآيتين ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنهما محكمتان غير منسوختين لكن للزوج أن يأخذ الفدية من المختلعة لأن النشوز حصل من جهتها فالزوج يكون في حكم المكره لا المختار للاستبدال و لا يتنافى حكم الآيتين و حكم آية الخلع فلا يحتاج إلى نسخهما بها و هو قول الأكثرين ( و ثانيها ) أنهما محكمتان و ليس للزوج أن يأخذ من المختلعة شيئا و لا من غيرها لأجل ظاهر الآية عن بكير بن بكر بن عبد الله المزني ( و الثالث ) أن حكمهما منسوخ بقوله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به عن الحسن .

مجمع البيان ج : 3 ص : 43

وَ لا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكم مِّنَ النِّساءِ إِلا مَا قَدْ سلَف إِنَّهُ كانَ فَحِشةً وَ مَقْتاً وَ ساءَ سبِيلاً(22)

اللغة


النكاح اسم يقع على العقد و منه و أنكحوا الأيامى منكم و يقع على الوطء و منه الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة أي لا يطأ بالحرام إلا من يطاوعه و منه ملعون من نكح يده و ملعون من نكح بهيمة قال الشاعر :
كبكر تشهى لذيذ النكاح
و تفزع من صولة الناكح و أصله الجمع و منه أنكحنا الفرا فسنرى و المقت بغض من أمر قبيح يرتكبه صاحبه يقال مقت الرجل إلى الناس مقاتة و مقته الناس يمقته مقتا فهو مقيت و ممقوت و يقال أن ولد الرجل من امرأة أبيه كان يسمى المقتي و منهم أشعث بن قيس و أبو معيط جد الوليد بن عقبة .

الإعراب


« إلا ما قد سلف » استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل و نظيره لا تبع من مالي إلا ما بعت و لا تأكل إلا ما أكلت و منه لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى المعنى لكن ما قد سلف فلا جناح عليكم فيه و قال المبرد جاز أن يكون كان زائدة في قوله « إنه كان فاحشة » فالمعنى أنه فاحشة و أنشد في ذلك قول الشاعر :
فكيف إذا حللت بدار قوم
و جيران لنا كانوا كرام قال الزجاج هذا غلط منه لأنه لو كان زائدة لم يكن ينصب خبرها و الدليل عليه البيت الذي أنشده :
و جيران لنا كانوا كرام و لم يقل كراما قال علي بن عيسى إنما دخلت « كان » ليدل على أن ذلك قبل تلك الحال فاحشة أيضا كما دخلت في قوله و كان الله غفورا رحيما و قوله « و ساء سبيلا » أي بئس طريقا ذلك الطريق فسبيلا منصوب على التمييز و فاعل ساء مضمر يفسره الظاهر و المخصوص بالذم محذوف .

النزول


قيل نزلت فيما كان يفعله أهل الجاهلية من نكاح امرأة الأب عن ابن عباس و قتادة و عكرمة و عطاء و قالوا تزوج صفوان بن أمية امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب
مجمع البيان ج : 3 ص : 44

و تزوج حصين بن أبي قيس امرأة أبيه كبيشة بنت معن و تزوج منظور بن ريان بن المطلب امرأة أبيه مليكة بنت خارجة قال أشعث بن سوار توفي أبو قيس و كان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت إني أعدك ولدا و أنت من صالحي قومك و لكني آتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فاستأمره فأتته فأخبرته فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ارجعي إلى بيتك فأنزل الله هذه الآية .

