جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج2 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



مجمع البيان ج : 2 ص : 805
الله تعالى و أن لا تأخذه فيه لومة لائم و أن يقام له بالقسط في الخوف و الأمن عن مجاهد ثم اختلف فيه أيضا على قولين ( أحدهما ) أنه منسوخ بقوله « فاتقوا الله ما استطعتم » عن قتادة و الربيع و السدي و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ( و الآخر ) أنه غير منسوخ عن ابن عباس و طاووس و أنكر الجبائي نسخ الآية لما فيه من إباحة بعض المعاصي قال الرماني و الذي عندي أنه إذا وجه قوله « و اتقوا الله حق تقاته » على أن يقوموا له بالحق في الخوف و الأمن لم يدخل عليه ما ذكره أبو علي لأنه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله على كل حال ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس كما قال إلا من أكره و قلبه مطمئن بالإيمان و قوله « و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون » و قد ذكرنا في سورة البقرة أن معناه لا تتركوا الإسلام و كونوا عليه حتى إذا ورد عليكم الموت صادفكم عليه و إنما كان بلفظ النهي عن الموت من حيث أن الموت لا بد منه و إنما النهي في الحقيقة عن ترك الإسلام لأن لا يهلكوا بالانقطاع عن التمكن منه بالموت إلا أنه وضع كلام موضع كلام على جهة التصرف و الإبدال بحسن الاستعارة و زوال اللبس و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أنتم مسلمون بالتشديد و معناه مستسلمون لما أتى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) مقادون له « و اعتصموا بحبل الله » أي تمسكوا به و قيل امتنعوا به من غيره و قيل في معنى حبل الله أقوال ( أحدها ) أنه القرآن عن أبي سعيد الخدري و عبد الله و قتادة و السدي و يروي ذلك مرفوعا ( و ثانيها ) أنه دين الله الإسلام عن ابن عباس و أبي زيد ( و ثالثها ) ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام) قال نحن حبل الله الذي قال « و اعتصموا بحبل الله جميعا » و الأولى حمله على الجميع و الذي يؤيده ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال أيها الناس إني قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض « و لا تفرقوا » معناه و لا تتفرقوا عن دين الله الذي أمركم فيه بلزوم الجماعة و الائتلاف على الطاعة و أثبتوا عليه عن ابن مسعود و قتادة و قيل معناه لا تتفرقوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن الحسن و قيل عن القرآن بترك العمل به « و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم » قيل أراد ما كان بين الأوس و الخزرج من الحروب التي تطاولت مائة و عشرين سنة إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالإسلام فزالت تلك الأحقاد عن ابن عباس و قيل هو ما كان بين مشركي العرب من الطوائل عن الحسن و المعنى احفظوا نعمة الله و منته عليكم بالإسلام و بالائتلاف و رفع ما كان بينكم من التنازع و الاختلاف فهذا هو النفع الحاصل لكم في العاجل مع ما أعد لكم من الثواب الجزيل في الأجل « إذ كنتم
مجمع البيان ج : 2 ص : 806
أعداء فألف بين قلوبكم » بجمعكم على الإسلام و رفع البغضاء و الشحناء عن قلوبكم « فأصبحتم بنعمته » أي بنعمة الله « إخوانا » متواصلين و أحبابا متحابين بعد أن كنتم متحاربين متعادين و صرتم بحيث يقصد كل واحد منكم مراد الآخرين لأن أصل الأخ من توخيت الشيء إذا قصدته و طلبته « و كنتم على شفا حفرة من النار » أي و كنتم يا أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) على طرف حفرة من جهنم لم يكن بينها و بينكم إلا الموت فأنقذكم الله منها بأن أرسل إليكم رسولا و هداكم للإيمان و دعاكم إليه فنجوتم بإجابته من النار و إنما قال « فأنقذكم منها » و إن لم يكونوا فيها لأنهم كانوا بمنزلة من هو فيها من حيث كانوا مستحقين لدخولها قال أبو الجوزاء قرأ ابن عباس « و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها » و أعرابي يسمع فقال و الله ما أنقذهم منها و هو يريد أن يقحمهم فيها فقال ابن عباس اكتبوها من غير فقيه « كذلك يبين الله لكم آياته » أي مثل البيان الذي تلي عليكم يبين الله لكم الآيات أي الدلالات و الحجج فيما أمركم به و نهاكم عنه « لعلكم تهتدون » أي لكي تهتدوا إلى الحق و الصواب .
وَ لْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الخَْيرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالمَْعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104) وَ لا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَت وَ أُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)

اللغة

الأمة اشتقاقها من الأم الذي هو القصد في اللغة تستعمل على ثمانية أوجه منها الجماعة و منها اتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد و منها القدوة لأنه يأتم به الجماعة و منها الدين و الملة كقوله « إنا وجدنا آباءنا على أمة » و منها الحين و الزمان كقوله تعالى « و ادكر بعد أمة » و إلى أمة معدودة و منها القامة يقال رجل حسن الأمة أي القامة و منها النعمة و منها الأمة بمعنى الأم .

الإعراب

« منكم أمة » من هاهنا للتبعيض على قول أكثر المفسرين لأن الأمر بالمعروف و إنكار المنكر ليسا بفرضين على الأعيان و هما من فروض الكفايات فأي فرقة قامت بهما سقطا عن الباقين و من قال إنهما من فروض الأعيان قال أن من هاهنا للتبيين و لتخصيص المخاطبة دون سائر الأجناس كقوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان و قول الشاعر :
مجمع البيان ج : 2 ص : 807

أخو رغائب يعطيها و يسلبها
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر لأنه وصفه بإعطاء الرغائب و النوفل الكثير الإعطاء و الزفر الذي يحمل الأثقال .

المعنى

« و لتكن منكم أمة » أي جماعة « يدعون إلى الخير » أي إلى الدين « و يأمرون بالمعروف » أي بالطاعة « و ينهون عن المنكر » أي عن المعصية « و أولئك هم المفلحون » أي الفائزون و قيل كل ما أمر الله و رسوله به فهو معروف و ما نهى الله و رسوله عنه فهو منكر و قيل المعروف ما يعرف حسنه عقلا أو شرعا و المنكر ما ينكره العقل أو الشرع و هذا يرجع في المعنى إلى الأول و يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) و لتكن منكم أئمة و كنتم خير أئمة أخرجت للناس و في هذه الآية دلالة على وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و عظم موقعهما و محلهما من الدين لأنه تعالى علق الفلاح بهما و أكثر المتكلمين على أنهما من فروض الكفايات و منهم من قال إنهما من فروض الأعيان و اختاره الشيخ أبو جعفر ( ره ) و الصحيح أن ذلك إنما يجب في السمع و ليس في العقل ما يدل على وجوبه إلا إذا كان على سبيل دفع الضرر و قال أبو علي الجبائي يجب عقلا و السمع يؤكده و مما ورد فيه ما رواه الحسن عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال من أمر بالمعروف و نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه و خليفة رسول الله و خليفة كتابه و عن درة ابنة أبي لهب قالت جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و هو على المنبر فقال يا رسول الله من خير الناس قال آمرهم بالمعروف و أنهاهم عن المنكر و أتقاهم لله و أرضاهم و قال أبو الدرداء لتأمرن بالمعروف و لتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجل كبيركم و لا يرحم صغيركم و تدعو خياركم فلا يستجاب لهم و تستنصرون فلا تنصرون و تستغيثون فلا تغاثون و تستغفرون فلا تغفرون و قال حذيفة يأتي على الناس زمان لأن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر ثم أمر سبحانه بالجماعة و ترك التفرق فقال سبحانه « و لا تكونوا كالذين تفرقوا » في الدين و هم اليهود و النصارى « و اختلفوا » قيل معناه تفرقوا أيضا و ذكرهما للتأكيد و اختلاف اللفظين كقول الشاعر :
متى أدن منه ينأ عني و يبعد و قيل معناه كالذين تفرقوا بالعداوة و اختلفوا في الديانة « من بعد ما جاءهم البينات » أي الحجج و الكتب و بين لهم الطرق « و أولئك لهم عذاب عظيم » عقوبة لهم
مجمع البيان ج : 2 ص : 808
على تفرقهم و اختلافهم بعد مجيء الآيات و البينات و الآية تدل على تحريم الاختلاف في الدين و إن ذلك مذموم قبيح منهي عنه .
يَوْمَ تَبْيَض وُجُوهٌ وَ تَسوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسوَدَّت وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ(106) وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(107)

الإعراب

العامل في قوله « يوم » قوله عظيم و تقديره عظيم عذابهم يوم تبيض وجوه و لا يجوز أن يكون العامل فيه عذاب لأنه موصوف قد فصلت صفة بينه و بين معموله لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة لأنها في معنى يعذبون كما يقال المال لزيد يوم الجمعة فالعامل الفعل و الجملة خلف منه و جواب أما في قوله « فأما الذين اسودت وجوههم » فيقال لهم « أ كفرتم » فحذف لدلالة اسوداد الوجوه على حال التوبيخ حتى كأنه ناطق به و قد يحذف القول في مواضع كثيرة استغناء بما قبله من البيان كقوله « و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا » أي يقولون ربنا أبصرنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرمين على سؤال الإقالة و مثله كثير .

