جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج2 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>




مجمع البيان ج : 2 ص : 770

المعنى

ثم كذب الله اليهود و النصارى فقال « ما كان إبراهيم يهوديا و لا نصرانيا » نزه إبراهيم و برأه عن اليهودية و النصرانية لأنهما صفتا ذم قد دل القرآن و الإجماع على ذلك و هذا يدل على أن موسى أيضا لم يكن يهوديا و لم يكن عيسى نصرانيا فإن الدين عند الله الإسلام و اليهودية ملة محرفة عن شرع موسى و النصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى فهما صفتا ذم جرتا على فرقتين ضالتين « و لكن كان حنيفا » أي مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام و قيل معناه مستقيما في دينه « مسلما » أي كائنا على دين الإسلام « و ما كان من المشركين » قيل إن هذا يتضمن كون اليهودية و النصرانية شركا و قيل إن معناه لم يكن مشركا على ما يدعيه مشركو العرب « إن أولى الناس بإبراهيم » يعني أن أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة « للذين اتبعوه » في وقته و زمانه و تولوه بالنصرة على عدوه حتى ظهر أمره و علت كلمته « و هذا النبي و الذين آمنوا » يتولون نصرته بالحجة لما كان عليه من الحق و تبرئة كل عيب عنه أي هم الذين ينبغي لهم أن يقولوا إنا على دين إبراهيم و لهم ولايته « و الله ولي المؤمنين » لأنه يتولى نصرتهم و المؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه و قيل لأنه يتولى نصرة ما أمر الله به من الدين و إنما أفرد الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالذكر تعظيما لأمره و إجلالا لقدره كما أفرد جبرائيل و ميكائيل و قيل ليدخل في الولاية و تعود إليه الكتابة فإن التقدير و الذين آمنوا به و في هذه الآية دلالة على أن الولاية تثبت بالدين لا بالنسب و يعضد ذلك قول أمير المؤمنين إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاءوا به ثم تلا هذه الآية و قال إن ولي محمد من أطاع الله و إن بعدت لحمته و إن عدو محمد من عصى الله و إن قربت قرابته و روى عمر بن يزيد قال قال أبو عبد الله أ هم و الله من آل محمد قلت من أنفسهم جعلت فداك نعم و الله من أنفسهم قالها ثلاثا ثم نظر إلي و نظرت إليه فقال يا عمر إن الله يقول في كتابه إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه الآية رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن منصور بن يونس عنه .
وَدَّت طائفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُّونَكمْ وَ مَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسهُمْ وَ مَا يَشعُرُونَ(69)

اللغة

ودت أي تمنت فلما كان بمعنى تمنى صلح للماضي و الحال و الاستقبال فلذلك جاز بلو و ليس كذلك المحبة و الإرادة لأنهما لا يتعلقان إلا بالمستقبل فلا يجوز أن
مجمع البيان ج : 2 ص : 771
يقال أرادوا لو يضلونكم لأن الإرادة يجري مجرى الاستدعاء إلى الفعل أو مجرى العلة في ترتيب الفعل فأما التمني فهو تقرير شيء في النفس يستمتع بتقريره و الفرق بين ود لو تضله و بين ود إن تضله أن أن للاستقبال و ليس كذلك لو .

المعنى

ثم بين سبحانه أن هؤلاء كما ضلوا دعوا إلى الضلال فقال « ودت » أي تمنت و قيل أرادت « طائفة » أي جماعة « من أهل الكتاب » أي من اليهود و النصارى و قيل من اليهود خاصة « لو يضلونكم » أي يهلكونكم بإدخالكم في الضلال و دعائكم إليه و يستعمل الضلال بمعنى الهلاك نحو قوله « أ إذا ضللنا في الأرض » و معناه هلكنا و بطلت صورنا « و ما يضلون إلا أنفسهم » معناه لا يرجع وبال إضلالهم إلا على أنفسهم و لا يلحق ضرره إلا بهم فإن المسلمين لا يجيبونهم إلى ما يدعونهم إليه من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان فيبقى عليهم إثم الكفر و وبال الدعاء إلى الكفر و قيل معناه و ما يهلكون إلا أنفسهم أي لا يعتد بما يحصل لغيرهم من الهلاك في جنب ما يحصل لهم « و ما يشعرون » أي و ما يعلمون أن وبال ذلك يعود إليهم و قيل و ما يشعرون أن الله تعالى يدل المؤمنين على ضلالهم و إضلالهم و قيل و ما يشعرون أنهم ضلال لجهلهم عن أبي علي الجبائي .
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ أَنتُمْ تَشهَدُونَ(70) يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَ تَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ أَنتُمْ تَعْلَمُونَ(71)

الإعراب

لم أصله لما حذفت الألف لاتصالها بالحرف الجار مع وقوعها ظرفا و لدلالة الفتحة عليها و كذلك بم و عم .