المعنى


لما تقدم ذكر شرائط النكاح عقبه تعالى بذكر من تحل له من النساء و من لا تحل فقال « و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء » أي لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم و قيل ما وطأ آباؤكم من النساء حرم عليكم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الأب عن ابن عباس و قتادة و عطاء و عكرمة و قيل أن تقديره لا تنكحوا نكاح آبائكم أي مثل نكاح آبائكم فيكون « ما نكح » بمنزلة المصدر و تكون ما حرفا موصولا فعلى هذا يكون النهي عن حلائل الآباء و كل نكاح كان لهم فاسد و هو اختيار الطبري و في الوجه الأول يكون ما اسما موصولا يحتاج إلى عائد من صلته إليه قال الطبري أن الوجه الثاني أجود لأنه لو أراد حلائل الآباء لقال لا تنكحوا من نكح آباؤكم و قد أجيب عن ذلك بأنه يجوز أن يكون ذهب به مذهب الجنس كما يقول القائل لا تأخذ ما أخذ أبوك من الإماء فيذهب به مذهب الجنس ثم يفسره بمن « إلا ما قد سلف » فإنكم لا تؤاخذون به و قيل معناه إلا ما قد سلف فدعوه فهو جائز لكم قال البلخي و هذا خلاف الإجماع و ما علم من دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قيل معناه لكن ما سلف فاجتنبوه و دعوه عن قطرب و قيل إنما استثني ما قد مضى ليعلم أنه لم يكن مباحا لهم « إنه كان فاحشة » أي زنا « و مقتا » أي بغضا يعني يورث بغض الله و يجوز أن يكون الهاء في إنه عائدا إلى النكاح بعد النهي فيكون معناه أن نكاح امرأة الأب فاحشة أي معصية محرمة قبيحة و يجوز أن يكون عائدا إلى النكاح الذي كان عليه أهل الجاهلية أي أنه كان فاحشة قبل هذا و لا يكون كذلك إلا و قد قامت عليكم الحجة بتحريمه من قبل الرسل و الأول أقوى و هذا اختيار الجبائي قال و تكون السلامة مما قد سلف في الإقلاع منه بالتوبة و الإبانة قال البلخي و ليس كل نكاح حرمه الله يكون زنا لأن الزنا فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة و لا سنة جارية و لذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية أولاد زنا و لا لأولاد أهل الذمة و المعاهدين أولاد زنا إذ كان ذلك عقدا بينهم يتعارفونه و قوله « و ساء سبيلا » أي بئس الطريق ذلك النكاح الفاسد و في هذه الآية دلالة على أن كل من عقد عليها الأب من النساء تحرم على الابن دخل بها الأب أو لم يدخل و هذا إجماع فإن دخل بها الأب على وجه
مجمع البيان ج : 3 ص : 45

السفاح فهل تحرم على الابن ففيه خلاف و عموم الآية يقتضي أنه يحرم عليه لأن النكاح قد يعبر به عن الوطء و هو الأصل فيه كما يعبر به عن العقد فينبغي أن تحمل اللفظ في الآية على الأمرين و امرأة الأب و إن علا تحرم على الابن و إن سفل بلا خلاف .
حُرِّمَت عَلَيْكمْ أُمَّهَتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَتُكمْ وَ عَمَّتُكُمْ وَ خَلَتُكُمْ وَ بَنَات الأَخ وَ بَنَات الأُخْتِ وَ أُمَّهَتُكمُ الَّتى أَرْضعْنَكُمْ وَ أَخَوَتُكم مِّنَ الرَّضعَةِ وَ أُمَّهَت نِسائكمْ وَ رَبَئبُكمُ الَّتى فى حُجُورِكم مِّن نِّسائكُمُ الَّتى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكمْ وَ حَلَئلُ أَبْنَائكمُ الَّذِينَ مِنْ أَصلَبِكمْ وَ أَن تَجْمَعُوا بَينَ الأُخْتَينِ إِلا مَا قَدْ سلَف إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَّحِيماً(23)

اللغة


الربائب جمع ربيبة و هي بنت زوجة الرجل من غيره سميت بذلك لتربيته إياها فهي في معنى مربوبة نحو قتيلة في موضع مقتولة و يجوز أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها أو لم يتول و سواء كانت في حجره أو لم تكن لأنه إذا تزوج بأمها فهو رابها و هي ربيبته و العرب تسمي الفاعلين و المفعولين بما يقع بهم و يوقعونه يقولون هذا مقتول و إن لم يقتل بعد و هذا ذبيح و إن لم يذبح بعد إذا كان يراد ذبحه و قتله و كذلك يقولون هذا أضحية لما أعد للتضحية و هذه قتوبة و حلوبة أي هي مما تقتب و تحلب و قد يقال لزوج المرأة ربيب ابن امرأته بمعنى أنه رابه كما يقال شهيد و خبير بمعنى شاهد و خابر و الحلائل جمع الحليلة و هي بمعنى المحللة مشتقة من الحلال و الذكر حليل و جمعه أحلة كعزيز و أعزة سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل له مباشرة صاحبه و قيل هو من الحلول لأن كل واحد منهما يحال صاحبه أي يحل معه في الفراش .