المعنى

« يوم تبيض وجوه و تسود وجوه » أخبر سبحانه بوقت ذلك العذاب أي ثبت لهم العذاب في يوم هذه صفته و إنما تبيض فيه الوجوه للمؤمنين ثوابا لهم على الإيمان و الطاعة و تسود فيه الوجوه للكافرين عقوبة لهم على الكفر و السيئات بدلالة ما بعده و هو قوله « فأما الذين اسودت وجوههم أ كفرتم » أي يقال لهم أ كفرتم بعد إيمانكم و اختلف فيمن عنوا به على أقوال ( أحدها ) أنهم الذين كفروا بعد إظهار الإيمان بالنفاق عن الحسن ( و ثانيها ) أنهم جميع الكفار لإعراضهم عما وجب عليهم الإقرار به من التوحيد حين أشهدهم على أنفسهم أ لست بربكم قالوا بلى فيقول أ كفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق عن أبي بن كعب ( و ثالثها ) أنهم أهل الكتاب كفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد إيمانهم به أي
مجمع البيان ج : 2 ص : 809
بنعته و صفته قبل مبعثه عن عكرمة و اختاره الزجاج و الجبائي ( و رابعها ) أنهم أهل البدع و الأهواء من هذه الأمة عن علي (عليه السلام) و مثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد و يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال و الذي نفسي بيده ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني فلأقولن أصحابي أصحابي أصحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعد إيمانهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ذكره الثعلبي في تفسيره فقال أبو أمامة الباهلي هم الخوارج و يروى عن النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية و الألف في « أ كفرتم » أصله الاستفهام و المراد به هنا التقريع أي لم كفرتم و قيل المراد التقرير أي قد كفرتم « فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون » أي بلفظ الذوق على التوسع و معناه انظروا ما صار إليه عاقبتكم من عذاب الله « بما كنتم تكفرون » أي بكفركم « و أما الذين ابيضت وجوههم » و هم المؤمنون « ففي رحمة الله » أي ثواب الله و قيل جنة الله « هم فيها خالدون » أعاد كلمة الظرف و هي قوله « فيها » تأكيدا لتمكين المعنى في النفس و قيل إنما أعادها لأنه دل بقوله « ففي رحمة الله » على إدخاله إياهم في الرحمة و بقوله « هم فيها خالدون » على خلودهم فيها و سمى الله تعالى الثواب رحمة و الرحمة نعمة يستحق بها الشكر و كل نعمة تفضل و الوجه في ذلك أن سبب الثواب الذي هو التكليف تفضل فيكون الثواب على هذا الوجه تفضلا و قيل إنما جاز أن يكون تفضلا لأنه بمنزلة إنجاز الوعد في أنه تفضل مستحق لأن المبتدىء به قد كان له أن لا يفعله فلما فعله وجب عليه الوفاء به لأن الخلف قبيح و هو مع ذلك تفضل لأنه جر إليه تفضل و قال بعضهم المراد بابيضاض الوجوه إشراقها و إسفارها بالسرور بنيل البغية و الظفر بالمنية و الاستبشار بما يصير إليه من الثواب كقوله وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة و المراد باسودادها ظهور أثر الحزن عليها لما يصير إليه من العقاب كقوله « وجوه يومئذ باسرة » « و وجوه يومئذ عليها غبرة » و في هذا القول عدول عن حقيقة اللفظ من غير ضرورة و الأصح الأول .
تِلْك ءَايَت اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظلْماً لِّلْعَلَمِينَ(108) وَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ إِلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(109)

مجمع البيان ج : 2 ص : 810

المعنى

« تلك آيات الله » أي تلك التي قد جرى ذكرها حجج الله و علاماته و بيناته « نتلوها عليك بالحق » نقرأها عليك بالحق يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و على أمتك و نذكرها لك و نعرفك إياها و نقصها عليك « بالحق » أي بالحكمة و الصواب « و ما الله يريد ظلما للعالمين » معناه لا يظلمهم بأن يحملهم من العقاب ما لم يستحقوه أو ينقصهم من الثواب عما استحقوه و إنما يظلم من يظلم لجهله بقبح الظلم أو لحاجة إليه من دفع ضرر و جر نفع و تعالى الله عن صفة الجهل و الحاجة و سائر صفات النقص علوا كبيرا و كيف يجوز أن يظلم أحدا و هو الذي خلقهم و أنشأهم و ابتدعهم و آتاهم من النعم ما لا تسمو إليه هممهم و عرضهم بها لما هو أعظم منها قدرا و أجل خطرا و هو نعيم الآخرة ثم ذكر سبحانه وجه غناه عن الظلم فقال « و لله ما في السماوات و ما في الأرض » ملكا و ملكا و خلقا « و إلى الله ترجع الأمور » اختلفوا في كيفية رجوع الأمل إلى الله تعالى فقيل أن الأمور تذهب بالفناء ثم يعيدها الله للمجازاة و قيل أن الله تعالى قد ملك عباده في الدنيا أمورا و جعل لهم تصرفا و يزول جميع ذلك في الآخرة و يرجع إليه كله كما قال لمن الملك اليوم و في وقوع المظهر موقع المضمر في قوله « و إلى الله ترجع الأمور » قولان ( أحدهما ) ليكون كل واحد من الكلامين مكتفيا بنفسه ( و الآخر ) ليكون أفخم في الذكر و الموضع موضع التفخيم و ليس كقول الشاعر :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء
نغص الموت ذا الغنى و الفقيرا لأن البيت مفتقر إلى الضمير و الآية مستغنية عنه .
كُنتُمْ خَيرَ أُمَّة أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكتَبِ لَكانَ خَيراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكثرُهُمُ الْفَسِقُونَ(110)

المعنى

لما تقدم ذكر الأمر و النهي عقبه تعالى بذكر من تصدى للقيام بذلك و مدحهم ترغيبا في الاقتداء بهم فقال « كنتم خير أمة أخرجت للناس » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه أنتم خير أمة و إنما قال « كنتم » لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية عن الحسن و يعضده ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال أنتم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها و أكرمها
مجمع البيان ج : 2 ص : 811
على الله ( و ثانيها ) أن المراد كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ عن الفراء و الزجاج ( و ثالثها ) أن كان هاهنا تامة و « خير أمة » نصب على الحال و معناه وجدتم خير أمة و خلقتم خير أمة ( و رابعها ) أن كان مزيدة دخولها كخروجها إلا أن فيها تأكيدا لوقوع الأمر لا محالة لأنه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة فهي بمنزلة قوله تعالى « و اذكروا إذ أنتم قليل » و في موضع آخر إذ كنتم قليلا فكثركم و نظيره قوله « و كان الله غفورا رحيما » لأن مغفرته المستأنفة كالماضية في تحقيق الوقوع ( و خامسها ) أن كان بمعنى صار كما في قول الشاعر :
فخر على الألاء توسدته
و قد كان الدماء له خمارا و معناه صرتم خير أمة خلقت لأمركم بالمعروف و نهيكم عن المنكر و إيمانكم بالله فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا و قد روي عن بعض الصحابة أنه قال من أراد أن يكون خير هذه الأمة فليؤد شرط الله فيه من الإيمان بالله و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و اختلف في المعنى بالخطاب فقيل هم المهاجرون خاصة عن ابن عباس و السدي و قيل نزلت في ابن مسعود و أبي بن كعب و معاذ بن جبل و سالم مولى أبي حذيفة عن عكرمة و قيل أراد بهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) خاصة عن الضحاك و قيل هو خطاب للصحابة و لكنه يعم سائر الأمة ثم ذكر مناقبهم فقال « تأمرون بالمعروف » بالطاعات « و تنهون عن المنكر » عن المعاصي و يسأل فيقال أن القبيح أيضا يعرف أنه قبيح فلم خص الحسن باسم المعروف و جوابه أن القبيح جعل بمنزلة ما لا يعرف لخموله و سقوطه و جعل الحسن بمنزلة النبيه الجليل القدر يعرف لنباهته و علو قدره « و تؤمنون بالله » أي بتوحيده و عدله و دينه « و لو آمن أهل الكتاب » أي لو صدقوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و بما جاء به « لكان خيرا لهم » أي لكان ذلك الإيمان خيرا لهم في الدنيا و الآخرة لأنهم ينجون بها في الدنيا من القتل و في الآخرة من العذاب و يفوزون بالجنة « منهم » أي من أهل الكتاب « المؤمنون » أي المعترفون بما دلت عليه كتبهم من صفة نبينا و البشارة به كعبد الله بن سلام و أصحابه من اليهود و النجاشي و أصحابه من النصارى « و أكثرهم الفاسقون » أي الخارجون عن طاعة الله تعالى و إنما وصفهم بالفسق دون الكفر الذي هو أعظم لأن الغرض الإيذان بأنهم خرجوا عما يوجبه كتابهم من الإقرار بالحق في نبوة نبينا و قيل لأنهم في الكفار بمنزلة الفساق العصاة لخروجهم إلى الحال
مجمع البيان ج : 2 ص : 812
الفاحشة التي هي أشنع و أفظع .
لَن يَضرُّوكمْ إِلا أَذًى وَ إِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصرُونَ(111) ضرِبَت عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بحَبْل مِّنَ اللَّهِ وَ حَبْل مِّنَ النَّاسِ وَ بَاءُو بِغَضب مِّنَ اللَّهِ وَ ضرِبَت عَلَيهِمُ الْمَسكَنَةُ ذَلِك بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقّ ذَلِك بِمَا عَصوا وَّ كانُوا يَعْتَدُونَ(112)

الإعراب

« إلا أذى » استثناء متصل و قوله « أذى » في تقدير النصب و معناه لن يضروكم إلا ضررا يسيرا فالأذى وقع موقع المصدر و قيل هو استثناء منقطع لأن الأذى ليس من الضرر كقوله « لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا إلا حميما و غساقا » قال علي بن عيسى هذا ليس بصحيح لأن الكلام إذا أمكن فيه الاستثناء الحقيقي لم يجز حمله على المنقطع و إن يقاتلوكم شرط و يولوكم جزاء و علامة الجزم فيهما سقوط النون و قوله « ثم لا ينصرون » رفع على الاستئناف و لم يجزم على العطف لأن سبب التولية القتال و ليس كذلك منع النصر لأن سببه الكفر و لأن الرفع أشكل برءوس الآي المتقدمة و هو مع ذلك عطف جملة على جملة و العامل في الباء من قوله « بحبل من الله » ضربت على معنى ضربت عليهم الذلة بكل حال إلا بحبل و قال الفراء العامل فيه محذوف و تقديره إلا أن يعتصموا بحبل من الله و أنشد :
رأتني بحبليها فصدت مخافة
و في الحبل روعاء الفؤاد فروق أراد رأتني أقبلت بحبليها فحذف الفاعل في الباء و قال آخر :
مجمع البيان ج : 2 ص : 813

قصير الخطو يحسب من رآني
و لست مقيدا أني بقيد أراد أنني قيدت بقيد قال علي بن عيسى ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين ( أحدهما ) أن حذف الموصول عند البصريين لا يجوز لأنه إذا احتاج إلى الصلة تبين عنه فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد و إنما يجوز حذف الشيء للاستغناء عنه بدلالة غيره عليه و لو دل عليه لحذف مع صلته لأنه معها بمنزلة شيء واحد و ( الوجه الآخر ) أن الكلام إذا صح معناه من غير حذف لم يجز تأويله على الحذف و قيل في هذا الاستثناء أنه منقطع لأن الذلة لازمة لهم على كل حال فجرى مجرى قوله و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فعامل الإعراب موجود و المعنى على الانقطاع و مثله لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما فكل انقطاع ففيه إزالة الإبهام الذي يلحق الكلام فقوله « لا يسمعون فيها لغوا » قد يوهم أنهم من حيث لا يسمعون فيها لغوا لا يسمعون كلاما فقيل لذلك إلا سلاما و كذلك قوله « و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا » قد يتوهم أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا على وجه فقيل لذلك إلا خطأ و كذلك « ضربت عليهم الذلة » قد يتوهم أنه من غير جواز موادعة فقيل إلا بحبل من الله و قيل إن الاستثناء متصل لأن عز المسلمين عز لهم بالذمة و هذا لا يخرجهم من الذلة في أنفسهم .