المعنى

ثم خاطب الله الفريقين فقال « يا أهل الكتاب لم تكفرون » بما يتلى عليكم من « آيات الله » يعني القرآن « و أنتم تشهدون » أي تعلمون و تشاهدون ما يدل على صحتها و وجوب الإقرار بها من التوراة و الإنجيل إذ فيهما ذكر النبي و الإخبار بصدق نبوته و بيان صفته و قيل يعني ب آيات الله ما في كتبهم من البشارة بنبوته و أنتم تشهدون الحجج
مجمع البيان ج : 2 ص : 772
الدالة على نبوته و قيل يعني بالآيات ما في كتبهم أن إبراهيم كان حنيفا مسلما و إن الدين هو الإسلام و أنتم تشاهدون ذلك و قيل يعني بها ما يتلى عليهم من غرائب أخبارهم التي علموا أنها في كتبهم عن أبي مسلم و قيل يعني بالآيات الحجج الدالة على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أنتم تشهدون أن الأول لمعجزة يدل على صدق الرسالة و ثبوت النبوة و قيل و أنتم تشهدون إذا خلوتم بصحة دين الإسلام « يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل » معناه لم تخلطون الحق بالباطل و فيه أقوال ( أحدها ) أن المراد به تحريفهم التوراة و الإنجيل عن الحسن و ابن زيد ( و ثانيها ) إن المراد به إظهارهم الإسلام و إبطانهم النفاق في قلوبهم من اليهودية و النصرانية لأنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار و الرجوع عنه في آخره تشكيكا للناس عن ابن عباس و قتادة ( و ثالثها ) أن المراد به الإيمان بموسى و عيسى و الكفر بمحمد ( و رابعها ) أن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من أن محمدا أحق بما يظهرونه من تكذيبه عن الجبائي و أبي مسلم « و تكتمون الحق » أي نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و ما وجدتموه في كتبكم من نعته و البشارة به « و أنتم تعلمون » أنه حق و إنما نزلت هذه في طائفة من علمائهم لأن الكتمان إنما يجوز على الطائفة القليلة دون الكثيرة و قيل معناه و أنتم تعلمون الأمور التي تصح بها التكليف و الأول أصح لما في الآية من الذم على الكتمان .
وَ قَالَت طائفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُوا بِالَّذِى أُنزِلَ عَلى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَ اكْفُرُوا ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72) وَ لا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَن تَبِعَ دِينَكمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(73) يَخْتَص بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ(74)

القراءة

قرأ ابن كثير أن يؤتى أحد ممدودا و الباقون « أن يؤتى » بغير مد و استفهام .

مجمع البيان ج : 2 ص : 773

الحجة

قال أبو علي من قرأ « أن يؤتى أحد » فتقديره لا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم و قوله « قل إن الهدى هدى الله » اعتراض بين المفعول و فعله و إذا حذفت الجار من أن كان على الخلاف يكون في قول الخليل جرا و في قول سيبويه نصبا فأما اللام في قوله « لمن تبع دينكم » فلا يسهل أن تعلقه بتؤمنوا و أنت قد أوصلته بحرف آخر جار فتعلق بالفعل جارين كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد أ لا ترى أن تعدية الفعل بالجار كتعديته بالهمز و تضعيف العين فكما لا يتكرر هذان كذلك لا يتكرر الجار فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به حملته على المعنى و المعنى لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم كما تقول أقررت لزيد بألف فيكون اللام متعلقا بالمعنى و لا تكون زائدة على حد أن كنتم للرؤيا تعبرون و لكن يتعلق بالإقرار و إن شئت عملت الكلام على معنى الجحود فكأنه قال اجحدوا الناس إلا لمن تبع دينكم فيكون اللام على هذا زائدة و قد تعدى آمن باللام في غير هذا قال الله تعالى « فما آمن لموسى إلا ذرية » و قال « آمنتم له قبل أن آذن لكم » و قال « يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين » فتعدى مرة بالباء و مرة باللام و وجه قراءة ابن كثير أن في موضع رفع بالابتداء لأنه لا يجوز أن يحمل على ما قبله من الفعل لقطع الاستفهام بينهما و خبره تصدقون به و تعترفون به و نحو ذلك مما دل عليه قوله « و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم » هذا على قول من قال أ زيد ضربته و من قال أ زيدا ضربته كان أن عنده في موضع نصب و يجوز أن يكون موضع أن نصبا على معنى تذكرون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو تشيعون و يدل على ذلك قوله تعالى « أ تحدثونهم بما فتح الله عليكم » فحديثهم بذلك إشاعة منهم و إفشاء وبخ بعضهم بعضا بالحديث لما علموه من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و عرفوه من وصفه فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير و لعله اعتبرها في قراءته .