مجمع البيان ج : 3 ص : 46

المعنى


ثم بين المحرمات من النساء فقال « حرمت عليكم أمهاتكم » لا بد فيه من محذوف لأن التحريم لا يتعلق بالأعيان و إنما يتعلق بأفعال المكلف ثم يختلف باختلاف ما أضيف إليه فإذا أضيف إلى مأكول نحو قوله حرمت عليكم الميتة و الدم فالمراد الأكل و إذا أضيف إلى النساء فالمراد العقد فالتقدير حرم عليكم نكاح أمهاتكم فحذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه لدلالة مفهوم الكلام عليه و كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك « و بناتكم » أي و نكاح بناتكم و كل امرأة رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث رجع نسبها إليك بذكور فهي بنتك « و أخواتكم » هي جمع الأخت و كل أنثى ولدها شخص ولدك في الدرجة الأولى فهي أختك « و عماتكم » هي جمع العمة و كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك و قد تكون العمة من جهة الأم مثل أخت أبي أمك و أخت جد أمك فصاعدا « و خالاتكم » و هي جمع الخالة و كل أنثى رجع نسبها إليها بالولادة فأختها خالتك و قد تكون الخالة من جهة الأب مثل أخت أم أبيك أو أخت جدة أبيك فصاعدا و إذا خاطب تعالى المكلفين بلفظ الجمع كقوله « حرمت عليكم » ثم أضاف المحرمات بعده إليهم للفظ الجمع فالآحاد تقع بإزاء الآحاد فكأنه قال حرم على كل واحد منكم نكاح أمه و من يقع عليها اسم الأم و نكاح بنته و من يقع عليها اسم البنت و كذلك الجميع « و بنات الأخ و بنات الأخت » فهذا أيضا على ما ذكرناه جمع بإزاء جمع فيقع الآحاد بإزاء الآحاد و التحديد في هؤلاء كالتحديد في بنات الصلب و هؤلاء السبع هن المحرمات بالنسب و قد صح عن ابن عباس أنه قال حرم الله من النساء سبعا بالسبب و تلا الآية ثم قال و السابعة و لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ثم ذكر سبحانه المحرمات بالسبب فقال « و أمهاتكم اللاتي أرضعنكم » سماهن أمهات للحرمة و كل أنثى انتسبت إليها باللبن فهي أمك فالتي أرضعتك أو أرضعت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعت بلبانه من زوجته أو أم ولد له فهي أمك من الرضاعة و كذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلا أرضعك فهي أمك من الرضاعة « و أخواتكم من الرضاعة » يعني بنات المرضعة و هن ثلاث الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو مع ولدها قبلك أو بعدك و الثانية أختك لأمك دون أبيك و هي التي أرضعتها أمك بلبان غير أبيك و الثالثة أختك لأبيك دون أمك و هي التي أرضعتها زوجة
مجمع البيان ج : 3 ص : 47