النزول

قال مقاتل أن رءوس اليهود مثل كعب و أبي رافع و أبي ياسر و كنانة و ابن صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام و أصحابه فأنبوهم لإسلامهم فنزلت الآية .

المعنى

« لن يضروكم إلا أذى » وعد الله المؤمنين أنهم منصورون و أن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم و لا ينالهم من جهتهم مضرة إلا أذى من جهة القول ثم اختلفوا في هذا القول فقيل هو كذبهم على الله و تحريفهم كتاب الله و قيل هو ما كانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي « و أن يقاتلوكم » أي و أن يجاوزوا عن الإيذاء باللسان إلى القتال و المحاربة « يولوكم الأدبار » منهزمين « ثم لا ينصرون » أي ثم لا يعاونون لكفرهم ففي هذه الآية دلالة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) لوقوع مخبره على وفق خبره لأن يهود المدينة من بني قريظة و النضير و بني قينقاع و يهود خيبر الذين حاربوا النبي و المسلمين لم يثبتوا لهم قط و انهزموا و لم ينالوا من المسلمين إلا بالسب و الطعن « ضربت عليهم الذلة » أي أثبت عليهم الذلة و أنزلت بهم و جعلت محيطة بهم و هو استعارة من ضرب القباب و الخيام عن أبي مسلم و قيل معناه ألزموا الذلة فثبتت فيه من قولهم ضرب فلان الضريبة على عبده أي ألزمها إياه قال الحسن ضربت الذلة على اليهود فلا يكون لها منعة
مجمع البيان ج : 2 ص : 814
أبدا و قيل معناه فرضت عليهم الجزية و الهوان فلا يكونون في موضع إلا بالجزية و لقد أدركهم الإسلام و هم يؤدون الجزية إلى المجوس « أينما ثقفوا » أي وجدوا و يقال أخذوا و ظفر بهم « إلا بحبل من الله » أي بعهد من الله « و حبل من الناس » أي و عهد من الناس على وجه الذمة و غيرها من وجوه الأمان عن ابن عباس و مجاهد و الحسن و قتادة و سمي العهد حبلا لأنه يعقد به الأمان كما يعقد الشيء بالحبل « و باءو بغضب من الله » أي رجعوا بغضب الله الذي هو عقابه و لعنه و قيل معناه استوجبوا غضبا من الله « و ضربت عليهم المسكنة » أي الذلة لأن المسكين لا يكون إلا ذليلا فسمي الذلة مسكنة عن أبي مسلم و قيل المراد به الفقر لأن اليهود أبدا يتفاقرون و إن كانوا أغنياء و قد ذكرنا تفسير ما بقي من الآية في سورة البقرة .

النظم

وجه اتصال الآية بما قبلها اتصال البشارة بالظفر لما تقدم أمر المحاربة لأن الأمر قد تقدم بإنكار المنكر و قيل إنه لما تقدم أن أكثرهم الفاسقون اتصل به ما يسكن قلوب المؤمنين من عاديتهم و يؤمن مضرتهم .
* لَيْسوا سوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَاءَ الَّيْلِ وَ هُمْ يَسجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسرِعُونَ فى الْخَيرَتِ وَ أُولَئك مِنَ الصلِحِينَ(114)

اللغة

قيل في واحد آناء قولان ( أحدهما ) إني مثل نحي و الآخر إني مثل معي قال الشاعر :
حلو و مر كعطف القدح مرته
بكل إني قضاه الليل ينتعل و حكى الأخفش أنو بالواو و المسارعة المبادرة و هي من السرعة و الفرق بين السرعة و العجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه و هي محمودة و ضدها الإبطاء و هو
مجمع البيان ج : 2 ص : 815
مذموم و العجلة هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه و هي مذمومة و ضدها الأناة و هي محمودة .

النزول

قيل سبب نزول هذه الآية أنه لما أسلم عبد الله بن سلام و جماعة قالت أحبار اليهود ما آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلا شرارنا فأنزل الله « ليسوا سواء » إلى قوله « من الصالحين » عن ابن عباس و قتادة و ابن جريج و قيل إنها نزلت في أربعين من أهل نجران و اثنين و ثلاثين من الحبشة و ثمانية من الروم كانوا على عهد عيسى (عليه السلام) فصدقوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن عطاء .

المعنى

« ليسوا سواء » اختلفوا في تقديره و القول الصحيح أن هذا وقف تام و قوله « من أهل الكتاب » ابتداء كلام و معناه ليس الذين ذكرنا من أهل الكتاب سواء أي ليس الذين آمنوا من أهل الكتاب « أمة قائمة » كعبد الله بن سلام و أصحابه و الذين لم يؤمنوا سواء في الدرجة و المنزلة ثم استأنف و بين افتراقهم فقال « من أهل الكتاب أمة قائمة » فحصل بهذا بيان الافتراق و هذا كما لو أخبر القائل عن قوم بخبر فقال بنو فلان يعملون كذا و كذا ثم قال ليسوا سواء فإن منهم من يفعل كذا و كذا و كذلك لو ذم قبيلة بالبخل و الجبن فقال غيره ليسوا سواء منهم الجواد و منهم الشجاع فيكون منهم الجواد و منهم الشجاع ابتداء كلام و قال أبو عبيدة هو على لغة أكلوني البراغيث و مثله قوله تعالى « ثم عموا و صموا كثير منهم » و قال الشاعر :
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي
فأعرضن عني بالخدود النواضر قال الزجاج و الرماني و ليس الأمر كما قال لأن ذكر أهل الكتاب قد جرى فأخبر الله أنهم غير متساويين و لأن هذه اللغة رديئة في القياس و الاستعمال و قال الفراء المعنى منهم أمة قائمة و أمة غير قائمة اكتفاء بذكر أحد الفريقين كما قال أبو ذويب :
عصيت إليها القلب إني لأمرها
مطيع فما أدري أ رشد طلابها و لم يقل أم غي و قال آخر :
أواك فلا أدري أ هم هممته
و ذو الهم قدما خاشع متضائل و لم يقل أم غيره لأن حاله في التغير ينبىء أن الهم غيره أم غيره فعلى هذا يكون
مجمع البيان ج : 2 ص : 816
رفع أمة على معنى الفعل و تقديره لا يستوي أمة هادية و أمة ضالة و على القول الأول رفع بالابتداء و أنكر الزجاج هذا القول و قال ما بنا حاجة هنا إلى محذوف لأن ذكر الفريقين قد جرى في قوله منهم المؤمنون و أكثرهم الفاسقون ثم قال ليسوا سواء و لا يحتاج إلى أن يقدروا أمة غير قائمة و قد تقدم صفتهم في قوله و يكفرون ب آيات الله و يقتلون الأنبياء و قوله « أمة قائمة » فيه وجوه ( أحدها ) أن معناها جماعة ثابتة على أمر الله عن ابن عباس و قتادة و الربيع ( و ثانيها ) عادلة عن الحسن و مجاهد و ابن جريج ( و ثالثها ) قائمة بطاعة الله عن السدي - ( و رابعها ) أن التقدير ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة عن الزجاج و أنشد للنابغة :
و هل يأتمر ذو أمة و هو طائع ) أي ذو طريقة من طرائق الدين قال علي بن عيسى و هذا القول ضعيف لأنه عدول عن الظاهر و حكم بالحذف من غير دلالة « يتلون آيات الله » يقرءون كتاب الله و هو القرآن « آناء الليل » ساعاته و أوقاته عن الحسن و الربيع و قيل يعني جوف الليل عن السدي و قيل أراد به وقت صلاة العتمة لأن أهل الكتاب لا يصلونها يعني أنهم يصلون صلاة العتمة عن ابن مسعود و قيل إنه الصلاة ما بين المغرب و العشاء الآخرة عن الثوري و هي الساعة التي تسمى ساعة الغفلة « و هم يسجدون » قيل أراد السجود المعروف في الصلاة فعلى هذا يكون معناه و هم مع ذلك يسجدون و يكون الواو لعطف جملة على جملة و قيل معناه يصلون بغير السجود فعبر بالسجود عن الصلاة لأن السجود أبلغ الأركان في التواضع عن الزجاج و الفراء و البلخي قالوا لأن القراءة لا تكون في السجود و لا في الركوع و على هذا يكون الواو للحال أي يتلون آيات الله بالليل في صلاتهم و هو قول الجبائي أيضا « يؤمنون بالله » أي بتوحيده و صفاته « و اليوم الآخر » المتأخر عن الدنيا يعني البعث يوم القيامة « و يأمرون بالمعروف » بالإقرار بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) « و ينهون عن المنكر » عن إنكار نبوته « و يسارعون في الخيرات » أي يبادرون إلى فعل الخيرات و الطاعات خوف الفوات بالموت و قيل معناه يعملون الأعمال الصالحة غير متثاقلين فيها لعلمهم بجلالة موقعها و حسن عاقبتها « و أولئك من الصالحين » أي من جملتهم و في عدادهم و هذا نفي لقولهم ما آمن به إلا شرارنا و في هذه الآية دلالة على عظم موقع صلاة الليل من الله تعالى و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الأخير خير له من الدنيا و ما فيها و لو لا أني أشق على أمتي لفرضتها عليهم و قال أبو عبد الله إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة القرآن تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض و قال (عليه السلام) عليكم بصلاة الليل فإنها سنة نبيكم و دأب الصالحين قبلكم و مطردة الداء عن أجسادكم .