أبيك بلبن أبيك و أم الرضاعة و أخت الرضاعة لو لا الرضاعة لم تحرما فإن الرضاعة سبب تحريمهما و كل من تحرم بالنسب من اللاتي مضى ذكرهن تحرم أمثالهن بالرضاع لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب فثبت بهذا الخبر أن السبع من المحرمات بالنسب على التفصيل الذي ذكره محرمات بالرضاع و الكلام في الرضاع يشتمل على ثلاثة فصول ( أحدها ) مدة الرضاع و قد اختلف فيها فقال أكثر أهل العلم لا يحرم إلا ما كان في مدة الحولين و هو مذهب أصحابنا و به قال الشافعي و أبو يوسف و محمد و قال أبو حنيفة مدة الرضاع حولان و نصف و قال مالك حولان و شهر و اتفقوا على أن رضاع الكبير لا يحرم ( و ثانيها ) قدر الرضاع و قد اختلف فيه أيضا فقال أبو حنيفة إن قليله و كثيره يحرم و روي ذلك عن ابن عمر و ابن عباس و هو مذهب مالك و الأوزاعي و قال الشافعي إنما يحرم خمس رضعات و به قالت عائشة و سعيد بن جبير و قال أصحابنا لا يحرم إلا ما أنبت اللحم و شد العظم و إنما يعتبر ذلك برضاع يوم و ليلة لا يفصل بينه برضاع امرأة أخرى أو بخمس عشرة رضعة متواليات لا يفصل بينها برضاع امرأة أخرى و قال بعض أصحابنا المحرم عشر رضعات متواليات ( و ثالثها ) كيفية الرضاع فعند أصحابنا لا يحرم إلا ما وصل إلى الجوف من الثدي في المجرى المعتاد الذي هو الفم فأما ما يوجر أو يسعط أو يحقن به فلا يحرم بحال و لبن الميتة لا حرمة له في التحريم و في جميع ذلك خلاف و قوله « و أمهات نسائكم » أي حرم عليكم نكاحهن و هذا يتضمن تحريم نكاح أمهات الزوجات و جداتهن قربن أو بعدن من أي وجه كن سواء كن من النسب أو من الرضاع و هن يحرمن بنفس العقد على البنت سواء دخل بالبنت أو لم يدخل لأن الله تعالى أطلق التحريم و لم يقيده بالدخول « و ربائبكم » يعني بنات نسائكم من غيركم « اللاتي في حجوركم » و هو جمع حجر الإنسان و المعنى في ضمانكم و تربيتكم و يقال فلان في حجر فلان أي في تربيته و لا خلاف بين العلماء أن كونهن في حجره ليس بشرط في التحريم و إنما ذكر ذلك لأن الغالب أنها تكون كذلك و هذا يقتضي تحريم بنت المرأة من غير زوجها على زوجها و تحريم بنت ابنها و بنت بنتها قربت أم بعدت لوقوع اسم الربيبة عليهن « من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » و هذه نعت لأمهات الربائب لا غير لحصول الإجماع على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها قال المبرد و اللاتي دخلتم بهن نعت للنساء اللواتي هن أمهات الربائب لا غير و الدليل على ذلك إجماع الناس على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها و من أجاز أن يكون قوله « من نسائكم اللاتي دخلتم بهن » هو لأمهات نسائكم فيكون المعنى و أمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن و يخرج أن
مجمع البيان ج : 3 ص : 48

يكون اللاتي دخلتم بهن لأمهات الربائب قال الزجاج و الدليل على صحة ذلك أن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا لا يجيز النحويون مررت بنسائك و هربت من نساء زيد الظريفات على أن تكون الظريفات نعتا لهؤلاء النساء و هؤلاء النساء و روى العياشي في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن عمار عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال إن عليا كان يقول الربائب عليكم حرام من الأمهات اللاتي قد دخلتم بهن كن في الحجور أو في غير الحجور و الأمهات مبهمات دخل بالبنات أو لم يدخل بهن فحرموا ما حرم الله و أبهموا ما أبهم الله و اختلف في معنى الدخول على قولين ( أحدهما ) أن المراد به الجماع عن ابن عباس ( و الآخر ) أنه الجماع و ما يجري مجراه من المسيس و التجريد عن عطاء و هو مذهبنا و في ذلك خلاف بين الفقهاء « فإن لم تكونوا دخلتم بهن » يعني بأم الربيبة « فلا جناح عليكم » أي لا إثم عليكم في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن « و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم » أي و حرم عليكم نكاح أزواج أبنائكم ثم أزال الشبهة في أمر زوجة المتبني به فقال « الذين من أصلابكم » لئلا يظن أن زوجة المتبني به تحرم على المتبني و روي عن عطاء أن هذه نزلت حين نكح النبي امرأة زيد بن حارثة فقال المشركون في ذلك فنزل « و حلائل أبنائكم الذين من أصلابكم » و قوله و ما جعل أدعياءكم أبناءكم و ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و أما حلائل الأبناء من الرضاعة فمحرمات أيضا بقوله إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب « و أن تجمعوا بين الأختين » أي و حرم عليكم الجمع بين الأختين لأن أن مع صلتها في حكم المصدر و هذا يقتضي تحريم الجمع بين الأختين في العقد على الحرائر و تحريم الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين فإذا وطىء إحداهما فقد حرمت عليه الأخرى حتى تخرج تلك من ملكه و هو قول الحسن و أكثر المفسرين و الفقهاء « إلا ما قد سلف » استثناء منقطع و معناه لكن ما قد سلف لا يؤاخذكم الله به و ليس المراد به أن ما قد سلف حال النهي يجوز استدامته بلا خلاف و قيل معناه إلا ما كان من يعقوب إذ جمع بين الأختين ليا أم يهوذا و راحيل أم يوسف عن عطاء و السدي « إن الله كان غفورا رحيما » لا يؤاخذكم الله بحكم ما قد سلف من هذه الأنكحة قبل نزول التحريم و كل ما حرم الله في هذه الآية فإنما هو على وجه التأبيد سواء كن مجتمعات أو متفرقات إلا الأختين فإنهما يحرمان على وجه الجمع دون الانفراد و يمكن أن يستدل بهذه الآية على أن هؤلاء المحرمات من ذوات الأنساب لا يصح أن تملك واحدة منهن لأن التحريم عام و المحرمات بالنسب أو السبب على وجه التأبيد يسمون مبهمات لأنهن يحرمن من جميع الجهات و هي مأخوذة من البهيم الذي لا
مجمع البيان ج : 3 ص : 49

يخالط معظم لونه لون آخر يقال فرس بهيم لا شية له « إن الله كان غفورا » يغفر الذنوب « رحيما » يرحم العباد المؤمنين .
* وَ الْمُحْصنَت مِنَ النِّساءِ إِلا مَا مَلَكَت أَيْمَنُكمْ كِتَب اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَلِكُم محْصِنِينَ غَيرَ مُسفِحِينَ فَمَا استَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضةً وَ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً(24)

القراءة


قرأ الكسائي وحده و المحصنات و محصنات في سائر القرآن بكسر الصاد إلا قوله « و المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم » فإنه فتح الصاد فيه و قرأ الباقون بفتح الصاد في كل القرآن و قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر و أبا جعفر و أحل لكم بالضم و كسر الحاء و قرأ الباقون بفتح الهمزة و الحاء .

الحجة


وقع الاتفاق على فتح العين من قوله « و المحصنات » في هذه الآية و معناها النساء اللاتي أحصن بالأزواج و الإحصان يقع على الحرة يدل عليه قوله الذين يرمون المحصنات الآية يعني الحرائر لأن من قذف غير حرة لم يجلد ثمانين و يقع أيضا على العفة يدل عليه قوله « و مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها » و قد فسر قوله « و من لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات » بالعفائف و يقع على التزويج كما في الآية و يقع على الإسلام كما فسر من قرأ فإذا أحصن بفتح الهمزة بأسلمن و أصل الجميع المنع لأن الحرية تمنع عن امتهان الرق و العفة حظر النفس عما حظره الشرع و التزوج في المرأة يحظر خطبتها التي كانت مباحة قبل و يمنع تصديها للتزويج و الإسلام يحظر الدم و المال اللذين كانا مباحين قبل الإسلام و من قرأ « و أحل لكم ما وراء ذلكم » قال بناء الفعل للفاعل أشبه بما قبله لأن معنى « كتاب الله عليكم » كتب الله عليكم كتابا و الله أحل لكم و من قرأ و أحل لكم
مجمع البيان ج : 3 ص : 50

قال أنه في المعنى يؤول إلى الأول و فيه مراعاة ما قبله و هو قوله « حرمت عليكم » .