مجمع البيان ج : 2 ص : 817
وَ مَا يَفْعَلُوا مِنْ خَير فَلَن يُكفَرُوهُ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ(115)

القراءة

قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر بالياء فيهما و الباقون بالتاء إلا أبا عمرو فإنه كان يحير .

الحجة

وجه القراءة بالياء أن يكون كناية عمن تقدم ذكره من أهل الكتاب ليكون الكلام على طريقة واحدة و وجه التاء أنه خلطهم بغيرهم من المكلفين و يكون خطابا للجميع في أن حكمهم واحد .

الإعراب

« و ما يفعلوا » ما للمجازاة و يفعلوا مجزوم بالشرط و إنما جوزي بما و لم يجاز بكيف لأن ما أمكن من كيف لأنها تكون معرفة و نكرة لأنها للجنس و كيف لا تكون إلا نكرة لأنها للحال و الحال لا يكون إلا نكرة لأنها للفائدة .

المعنى

« و ما تفعلوا من خير » أي من طاعة « فلن تكفروه » أي لم يمنع عنكم جزاؤه و سمي منع الجزاء كفرا على الاتساع لأنه بمنزلة الجحد و الستر له و معناه لا تجحد طاعتكم و لا تستر بمنع الجزاء و هذا كما يوصف الله تعالى بأنه شاكر و حقيقة أنه يثبت على الطاعة ثواب الشاكرين على النعمة فلما استعير للثواب الشكر استعير لنقيضه من منع الثواب الكفر لأن الشكر في الأصل هو الاعتراف بالنعمة و الكفر ستر النعمة في المنعم عليه بتضييع حقها « و الله عليم بالمتقين » أي بأحوالهم فيجازيهم و إنما خص المتقين بالذكر و إن كان عليما بالكل لأن الكلام اقتضى ذكر جزاء المتقين فنبه بذلك على أنه لا يضيع شيء من عملهم قل أم كثر لأن المجازي عليهم بكل ذلك و هذه الآية تدل على أن شيئا من أعمال الخير و الطاعة لا يبطل البتة خلافا لقول من قال بالإحباط .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَ لا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شيْئاً وَ أُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(116) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فى هَذِهِ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا كمَثَلِ رِيح فِيهَا صرُّ أَصابَت حَرْث قَوْم ظلَمُوا أَنفُسهُمْ فَأَهْلَكتْهُ وَ مَا ظلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لَكِنْ أَنفُسهُمْ يَظلِمُونَ(117)

مجمع البيان ج : 2 ص : 818

اللغة

يقال أغنى عنه إذا دفع عنه ضررا لولاه لنزل به و إذا قيل أغناه كذا عن كذا أفاد أن أحد الشيئين صار بدلا من الآخر في نفي الحاجة و الغنى الاختصاص بما ينفي الحاجة فإن اختص بمال ينفي الحاجة فذلك غني و كذلك الغنى بالجاه و الأصحاب و غير ذلك فأما الغني في صفات الله فهو اختصاصه بكونه قادرا على وجه لا يعجزه شيء و قولنا فيه أنه غني معناه أنه لا تجوز عليه الحاجة أصحاب النار إنما سموا بذلك لملازمتهم فيها كما يقال هؤلاء أصحاب الصحراء إذا كانوا ملازمين لها و قد يقال أصحاب العقار بمعنى ملاكه و أصحاب الرجل أتباعه و أعوانه و أصحاب العالم المتعلمون منه فالإضافات مختلفة و أصل المصاحبة الملازمة و النار أصله من النور و هو جسم لطيف فيه حرارة و نور و اعتماد علوي و الريح واحدة الرياح و منه الروح لدخول الريح الطيبة على النفس و كذلك الارتياح و التروح و الراحة من التعب و منه الروح لأنها كالريح في اللطافة و منه الرائحة لأن الريح تحملها إلى الحس و الصر البرد الشديد و أصله من الصرير و هو الصوت قال الزجاج الصر صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح و يجوز أن يكون الصر صوت الريح الباردة الشديدة و ذلك من صفات الشمال فإنها توصف بأن لها قعقعة و الصرة شدة الصياح .

المعنى

لما تقدم وصف المؤمنين عقبه سبحانه ببيان حال الكافرين فقال « إن الذين كفروا بالله و رسوله لن تغني عنهم » أي لن تدفع عنهم « أموالهم و لا أولادهم من » عذاب « الله شيئا » و إنما خص الأموال و الأولاد بالذكر لأن هذين معتمد الخلق و أعز الأشياء عليهم فإذا لم يغنيا عن الإنسان شيئا فغيرهما غناؤه أبعد « و أولئك أصحاب النار » أي ملازموها « هم فيها خالدون » أي دائمون ثم ضرب مثلا لإنفاقهم فقال « مثل ما ينفقون » أي شبه ما ينفقون من أموالهم « في هذه الحياة الدنيا » قيل هو ما ينفقون على الكفار في عداوة الرسول و قيل هو ما أنفقه أبو سفيان و أصحابه ببدر و أحد لما تظاهروا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قيل هو ما أنفقه سفلة اليهود على علمائهم و قيل هو مثل لجميع صدقات الكفار و نفقاتهم في الدنيا عن مجاهد و في الآية حذف و تقديره مثل إهلاك ما ينفقون « كمثل » إهلاك « ريح » فيها صر فحذف الإهلاك لدلالة آخر الكلام عليه و فيه تقدير آخر مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح فيكون تشبيه ذلك الإنفاق من الحرث بالريح « فيها صر » قيل برد شديد عن ابن عباس و الحسن و قتادة و جماعة و قيل السموم الحارة القاتلة عن ابن عباس أيضا « أصابت حرث قوم » أي زرع قوم « ظلموا أنفسهم » بالمعاصي فظلمهم
مجمع البيان ج : 2 ص : 819
اقتضى هلاك حرثهم عقوبة لهم و قيل ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة أو في غير وقتها فجاءت الريح « فأهلكته » تأديبا لهم من الله في وضع الشيء غير موضعه الذي هو حقه « و ما ظلمهم الله » في إهلاك زرعهم لأنهم استحقوا ذلك بظلمهم و قيل في قتلهم و سبيهم لأنهم استحقوهما بكفرهم « و لكن أنفسهم يظلمون » حيث فعلوا ما استحقوا به ذلك .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَ مَا تُخْفِى صدُورُهُمْ أَكْبرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ(118)

اللغة

البطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره مأخوذة من بطانة الثوب الذي يلي البدن لقربه منه و هي نقيض الظهارة و يسمى بها الواحد و الجمع و المذكر و المؤنث قال الشاعر :
أولئك خلصاني نعم و بطانتي
و هم عيبتي من دون كل قريب « لا يألونكم » أي لا يقصرون في أمركم خبالا و لا يتركون جهدهم يقال ألا يألو ألوا إذا فتر و ضعف و قصر و ما ألوته خيرا و شرا أي ما قصرت في فعل ذلك و قال امرؤ القيس :
و ما المرء ما دامت حشاشة نفسه
بمدرك أطراف الخطوب و لا ألي أي مقصر في الطلب و الخبال الشر و الفساد و منه الخبل بفتح الباء و سكونها للجنون لأنه فساد العقل و رجل مخبل الرأي أي فاسد الرأي و منه الاستخبال طلب إعارة المال لفساد الزمان قال زهير :
هنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا
و إن يسألوا يعطوا و إن ييسروا يغلوا و أصل العنت المشقة عنت الرجل يعنت عنتا دخلت عليه المشقة و أكمة عنوت صعبة المسلك لمشقة السلوك فيها و أعنت فلان فلانا حمله على المشقة الشديدة فيما يطالبه فيه و منه قوله تعالى و لو شاء الله لأعنتكم .

مجمع البيان ج : 2 ص : 820

الإعراب

« من دونكم » من للتبعيض و التقدير لا تتخذوا بعض المخالفين في الدين بطانة و يجوز أن يكون لتبيين الصفة فكأنه قال لا تتخذوا بطانة من المشركين و هذا أولى لأنه أعم و لا يجوز أن يتخذ المؤمن الكافر بطانة على كل حال و قيل إن من هاهنا زائدة و هذا غير حسن لأن الحرف إذا صح حمله في الفائدة لا يحكم فيه بالزيادة و قوله « خبالا » نصب بأنه المفعول الثاني لأن الألو يتعدى إلى مفعولين و يجوز أن يكون مصدرا لأن المعنى يخبلونكم خبالا و موضع قوله « ودوا ما عنتم » يجوز أن يكون نصبا بأنه صفة لبطانة و يجوز أن يكون لا موضع له من الإعراب لأنه استئناف جملة و ما في قوله « ما عنتم » مصدرية و تقديره ودوا عنتكم .

النزول

نزلت في رجال من المسلمين كانوا يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الصداقة و القرابة و الجوار و الحلف و الرضاع عن ابن عباس و قيل نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين و يخالطونهم عن مجاهد .