اللغة


قال الأزهري يقال للرجل إذا تزوج أحصن فهو محصن كقولهم الفج فهو ملفج و أسهب فهو مسهب إذا أكثر الكلام و كلام العرب كله على أفعل فهو مفعل و قال سيبويه حصنت المرأة حصنا فهي حصان مثل جبن جبنا فهو جبان و قد قالوا حصناء كما قالوا علماء و الحصان الفحل من الأفراس و أحصن الرجل امرأته و أحصنت المرأة فرجها من الفجور و المسافحة و السفاح الزنا أصله من السفح و هو صب الماء لأنه يصب الماء باطلا و سفح الجبل أسفله لأنه يصب الماء منه و قال الزجاج المسافحة و السفاح الزانيان لا يمتنعان من أحد فإذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن .

الإعراب


« كتاب الله » نصب على المصدر من فعل محذوف و أصله كتب الله كتابا عليكم ثم أضمر الفعل لدلالة ما تقدم من الكلام عليه و هو قوله « حرمت عليكم » فإنه يدل على أن ما هو مذكور مكتوب عليهم فبقي كتاب الله عليكم ثم أضيف المصدر إلى الفاعل كما أضيف إلى المفعول في قولهم ضرب زيد و مثل ذلك قوله صنع الله الذي و على ذلك قول الشاعر :
ما إن يمس الأرض إلا جانب منه
و حرف الساق طي المحمل لأن ما في البيت يدل على أنه طيان فكان تقديره طوى طي المحمل و قال الزجاج يجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر و يكون المعنى ألزموا كتاب الله و لا يجوز أن يكون منصوبا بعليكم لأن عليكم لا يجوز تقديم منصوبه و قوله « ما وراء ذلكم » ما اسم موصول في موضع نصب بأنه مفعول على قراءة من قرأ و أحل لكم بفتح الهمزة و من قر « و أحل » بالضم فمحله رفع و يجوز أن يكون محل « أن تبتغوا » نصبا على البدل من ما إن كان منصوب الموضع أو رفعا إن كان محله رفعا و يجوز أن يكون على حذف اللام من لأن تبتغوا على ما مر أمثاله فيما مضى فيكون مفعولا له محصنين نصب على الحال و ذو الحال الواو من تبتغوا « غير
مجمع البيان ج : 3 ص : 51

مسافحين » صفة لمحصنين و فريضة نصب على المصدر و يجوز أن يكون مصدرا في موضع الحال أي مفروضة .

المعنى


ثم عطف سبحانه على ما تقدم ذكرهن من المحرمات فقال « و المحصنات » أي و حرمت عليكم اللاتي أحصن « من النساء » و اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أن المراد به ذوات الأزواج « إلا ما ملكت أيمانكم » من سبي من كان له زوج عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود و ابن عباس و مكحول و الزهري و استدل بعضهم على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت في سبي أوطاس و أن المسلمين أصابوا نساء المشركين و كان لهن أزواج في دار الحرب فلما نزلت نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن و لا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة و من خالف فيه ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الأوثان و لم يدخلوا في الإسلام و لا يحل نكاح الوثنية و أجيب عن ذلك بأن الخبر محمول على ما بعد الإسلام ( و ثانيها ) أن المراد به ذوات الأزواج إلى ما ملكت أيمانكم ممن كان لها زوج لأن بيعها طلاقها عن أبي بن كعب و جابر بن عبد الله و أنس و ابن المسيب و الحسن و قال ابن عباس طلاق الأمة يثبت بستة أشياء سبيها و بيعها و عتقها و هبتها و ميراثها و طلاق زوجها و هو الظاهر من روايات أصحابنا و قال عمر بن الخطاب و عبد الرحمن بن عوف ليس بيع الأمة طلاقها بل طلاقها كطلاق الحرة و إنما هو في السبي خاصة لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) خير بريرة بعد ما أعتقتها عائشة و لو بانت بالعتق لم يصح تخييرها و قال الأولون أن زوج بريرة كان عبدا و لو كان حرا لم يخيرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ( و ثالثها ) أن المراد بالمحصنات العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر و النفقة أو ملك استخدام بالثمن عن أبي العالية و سعيد بن جبير و عطاء و السدي « كتاب الله عليكم » يعني كتب الله تحريم ما حرم و تحليل ما حلل عليكم كتابا فلا تخالفوه و تمسكوا به و قوله « و أحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم » قيل في معناه أربعة أقوال ( أحدها ) أحل لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم عن عطاء ( و ثانيها ) أن معناه أحل لكم ما دون الخمس و هي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح عن السدي ( و ثالثها ) ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم عن قتادة ( و رابعها ) أحل لكم ما وراء ذات المحارم و الزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحا أو ملك يمين و هذا الوجه أحسن الوجوه و لا تنافي بين هذه الأقوال و معنى أن تبتغوا أن تطلبوا أو تلتمسوا بأموالكم أما شراء بثمن أو نكاحا بصداق عن ابن عباس
مجمع البيان ج : 3 ص : 52

« محصنين غير مسافحين » أي متزوجين غير زانين و قيل معناه أعفة غير زناة و قوله « فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة » قيل المراد بالاستمتاع هنا درك البغية و المباشرة و قضاء الوطر من اللذة عن الحسن و مجاهد و ابن زيد و السدي فمعناه على هذا فما استمتعتم أو تلذذتم من النساء بالنكاح فأتوهن مهورهن و قيل المراد به نكاح المتعة و هو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم عن ابن عباس و السدي و ابن سعيد و جماعة من التابعين و هو مذهب أصحابنا الإمامية و هو الواضح لأن لفظ الاستمتاع و التمتع و إن كان في الأصل واقعا على الانتفاع و الالتذاذ فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعين لا سيما إذا أضيف إلى النساء فعلى هذا يكون معناه فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمى متعة فأتوهن أجورهن و يدل على ذلك أن الله علق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع و ذلك يقتضي أن يكون معناه هذا العقد المخصوص دون الجماع و الاستلذاذ لأن المهر لا يجب إلا به هذا و قد روي عن جماعة من الصحابة منهم أبي بن كعب و عبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود أنهم قرءوا فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن و في ذلك تصريح بأن المراد به عقد المتعة و قد أورد الثعلبي في تفسيره عن حبيب بن أبي ثابت قال أعطاني ابن عباس مصحفا فقال هذا على قراءة أبي فرأيت في المصحف فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى و بإسناده عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس عن المتعة فقال أ ما تقرأ سورة النساء فقلت بلى فقال فما تقرأ ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) قلت لا أقرؤها هكذا قال ابن عباس و الله هكذا أنزلها الله تعالى ثلاث مرات و بإسناده عن سعيد بن جبير أنه قرأ ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) و بإسناده عن شعبة عن الحكم بن عتيبة قال سألته عن هذه الآية « فما استمتعتم به منهن » أ منسوخة هي قال الحكم قال علي بن أبي طالب لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي و بإسناده عن عمران بن الحصين قال نزلت آية المتعة في كتاب الله و لم تنزل آية بعدها تنسخها فأمرنا بها رسول الله و تمتعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و مات و لم ينهنا عنها فقال بعد رجل برأيه ما شاء و مما أورده مسلم بن حجاج في الصحيح قال حدثنا الحسن الحلواني قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا ابن جريج قال قال عطاء قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال نعم استمتعنا على عهد رسول الله و أبي بكر و عمر و مما يدل أيضا على أن لفظ الاستمتاع في الآية لا يجوز أن يكون المراد به الانتفاع و الجماع أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم شيء من المهر من لا ينتفع من المرأة بشيء و قد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزمه
مجمع البيان ج : 3 ص : 53