المعنى

نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار و مخالطتهم خوف الفتنة منهم عليهم فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا « لا تتخذوا بطانة من دونكم » أي لا تتخذوا الكافرين أولياء و خواص من دون المؤمنين تفشون إليهم أسراركم و قوله « من دونكم » أي من غير أهل ملتكم ثم بين تعالى العلة في منع مواصلتهم فقال « لا يألونكم خبالا » أي لا يقصرون فيما يؤدي إلى فساد أمركم و لا يدعون جهدهم في مضرتكم و قال الزجاج لا يتقون في إلقائكم فيما يضركم قال و أصل الخبال ذهاب الشيء و قوله « ودوا ما عنتم » معناه تمنوا إدخال المشقة عليكم و قيل تمنوا إضلالكم عن دينكم عن السدي و قيل تمنوا أن يعنتوكم في دينكم أي يحملونكم على المشقة فيه عن ابن عباس و قوله « قد بدت البغضاء من أفواههم » معناه ظهرت أمارة العداوة لكم على ألسنتهم و في فحوى أقوالهم و فلتات كلامهم « و ما تخفي صدورهم » من البغضاء « أكبر » مما يبدون بألسنتهم « قد بينا لكم الآيات » أي أظهرنا لكم الدلالات الواضحات التي بها يتميز الولي من العدو « إن كنتم تعقلون » أي تعلمون الفضل بين الولي و العدو و قيل إن كنتم تعلمون مواعظ الله و منافعها و قيل إن كنتم عقلاء فقد آتاكم الله من البيان الشافي .

مجمع البيان ج : 2 ص : 821
هَأَنتُمْ أُولاءِ تحِبُّونهُمْ وَ لا يحِبُّونَكُمْ وَ تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَبِ كلِّهِ وَ إِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْا عَضوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِذَاتِ الصدُورِ(119)

اللغة

العض بالأسنان معروف و منه العض علف الأمصار لأن له مضغة في العض يسمن عليها المال و رجل عض لزاز الخصم لأنه يعضه بالخصومة و الأنامل أطراف الأصابع و أصله النمل المعروف فهي مشبهة به في الدقة و التصرف بالحركة و منه رجل نمل أي نمام لأنه ينقل الأحاديث الكرهة كنقل النملة في الخفاء و الكثرة .

الإعراب

قال الأزهري يحتمل أن يكون أولاء منادي كأنه قال يا أولاء و قال غيره ها للتنبيه و أنتم مبتدأ و أولا خبره و تحبونهم حال و قال الزجاج جائز أن يكون أولاء في معنى الذين كأنه قال ها أنتم الذين تحبونهم و لا يحبونكم و جائز أن يكون تحبونهم حالا و تؤمنون عطف على يحبون و لا يجوز أن يقول ها قومك أولاء لأن المضمر أحق بالهاء التي للتنبيه لأنه كالمبهم في عموم ما يصلح له و ليس كذلك الظاهر .

المعنى

ثم بين سبحانه ما هم عليه من عداوة المؤمنين تأكيدا للنهي عن مصافاتهم فقال « ها أنتم أولاء تحبونهم » و قد مر ذكر معناه في الإعراب و تقديره ها أنتم الذين تحبونهم أو ها أنتم أولاء محبين إذا قلنا أنه بمعنى الحال أي تنبهوا في حال محبتكم إياهم و لا يحبونكم هم لما بينكم من مخالفة الدين و قيل تحبونهم لأنكم تريدون لهم الإسلام و تدعونهم إلى الجنة « و لا يحبونكم » لأنهم يريدون لكم الكفر و الضلال و فيه الهلاك « و تؤمنون بالكتاب كله » الكتاب واحد في معنى الجمع لأنه أراد الجنس كما يقال كثر الدرهم في أيدي الناس و يجوز أن يكون مصدرا من قولك كتبت كتابا و المراد به كتب الله التي أنزلها على أنبيائه و في إفراده ضرب من الإيجاز و إشعار بالتفصيل في الاعتقاد و معناه إنكم تصدقون بها في الجملة و التفصيل من حيث تؤمنون بما أنزل على إبراهيم و موسى و عيسى و محمد صلى الله عليه و عليهم و سائر الأنبياء و هم لا يصدقون بكتابكم « و إذا لقوكم قالوا آمنا » معناه إذا رأوكم قالوا صدقنا « و إذا خلوا » مع أنفسهم « عضوا عليكم الأنامل » أي أطراف الأصابع « من الغيظ » أي من الغضب و الحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين و اجتماع كلمتهم و نصرة الله إياهم و هذا مثل و ليس هناك عض كقول الشاعر :
إذا رأوني أطال الله غيظهم
عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم
مجمع البيان ج : 2 ص : 822
و قول أبي طالب :
يعضون غيظا خلفنا بالأنامل ) « قل » يا محمد لهم « موتوا بغيظكم » صيغته صيغة الأمر و المعنى الدعاء فكأنه قال أماتكم الله بغيظكم و فيه معنى الذم لهم لأنه لا يجوز أن يدعى عليهم هذا الدعاء إلا و قد استحقوه بما أتوه من القبيح و قيل معناه دام هذا الغيظ لما ترون من علو كلمة الإسلام إلى أن تموتوا « إن الله عليم بذات الصدور » أي بما يضمرونه من النفاق و الغيظ على المسلمين .
إِن تمْسسكُمْ حَسنَةٌ تَسؤْهُمْ وَ إِن تُصِبْكُمْ سيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَ إِن تَصبرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضرُّكمْ كَيْدُهُمْ شيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ محِيطٌ(120)

القراءة

قرأ نافع و ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب لا يضركم خفيفة مكسورة الضاد و الباقون مشددة مضمومة الضاد و الراء و قرأ الحسن و أبو حاتم تعملون بالتاء على الخطاب و القراءة المشهورة بالياء .

الحجة

من قرأ لا يضركم فهو من ضاره يضيره ضيرا و من قرأ « لا يضركم » فهو من ضره يضر ضرا و الضير و الضر بمعنى واحد و قد جاء في القرآن لا ضير و إذا مسكم الضر و « لا يضركم » أصله لا يضرركم نقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد و أدغمت في الراء الثانية بعد أن ضمت اتباعا لأقرب الحركات إليها و العرب تدغم في موضع الجزم و أهل الحجاز يظهرون التضعيف قال الزجاج و هذه الآية جاءت فيها اللغتان جميعا فقوله « إن تمسسكم » على لغة أهل الحجاز و قوله « يضركم » على لغة غيرهم من العرب و يجوز لا يضركم و لا يضركم فمن قال بالفتح فلأن الفتح خفيف يستعمل في التقاء الساكنين في التضعيف و من قال بالكسر فعلى أصل التقاء الساكنين .

اللغة

الكيد و المكيدة المكر الذي يغتال به صاحبه من جهة حيلة عليه ليقع في مكروه به و أصله الشقة يقال رأيت فلانا يكيد بنفسه أي يقاسي المشقة في سياق المنية و منه المكائدة لا يراد ما فيه من المشقة .

المعنى

ثم أخبر سبحانه عن حال من تقدم ذكرهم فقال « إن تمسسكم حسنة » أي تصبكم أيها المؤمنون نعمة من الله تعالى عليكم بها من ألفة أو اجتماع كلمة أو ظفر
مجمع البيان ج : 2 ص : 823
بالأعداء « تسؤهم » أي تحزنهم « و إن تصبكم سيئة » أي محنة بإصابة العدو منكم لاختلاف الكلمة و ما يؤدي إليه من الفرقة « يفرحوا بها » هذا قول الحسن و قتادة و الربيع و جماعة من المفسرين « و أن تصبروا » على أذاهم و على طاعة الله تعالى و طاعة رسوله و الجهاد في سبيله « و تتقوا » الله بالامتناع عن معاصيه و فعل طاعته « لا يضركم » أيها الموحدون « كيدهم » أي مكر المنافقين و ما يحتالون به عليكم « شيئا » أي لا قليلا و لا كثيرا لأنه تعالى ينصركم و يدفع شرهم عنكم « إن الله بما تعملون محيط » أي عالم بذلك من جميع جهاته مقتدر عليه لأن أصل المحيط بالشيء هو المطيف به من حواليه و ذلك من صفات الأجسام فلا يليق به سبحانه .
وَ إِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلِك تُبَوِّىُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(121) إِذْ هَمَّت طائفَتَانِ مِنكمْ أَن تَفْشلا وَ اللَّهُ وَلِيهُمَا وَ عَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ الْمُؤْمِنُونَ(122)

اللغة

التبوئة اتخاذ الموضع للغير يقال بوأت القوم منازلهم و بوأت لهم أيضا أي أوطنتهم و أسكنتهم إياها و تبوأوهم أي توطنوا و منه المباءة المراح لأنه رجوع إلى المستقر المتخذ و منه بوأت بالذنب أي رجعت به محتملا له و الفشل الجبن يقال فشل يفشل فشلا و الفشل الرجل الضعيف .

الإعراب

العامل في إذ محذوف و تقديره و اذكر إذ غدوت و قيل هو عطف على ما تقدم في السورة من قوله قد كان لكم آية في فئتين التقتا أي في نصرة تلك الطائفة القليلة على الطائفة الكثيرة إذ غدا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن أبي مسلم و قيل العامل فيه قوله محيط و تقديره و الله عالم بأحوالكم و أحوالهم إذ غدوت من أهلك و تبوىء حال من غدوت .

المعنى

و اذكر يا محمد « إذ غدوت من أهلك » أي خرجت من المدينة غدوة « تبوىء المؤمنين مقاعد » أي تهيىء للمؤمنين مواطن « للقتال » و قيل معناه تجلسهم و تقعدهم في مواضع القتال ليقفوا فيها و لا يفارقوها و اختلف في أي يوم كان ذلك فقيل يوم أحد عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الربيع و السدي و ابن أبي إسحاق و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل كان يوم الأحزاب عن مقاتل و قيل يوم بدر عن الحسن « و الله سميع » أي
مجمع البيان ج : 2 ص : 824
يسمع ما يقوله النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) « عليم » بما يضمرونه لأنهم اختلفوا فمنهم من أشار بالخروج و منهم من أشار بالمقام و فيه تزكية للزاكي و تهديد للغاوي و قيل سميع بقول المشيرين على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليم بضمائرهم و قيل سميع بجميع المسموعات عليم بجميع المعلومات « إذ همت » أي قصدت و عزمت « طائفتان » أي فرقتان « منكم » أي من المسلمين « أن تفشلا » أي تجبنا و الطائفتان هما بنو سلمة و بنو حارثة حيان من الأنصار عن ابن عباس و جابر بن عبد الله و الحسن و قتادة و مجاهد و الربيع و أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و قال الجبائي نزلت في طائفة من المهاجرين و طائفة من الأنصار و كان سبب همهم بالفشل أن عبد الله بن أبي سلول دعاهما إلى الرجوع إلى المدينة عن لقاء المشركين يوم أحد فهما به و لم يفعلاه « و الله وليهما » أي ناصرهما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال فينا نزلت و ما أحب إنها لم تكن لقوله « و الله وليهما » و قال بعض المحققين هذا هم خطرة لا هم عزيمة لأن الله تعالى مدحهما و أخبر أنه وليهما و لو كان هم عزيمة و قصد لكان ذمهم أولى من مدحهم « و على الله فليتوكل المؤمنون » في جميع أحوالهم و أمورهم .