نصف المهر و لو كان المراد به النكاح الدائم لوجب للمرأة بحكم الآية جميع المهر بنفس العقد لأنه قال « فأتوهن أجورهن » أي مهورهن و لا خلاف في أن ذلك غير واجب و إنما تجب الأجرة بكماله بنفس العقد في نكاح المتعة و مما يمكن التعلق به في هذه المسألة الرواية المشهورة عن عمر بن الخطاب أنه قال متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالا و أنا أنهى عنهما و أعاقب عليهما فأخبر بأن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله أضاف النهي عنها إلى نفسه لضرب من الرأي فلو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) نسخها أو نهى عنها أو أباحها في وقت مخصوص دون غيره لأضاف التحريم إليه دون نفسه و أيضا فإنه قرن بين متعة الحج و متعة النساء في النهي و لا خلاف أن متعة الحج غير منسوخة و لا محرمة فوجب أن يكون حكم متعة النساء حكمها و قوله « و لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة » من قال أن المراد بالاستمتاع الانتفاع و الجماع قال المراد به لا حرج و لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من زيادة مهر أو نقصانه أو حط أو إبراء أو تأخير و قال السدي معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة يزيدها الرجل في الأجر و تزيده في المدة و هذا قول الإمامية و تظاهرت به الروايات عن أئمتهم « إن الله كان عليما » بما يصلح أمر الخلق « حكيما » فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي يحفظ الأموال و الأنساب .
وَ مَن لَّمْ يَستَطِعْ مِنكُمْ طوْلاً أَن يَنكحَ الْمُحْصنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَت أَيْمَنُكُم مِّن فَتَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُم بَعْضكُم مِّن بَعْض فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَ ءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ محْصنَت غَيرَ مُسفِحَت وَ لا مُتَّخِذَتِ أَخْدَان فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَحِشة فَعَلَيهِنَّ نِصف مَا عَلى الْمُحْصنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِك لِمَنْ خَشىَ الْعَنَت مِنكُمْ وَ أَن تَصبرُوا خَيرٌ لَّكُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(25)

مجمع البيان ج : 3 ص : 54

القراءة


قرأ أهل الكوفة غير حفص فإذا أحصن مفتوحة الهمزة و الباقون « أحصن » بضم الهمزة و كسر الصاد .

اللغة


الطول الغناء و هو مأخوذ من الطول خلاف القصر شبه الغني به لأنه ينال به معالي الأمور و التطول الإفضال بالمال و التطاول على الناس التفضل عليهم و كذلك الاستطالة و طال فلان فلانا كذا إذا فضله في القدرة يقال طاولته فطلته و لم يحل منه فلان بطائل أي بشيء له من أي فضل و طالت طولك و طيلك أي طالت مدتك قال الشاعر :
إنا محيوك فأسلم أيها الطلل
و إن بليت و إن طالت بك الطيل و الطول الحبل قال طرفة :
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى
لكالطول المرخى و ثنياه باليد و الفتى الشاب و الفتاة الشابة و الفتاة الأمة و إن كان عجوزا إلا أنها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الحرة و الفتوة حالة الحداثة و منه الفتيا تقول أفتى الفقيه يفتي لأنه في مسألة حادثة و الخدن الصديق و جمعه أخدان نحو ترب و أتراب و يستوي فيه المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع و الخدين بمعناه و العنت الجهد و الشدة و أكمة عنوت صعبة المرتقى قال المبرد العنت الهلاك .

المعنى


ثم بين تعالى نكاح الإماء فقال « و من لم يستطع منكم طولا » أي لم يجد منكم غنى عن ابن عباس و سعيد بن جبير و مجاهد و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) « أن ينكح » أي يتزوج « المحصنات المؤمنات » أي الحرائر المؤمنات يعني لم يقدر على شيء مما يصلح لنكاح الحرائر من المهر و النفقة « فمن ما ملكت أيمانكم » أي فلينكح مما ملكت أيمانكم « من فتياتكم المؤمنات » أي إمائكم فإن مهور الإماء أقل و مئونتهن أخف في العادة و المراد به إماء الغير لأنه لا يجوز أن يتزوج الرجل بأمة نفسه بالإجماع و قيل إن المعنى من هوى الأمة فله أن يتزوجها و إن كان ذا يسار عن جابر و عطاء و إبراهيم و ربيعة و القول الأول هو الصحيح و عليه أكثر الفقهاء و في الآية دلالة على أنه لا
 

<<        الفهرس        >>