ذكر غزوة أحد
عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال كان سبب غزوة أحد أن قريشا لما رجعت من بدر إلى مكة و قد أصابهم ما أصابهم من القتل و الأسر لأنه قتل منهم سبعون و أسر سبعون قال أبو سفيان يا معشر قريش لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم فإن الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن و العداوة لمحمد فلما غزوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يوم أحد أذنوا لنسائهم في البكاء و النوح و خرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس و ألفي راجل و أخرجوا معهم النساء فلما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذلك جمع أصحابه و حثهم على الجهاد فقال عبد الله بن أبي سلول يا رسول الله لا نخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها فيقاتل الرجل الضعيف و المرأة و العبد و الأمة على أفواه السكك و على السطوح فما أرادها قوم قط فظفروا بنا و نحن في حصوننا و دروبنا و ما خرجنا إلى عدو لنا قط إلا كان الظفر لهم علينا فقام سعد بن معاذ و غيره من الأوس فقالوا يا رسول الله ما طمع فينا أحد من العرب و نحن مشركون نعبد الأصنام فكيف يطمعون فينا و أنت فينا لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم فمن قتل منا كان شهيدا و من نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله فقبل رسول الله رأيه و خرج مع نفر من أصحابه يتبوءون موضع القتال كما قال تعالى « و إذ غدوت من أهلك » الآية و قعد عنه عبد الله بن أبي سلول و جماعة من الخزرج اتبعوا رأيه و وافت قريش إلى أحد و كان رسول الله عبا أصحابه و كانوا سبع مائة رجل و وضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب و أشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان فقال لعبد الله بن جبير و أصحابه أن
مجمع البيان ج : 2 ص : 825
رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة فلا تبرحوا من هذا المكان و إن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا و ألزموا مراكزكم و وضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا و قال إذا رأيتمونا قد اختلطنا فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم و عبا رسول الله أصحابه و دفع الراية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمل الأنصار على مشركي قريش فانهزموا هزيمة قبيحة و وقع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في سوادهم و انحط خالد بن الوليد في مائتي فارس على عبد الله بن جبير فاستقبلوهم بالسهام فرجع و نظر أصحاب عبد الله بن جبير إلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ينتهبون سواد القوم فقالوا لعبد الله بن جبير قد غنم أصحابنا و نبقى نحن بلا غنيمة فقال لهم عبد الله اتقوا الله فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قد تقدم إلينا أن لا نبرح فلم يقبلوا منه و أقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم و بقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا و كانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار فقتله علي (عليه السلام) و أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله علي و سقطت الراية فأخذها مسافع بن أبي طلحة فقتله علي حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار حتى صار لواهم إلى عبد لهم أسود يقال له ثواب فانتهى إليه علي (عليه السلام) فقطع يده اليمني فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه فقطعها فاعتنقها بالجذماوين إلى صدره ثم التفت إلى أبي سفيان فقال هل أعذرت في بني عبد الدار فضربه علي على رأسه فقتله و سقط اللواء فأخذتها عمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها و انحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير و قد فر أصحابه و بقي في نفر قليل فقتلهم على باب الشعب ثم أتى المسلمين من أدبارهم و نظرت قريش في هزيمتها إلى الراية قد رفعت فلاذوا بها و انهزم أصحاب رسول الله هزيمة عظيمة و أقبلوا يصعدون في الجبال و في كل وجه فلما رأى رسول الله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه و قال إلي أنا رسول الله إلى أين تفرون عن الله تعالى و عن رسوله و كانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجل من قريش دفعت إليه ميلا و مكحلة و قالت إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا و كان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا و لم يثبت له أحد و كانت هند قد أعطت وحشيا عهدا لئن قتلت محمدا أو عليا أو حمزة لأعطينك كذا و كذا و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا فقال وحشي أما محمد فلم أقدر عليه و أما علي فرأيته حذرا كثير الالتفات فلا مطمع فيه فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا فمر بي فوطىء على جرف نهر فسقط و أخذت حربتي فهززتها و رميته بها فوقعت في خاصرته و خرجت من ثنته فسقط فأتيته فشققت بطنه و أخذت كبده و جئت
مجمع البيان ج : 2 ص : 826
به إلى هند فقلت هذه كبد حمزة فأخذتها في فمها فلاكتها فجعله الله في فمها مثل الداعضة و هي عظم رأس الركبة فلفظتها و رمت بها فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فبعث الله ملكا فحمله و رده إلى موضعه قال فجاءت إليه فقطعت مذاكيره و قطعت أذنيه و قطعت يده و رجله و لم يبق مع رسول الله إلا أبو دجانة سماك بن خرشة و علي فكلما حملت طائفة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) استقبلهم علي فدفعهم عنه حتى تقطع سيفه فدفع إليه رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) سيفه ذا الفقار و انحاز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى ناحية أحد فوقف و كان القتال من وجه واحد فلم يزل علي (عليه السلام) يقاتلهم حتى أصابه في رأسه و وجهه و يديه و بطنه و رجليه سبعون جراحة كذا أورده علي بن إبراهيم في تفسيره فقال جبرائيل إن هذه لهي المواساة يا محمد فقال محمد أنه مني و أنا منه فقال جبرائيل و أنا منكما قال أبو عبد الله نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى جبرائيل بين السماء و الأرض على كرسي من ذهب و هو يقول لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا علي و روى ابن أبي إسحاق و السدي و الواقدي و ابن جرير و غيرهم قالوا كان المشركون نزلوا بأحد يوم الأربعاء في شوال سنة ثلاث من الهجرة و خرج رسول الله إليهم يوم الجمعة و كان القتال يوم السبت للنصف من الشهر و كسرت رباعية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و شج في وجهه ثم رجع المهاجرون و الأنصار بعد الهزيمة و قد قتل من المسلمين سبعون و شد رسول الله بمن معه حتى كشفهم و كان الكفار مثلوا بجماعة و كان حمزة أعظم مثلة و ضربت يد طلحة فشلت و سعد بن أبي وقاص كان يرمي بين يديه و هو (عليه السلام) يقول ارم فداك أبي و أمي .

النظم

لما أمر تعالى بالصبر في قوله و أن تصبروا و تتقوا عقبه بنصرة المسلمين يوم بدر و صبرهم على القتال ثم ذكر امتحانهم يوم أحد لما تركوا الصبر و قيل نظمه و إن تصبروا ينصركم كما نصركم يوم بدر و إن لم تصبروا نزل بكم ما نزل يوم أحد حيث خالفتم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و ذكر أبو مسلم أنه متصل بقوله قد كان لكم آية في فئتين كما تقدم ذكره .

مجمع البيان ج : 2 ص : 827
وَ لَقَدْ نَصرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْر وَ أَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ(123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَثَةِ ءَالَف مِّنَ الْمَلَئكَةِ مُنزَلِينَ(124) بَلى إِن تَصبرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بخَمْسةِ ءَالَف مِّنَ الْمَلَئكَةِ مُسوِّمِينَ(125) وَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشرَى لَكُمْ وَ لِتَطمَئنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَ مَا النَّصرُ إِلا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحَْكِيمِ(126)

القراءة

قرأ ابن عامر منزلين مشددة الزاي و قرأ الآخرون « منزلين » مخففة و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و عاصم « مسومين » بكسر الواو و قرأ الباقون بفتحها .

الحجة

حجة من قرأ « منزلين » بالتخفيف قوله و قالوا لو لا أنزل عليه ملك و لو أنزلنا ملكا و لأن الإنزال يعم التنزيل و غيره و حجة ابن عامر ما ننزل الملائكة و تنزل الملائكة و الروح فيها لأن تنزل مطاوع نزل و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و قال أبو الحسن من قرأ « مسومين » بالكسر فلأنهم سوموا الخيل و من قرأ مسومين فلأنهم سوموا و قال مسومين معلمين و يكون مرسلين من سوم الخيل إذا أرسلها و منه السائمة و قال علي بن عيسى أن اختيار الكسر لتظاهر الأخبار بأنهم سوموا خيلهم بعلامة و قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) سوموا فإن الملائكة قد سومت .

اللغة

بدر ما بين مكة و المدينة و قال الشعبي سمي بدرا لأن هناك ماء لرجل يسمى بدرا فسمي الموضع باسم صاحبه و قال الواقدي هو اسم للموضع و كل شيء تم فهو بدر و سمي بدر السماء بدرا لتمامه و امتلائه و عين بدرة ممتلئة يقال استكفيته الأمر فكفاني و كفاك هذا الأمر أي حسبك و الفرق بين الاكتفاء و الاستغناء أن الاكتفاء هو الاقتصار على ما ينفي الحاجة و الاستغناء الاتساع فيما ينفي الحاجة و الأمداد هو إعطاء الشيء حالا بعد حال و المد في السير هو الاستمرار عليه و امتد بهم السير إذا طال و استمر و أمددت الجيش بمدد و أمد الجرح فهو ممد إذا صارت فيه المدة و مد النهر إذا جرى يقال مد النهر و مده نهر آخر و يقال مده في الشر و أمده في الخير و أصل الفور فور القدر فهو غليانها عند شدة الحمى و منه فورة الغضب لأنه كفور القدر و منه فارت العين بالماء إذا جاشت به و منه الفوارة لأنها تفور بالماء كما تفور القدر بما فيها و منه جاء على الفور أي على ابتداء الحمى قبل أن تبرد عنه نفسه و قيل الفور القصد إلى الشيء بحدة .

الإعراب

« و أنتم أذلة » في موضع نصب على الحال و « أن يمدكم ربكم » في موضع
مجمع البيان ج : 2 ص : 828
رفع بأنه فاعل « أ لن يكفيكم » إمدادكم و قوله « من فورهم » هذا في موضع جر صفة لفورهم و قوله « و لتطمئن قلوبكم به » معطوف على قوله « بشرى لكم » لأن تقديره لتبشروا به و لتطمئن .

المعنى

ثم بين الله تعالى ما فعله بهم من النصر يوم بدر فقال « و لقد نصركم الله » أيها المؤمنون « ببدر » بتقوية قلوبكم و بما أمدكم به من الملائكة و بإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم « و أنتم أذلة » أي ضعفاء عن المقاومة قليلو العدد قليلو العدة جمع ذليل و روي عن ابن عباس أنه قال كان المهاجرون يوم بدر سبعة و سبعين رجلا و الأنصار مائتين و ستة و ثلاثين رجلا و الجميع ثلاثمائة و ثلاث عشر رجلا و كان المشركون نحوا من ألف رجل و روي عن بعض الصادقين أنه قرأ و أنتم ضعفاء و قال لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة و فيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و كان صاحب راية رسول الله يوم بدر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و صاحب راية الأنصار سعد بن عبادة و قيل سعد بن معاذ « فاتقوا الله » أي اجتنبوا معاصيه و اعملوا بطاعته « لعلكم تشكرون » أي لتقوموا بشكر نعمته « إذ تقول » خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أي إذ تقول يا محمد للمؤمنين من أصحابك « أ لن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة » هو إخبار بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال لقومه أ لن يكفيكم يوم بدر أن جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم قال ابن عباس و الحسن و قتادة و غيرهم إن الأمداد بالملائكة كان يوم بدر و قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر و كانوا في غيره من الأيام عدة و مددا و قال الحسن كان جميعهم خمسة آلاف فمعناه يمددكم ربكم بتمام خمسة آلاف و قال غيره كانوا ثمانية آلاف فمعناه بخمسة آلاف أخر و قيل إن الوعد بالإمداد بالملائكة كان يوم أحد وعدهم الله المدد أن صبروا عن عكرمة و الضحاك « منزلين » أنزلهم الله من السماء إلى الأرض لنصرتكم « بلى » تصديق للوعد أي يفعل كما وعدكم و يزيدكم « إن تصبروا » معناه إن صبرتم على الجهاد و على ما أمركم الله ( تعالى ) « و تتقوا » معاصي الله و مخالفة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) « و يأتوكم » يعني المشركين أن رجعوا إليكم « من فورهم هذا » أي من وجههم هذا عن ابن عباس و الحسن و قتادة و الربيع و السدي و على هذا فإنما هو من فور الابتدار لهم و هو ابتداؤه و قيل معناه من غضبهم هذا عن مجاهد و أبي صالح و الضحاك و كانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر مما لقوا فهو من فور الغضب و هو غليانه « يمددكم بخمسة آلاف من الملائكة » أي يعطكم مددا لكم و نصرة و إنما قال ذلك لأن الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يغيروا المدينة و هموا بالرجوع
مجمع البيان ج : 2 ص : 829
فأوحى الله إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يأمر أصحابه بالتهيء للرجوع إليهم و قال لهم إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ثم قال إن صبرتم على الجهاد و راجعتم الكفار أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين فأخذوا في الجهاد و خرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح فأخبر المشركين من مر برسول الله أنه خرج يتبعكم فخاف المشركون أن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين و أن يكون قد التام إليهم من كان تأخر عنهم و انضم إليهم غيرهم فدسوا نعيم بن مسعود الأشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش و أسرعوا في الذهاب إلى مكة و كفى الله المسلمين أمرهم و القصة معروفة و لذلك قال قوم من المفسرين إن جميعهم ثمانية آلاف و قال الحسن خمسة آلاف جميعهم منهم ثلاثة آلاف المنزلين على أن الظاهر يقتضي أن الأمداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر لأن قوله إذ تقول للمؤمنين الآية يتعلق بقوله و لقد نصركم الله ببدر الآية ثم استأنف حكم يوم أحد فقال بلى أن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا أي إن يرجعوا إليكم بعد انصرافهم أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين و هذا قول البلخي رواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال لم يمدوا يوم أحد و لا بملك واحد و على هذا فلا تنافي بين الآيتين فمتى يسأل كيف لم يمدوا بالملائكة في سائر الحروب فالجواب أن ذلك تابع للمصلحة فإذا علم الله في إمدادهم المصلحة أمدهم و قوله « مسومين » بالكسر أي معلمين أعلموا أنفسهم و مسومين بالفتح سومهم الله أي أعلمهم قال ابن عباس و الحسن و قتادة و غيرهم كانوا أعلموا بالصوف في نواصي الخيل و أذنابها و قال عروة نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق و عليهم عمائم صفر و قال علي و ابن عباس كانت عليهم عمائم بيض و أرسلوا أذنابها بين أكتافهم قال السدي معنى مسومين بالفتح مرسلين من الناقة السائمة أي المرسلة في المرعى « و ما جعله الله إلا بشرى لكم » أي و ما جعل الله الأمداد و الوعد به فالهاء عائدة على غير مذكور باسمه و هو معلوم بدلالته عليه لأن يمدد يدل على الأمداد و « بشرى لكم » أي بشارة لكم لتستبشروا به و لتطمئن قلوبكم به أي و لتسكن قلوبكم فلا تخافوا كثرة عدد العدو و قلة عددكم « و ما النصر » أي و ما المعونة « إلا من عند الله » و معناه أن الحاجة إلى الله تعالى لازمة في المعونة و إن أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين في تقوية قلوبكم و خذلان عدوكم بضعف قلوبهم إلى غير ذلك و قيل إن معناه و ما هذا النصر إلا بإمداد الملائكة إلا من عند الله « العزيز » أي القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين « الحكيم » في تدبيره للمؤمنين و للعالمين و إنما قال ذلك ليعلمهم أن حربهم للمشركين إنما هو لإعزاز الدين و قيل العزيز المنيع باقتداره و الحكيم في تدبيره للخلق .


مجمع البيان ج : 2 ص : 830
فصل وجيز في ذكر مغازي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)
[ قال المفسرون جميع ما غزا رسول الله بنفسه ستة و عشرون غزاة و أول غزاة غزاها غزوة الأبواء ثم غزوة بواط ثم غزوة العشيرة ثم غزوة بدر الأولى ثم غزوة بدر الكبرى ثم غزوة بني سليم ثم غزوة السويق ثم غزوة ذي أمر ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع ثم غزوة بدر الأخيرة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان ثم غزوة بني قرد ثم غزوة بني المصطلق ثم غزوة الحديبية ثم غزوة خيبر ثم غزوة الفتح فتح مكة ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قاتل منها في تسع غزوات غزوة بدر الكبرى و هو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة و أحد و هو في شوال سنة ثلاث من الهجرة و الخندق و بني قريظة في شوال سنة أربع و بني المصطلق و بني لحيان في شعبان سنة خمس و خيبر سنة ست و الفتح في رمضان ثمان و حنين و الطائف في شوال سنة ثمان فأول غزوة غزاها بنفسه فقاتل فيها بدر و آخرها تبوك و أما عدد سراياه فست و ثلاثون سرية على ما عد في مواضعه .
لِيَقْطعَ طرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتهُمْ فَيَنقَلِبُوا خَائبِينَ(127) لَيْس لَك مِنَ الأَمْرِ شىْءٌ أَوْ يَتُوب عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظلِمُونَ(128)

اللغة

الكبت الخزي و هو مصدر كبت الله العدو أي أخزاه و أذله و قال الخليل الكبت صرح الشيء على وجهه كبتهم الله فانكبتوا و حقيقة الكبت شدة الوهن الذي يقع في القلب و ربما صرع الإنسان لوجهه للخور الذي يدخله و الخائب المنقطع عما أمل و لا يكون الخيبة إلا بعد الأمل لأنها امتناع نيل ما أمل و اليأس قد يكون قبل الأمل و قد يكون بعده و اليأس و الرجاء نقيضان يتعاقبان كتعاقب الخيبة و الظفر .

الإعراب

نصب « أو يتوب عليهم » على وجهين أحدهما أن يكون عطفا على ليقطع و يكون قوله « ليس لك من الأمر شيء » اعتراضا بين المعطوف و المعطوف عليه كما تقول ضربت زيدا فافهم ذلك و عمرا و الآخر أن يكون أو بمعنى إلا أن فكأنه قال ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب الله عليهم أو يعذبهم فيكون أمرك تابعا لأمر الله لرضاك بتدبيره فيهم .

مجمع البيان ج : 2 ص : 831

المعنى

« ليقطع طرفا من الذين كفروا » اختلف في وجه اتصاله بما قبله فقيل يتصل بقوله « و ما النصر إلا من عند الله » و معناه أعطاكم الله هذا النصر و خصكم به ليقطع طائفة من الذين كفروا بالأسر و القتل و قيل هو متصل بقوله « و لقد نصركم الله ببدر » أي و لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفا و قيل معناه ذلك التدبير ليقطع طرفا أي قطعة منهم و المعنى ليهلك طائفة منهم و قيل ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل و الأسر و أما اليوم الذي قطع الله فيه الطرف من الذين كفروا فيوم بدر قتل فيه صناديدهم و رؤساءهم و قادتهم إلى الكفر في قول الحسن و الربيع و قتادة و قيل هو يوم أحد قتل فيه منهم ثمانية عشر رجلا و إنما قال « ليقطع طرفا » منهم و لم يقل ليقطع وسطا منهم لأنه لا يوصل إلى الوسط منهم إلا بقطع الطرف و لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كما قال « قاتلوا الذين يلونكم من الكفار » « أو يكبتهم » معناه أو يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم عن قتادة و الربيع و قيل معناه يردهم عنكم منهزمين عن الجبائي و الكلبي و قيل يصرعهم الله على وجوههم و قيل معناه يردهم عنكم منهزمين عن الجبائي و الكلبي و قيل يصرعهم الله على وجوههم و قيل يظفركم عليهم عن المبرد و قيل يلعنهم عن السدي و قيل يهلكهم عن أبي عبيدة « فينقلبوا خائبين » لم ينالوا مما أملوا شيئا « ليس لك من الأمر شيء » قيل هو متصل بقوله « و ما النصر إلا من عند الله » فيكون معناه نصركم الله ليقطع طرفا منهما و يكبتهم و ليس لك و لا لغيرك من هذا النصر شيء عن أبي مسلم و قيل أنه اعتراض بين الكلامين و قوله « أو يتوب » عليهم متصل بقوله « ليقطع طرفا » فيكون التقدير ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم قد استحقوا العذاب و ليس لك أي ليس إليك من هذه الأربعة شيء و ذلك إلى الله تعالى و اختلف في سبب نزوله فروي عن أنس بن مالك و ابن عباس و الحسن و قتادة و الربيع أنه لما كان من المشركين يوم أحد ما كان من كسر رباعية الرسول و شجه حتى جرت الدماء على وجهه قال كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلّم) و هو مع ذلك حريص على دعائهم إلى ربهم فأعلمه الله أنه ليس إليه فلاحهم و أنه ليس إليه إلا أن يبلغ الرسالة و يجاهد حتى يظهر الدين و إنما ذلك إلى الله تعالى و كان الذي كسر رباعيته و شجه في وجهه عتبة بن أبي وقاص فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا فمات كافرا قبل أن يحول الحول و أدمى وجهه رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله و روي أنه كان يمسح الدم على وجهه و يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فعلى هذا يمكن أن يكون على وجل من عنادهم و إصرارهم على الكفر فأخبره تعالى ( أنه ليس إليه إلا ما أمر به من تبليغ الرسالة و دعائهم إلى الهدى ) و ذلك مثل قوله « لعلك باخع نفسك ألا
مجمع البيان ج : 2 ص : 832
يكونوا مؤمنين » و قيل أنه استأذن ربه في يوم أحد في الدعاء عليهم فنزلت الآية فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال و إنما لم يؤذن له فيه لما كان في المعلوم من توبة بعض عن أبي علي الجبائي و قيل أراد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله عن ذلك و تاب عليهم و نزلت الآية « ليس لك من الأمر شيء » أي ليس لك أن تلعنهم و تدعو عليهم عن عبد الله بن مسعود و قيل لما رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و المسلمون ما فعل بأصحابه و بعمه حمزة من المثلة من جدع الأنوف و الآذان و قطع المذاكير قالوا لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا و لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فنزلت الآية عن محمد بن إسحاق و الشعبي و قيل نزلت في أهل بئر معونة و هم سبعون رجلا من قراء أصحاب رسول الله و أميرهم المنذر بن عمرو بعثهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن و العلم فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل و كان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك وجدا شديدا و قنت عليهم شهرا فنزل « ليس لك من الأمر شيء » عن مقاتل و الأصح أنها نزلت في أحد لأن أكثر العلماء عليه و يقتضيه سياق الكلام و إنما قال « ليس لك من الأمر شيء » مع أن له (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يدعوهم إلى الله و يؤدي إليهم بتبليغهم لأن معناه ليس لك شيء من أمر عقابهم و استيصالهم أو الدعاء عليهم أو لعنهم حتى تقع إنابتهم فجاء الكلام على الإيجاز لأن المعنى مفهوم لدلالة الكلام عليه و أيضا فإنه لا يعتد بما له (صلى الله عليه وآله وسلّم) في تدبيرهم مع تدبير الله لهم فكأنه قال ليس لك من الأمر شيء على وجه من الوجوه و قوله « أو يتوب عليهم » قيل في معناه وجهان أحدهما أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم فيتوب عليهم بلطفه لهم و الآخر أو يقبل توبتهم إذا تابوا كقوله غافر الذنب و قابل التوب و لا يصح هذه الصفة إلا لله تعالى لأنه يملك الجزاء بالثواب و العقاب « أو يعذبهم » أي يعذبهم الله تعالى إن لم يتوبوا « فإنهم ظالمون » أي مستحقون للعذاب بظلمهم و في هذه الآية دلالة على أن ما يتعلق بالنصر و الظفر و قبول التوبة و التعذيب فإنما هو إلى الله و ليس للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من ذلك شيء و إنما إليه الهداية و الدعاء فكأنه قال لا ترفع عنهم السيف إلى أن يتوبوا فيتوب عليهم أو يقوموا على كفرهم فيعذبهم بظلمهم .
وَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وَ يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(129)

مجمع البيان ج : 2 ص : 833

اللغة

إنما ذكر لفظ ما لأنها أعم من من فإنها تتناول ما يعقل و ما لا يعقل لأنها تفيد الجنس و لو قال من في السماوات لم يدخل فيه إلا العقلاء إلا أن يحمل على التغليب و ذلك ليس بحقيقة .

المعنى

لما قال تعالى « ليس لك من الأمر شيء » عقب ذلك بأن الأمر كله له فقال « و لله ما في السماوات و ما في الأرض » ملكا و ملكا و خلقا و اقتدارا على الجميع يصرفهم كيف يشاء إيجادا و إفناء و إعادة « يغفر لمن يشاء » من المؤمنين ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها و لا يعاقبهم عليها رحمة منه و فضلا « و يعذب من يشاء » أي و يعذب الكافرين و من يشاء من مذنبي المؤمنين إن مات قبل التوبة عدلا و يدل عليه مفسرا قوله إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و لو لا ذلك لكنا نجوز العفو على الجميع عقلا و قيل إنما أبهم الله الأمر بالتعذيب و المغفرة فلم يبين من يغفر له و من يشاء تعذيبه ليقف المكلف بين الخوف و الرجاء فلا يأمن من عذاب الله تعالى و لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون و يلتفت إلى هذا قول الصادق لو وزن رجاء المؤمن و خوفه لاعتدلا و قيل إنما علق الغفران أو العذاب بالمشيئة لأن المشيئة مطابقة للحكمة فلا يشاء إلا ما تقتضي الحكمة مشيئة و سئل بعضهم كيف يعذب الله عباده بالأجرام مع سعة رحمته فقال رحمته لا تغلب حكمته إذ لا تكون رحمته برقة القلب كما تكون الرحمة منا و عن ابن عباس قال معنى الآية يغفر لمن يشاء و يعذب من يشاء ممن لم يتب .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَأْكلُوا الرِّبَوا أَضعَفاً مُّضعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(130) وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتى أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ(131) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسولَ لَعَلَّكمْ تُرْحَمُونَ(132)

المعنى

لما ذكر سبحانه أن له التعذيب لمن يشاء و المغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوا لاستحقوا عليه العذاب و هو الربا فقال تعالى « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « لا تأكلوا الربوا » ذكر الأكل لأنه معظم الانتفاع و إن كان غيره
مجمع البيان ج : 2 ص : 834
من التصرفات أيضا منهيا عنه و الرباء الزيادة على أصل المال بالتاخير عن الأجل الحال و قيل هو ربا الجاهلية عن عطا و مجاهد « أضعافا مضاعفة » قيل في معناه قولان أحدهما أن يضاعف بالتاخير أجلا بعد أجل كلما أخر عن أجل إلى غيره زيد زيادة على المال و الثاني معناه تضاعفون به أموالكم و يدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة و وجه تحريم الربا هو المصلحة التي علمها الله و ذكر فيه وجوه على وجه التقريب منها أنه للفصل بينه و بين البيع و منها أنه يدعو إلى العدل و يحض عليه و منها أنه يدعو إلى مكارم الأخلاق بالإقراض و إنظار المعسر من غير زيادة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و إنما أعاد تحريم الربا مع ما سبق ذكره في سورة البقرة لأمرين أحدهما التصريح بالنهي عنه بعد الإخبار بتحريمه لما في ذلك من تصريف الخطر له و شدة التحذير منه و الثاني لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الأضعاف المضاعفة « و اتقوا الله » أي اتقوا معاصيه و قيل اتقوا عقابه بترك معاصيه « لعلكم تفلحون » لكي تنجحوا بإدراك ما تأملونه و تفوزوا بثواب الجنة « و اتقوا النار » أي اتقوا الأفعال الموجبة لدخول النار التي « أعدت للكافرين » أي هيئت و اتخذت للكافرين و الوجه في تخصيص الكفار بإعداد النار لهم أنهم معظم أهل النار فهم العمدة في إعداد النار لهم و غيرهم من الفاسقين يدخلونها على وجه التبع فهو كقوله « أعدت للمتقين » و معلوم أنه قد يدخلها غير المتقين من الأطفال و المجانين و قال الحسن تخصيص الكفار بإعداد النار لهم لا يمنع من مشاركة غيرهم إياهم كما أن تخصيص المرتدين باسوداد الوجوه لا يمنع من مشاركة سائر الكفار إياهم و مثله في القرآن كثير و الأصل أن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه « و أطيعوا الله » فيما أمركم به و أطيعوا الرسول فيما شرع لكم « لعلكم ترحمون » أي لكي ترحموا فلا يعذبكم و مما يسأل على هذا أن يقال إذا كانت طاعة الرسول طاعة الله فما وجه التكرار فالجواب عنه شيئان ( أحدهما ) إن المقصد بها طاعة الرسول فيما دعا إليه مع القصد لطاعة الله ( و الثاني ) إنما قال ذلك ليعلم أن من أطاعه فيما دعا إليه فهو كمن أطاع الله فيسارع إلى ذلك بأمر الله .

النظم

و قد قيل في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها قولان ( أحدهما ) لاتصال الأمر بالطاعة بالنهي عن أكل الربا فكأنه قال و أطيعوا الله فيما نهاكم عنه من أكل الربا و غيره ( و الثاني ) ما قاله محمد بن إسحاق بن يسار أنه معاتبة للذين عصوا رسول الله

<<        الفهرس        >>