اللغة

الطائفة الجماعة و في أصلها قولان ( أحدهما ) أنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الاجتماع ( و الآخر ) أنها جماعة يستوي بها حلقة يطاف حولها و « وجه النهار » أوله و سمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه كما يقال لأول الثوب وجه الثوب و قيل لأنه كالوجه في أنه أعلاه و أشرف ما فيه قال الربيع بن زياد :
من كان مسرورا بمقتل مالك
فليأت نسوتنا بوجه نهار .

النزول

قال الحسن و السدي تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر و قرى
مجمع البيان ج : 2 ص : 774
عرينة و قال بعضهم لبعض ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد و أكفروا به آخر النهار و قولوا أنا نظرنا في كتبنا و شاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك و ظهر لنا كذبه و بطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه و قالوا أنهم أهل الكتاب و هم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم و قال مجاهد و مقاتل و الكلبي كان هذا في شأن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فقال كعب بن الأشرف لأصحابه آمنوا بالله و بما أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) من أمر الكعبة و صلوا إليها أول النهار و ارجعوا إلى قبلتكم آخره لعلهم يشكون .

المعنى

لما ذكر تعالى صدرا من كياد القوم عقبه بذكر هذه المكيدة الشديدة فقال « و قالت طائفة » أي جماعة « من أهل الكتاب » أي بعضهم لبعض « آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا » يعنون النبي و أصحابه « وجه النهار و أكفروا آخره » و اختلف في معناه على أقوال ( أحدها ) أظهروا الإيمان لهم أول النهار و ارجعوا عنه في آخره فإنه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم عن الحسن و جماعة ( و ثانيها ) آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار و أكفروا آخره ليرجعوا بذلك عن دينهم عن مجاهد ( و ثالثها ) أظهروا الإيمان في صدر النهار بما سلف لكم من الإقرار بصفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) ثم ارجعوا في آخره لتوهموهم أنه كان قد وقع غلط في صفته « لعلهم يرجعون » عن دينهم الإسلام عن ابن عباس و جماعة « و لا تؤمنوا » أي و لا تصدقوا « إلا لمن تبع دينكم » اليهودية و قام بشرائعكم و هو عطف على ما مضى و اختلف في معنى الآية على أقوال ( أحدها ) أن معناه و لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم و الحكمة و البيان و الحجة إلا لمن تبع دينكم من أهل الكتاب و قيل إنما قال ذلك يهود خيبر ليهود المدينة لئلا يعترفوا به فيلومونهم به لإقرارهم بصحته و قيل معناه لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع دينكم و قوله « أو يحاجوكم عند ربكم » لأنكم أصح دينا منهم فلا تكون لهم الحجة عليكم عند الله فيكون هذا كله من كلام اليهود و قوله « قل إن الهدى هدى الله » و « قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء » كلام الله جوابا لليهود و ردا عليهم أي « قل » يا محمد « إن الهدى هدى الله » و « قل إن الفضل بيد الله » فلا ينبغي لهم أن ينكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا و هذا معنى الحسن و أبي علي الفارسي ( و ثانيها ) أن يكون قوله « و لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم » كلام اليهود و ما بعده من الله و يكون المعنى
مجمع البيان ج : 2 ص : 775
« قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » أيها المسلمون كقوله « يبين الله لكم أن تضلوا » أي أن لا تضلوا و إن لا يحاجوكم عند ربكم لأنه لا حجة لهم و يكون هدى الله بدلا من الهدى و الخبر أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم و هذا قول السدي و ابن جريج و قال أبو العباس المبرد أن لا ليست مما تحذف هاهنا و لكن الإضافة هنا معلومة فحذفت الأول و أقيمت الثانية مقامه و المعنى « قل إن الهدى هدى الله » كراهة « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم » أي مما خالف دين الله لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار فهدى الله بعيد من غير المؤمنين و كذلك تقدير قوله يبين الله لكم كراهة أن تضلوا و قال قوم أن تقديره قل يا محمد أن الهدى إلى الخير هدى الله فلا تجحدوا أيها اليهود أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة « أو » أن « يحاجوكم » بذلك « عند ربكم » إن لم تقبلوا ذلك منهم عن قتادة و الربيع و الجبائي و قيل « إن الهدى هدى الله » معناه أن الحق ما أمر الله به ثم فسر الهدى فقال « أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم » فالمؤتى هو الشرع و ما يحاج به هو العقل و تقدير الكلام أن هدى الله ما شرع أو ما عهد به في العقل فهذه أربعة أقوال ( و ثالثها ) أن يكون الكلام من أول الآية إلى آخرها لله تعالى و تقديره و لا تؤمنوا أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم و هو دين الإسلام و لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين فلا نبي بعد نبيكم و لا شريعة بعد شريعتكم إلى يوم القيامة و لا تصدقوا بأن يكون لأحد حجة عليكم عند ربكم لأن دينكم خير الأديان و « إن الهدى هدى الله » و « أن الفضل بيد الله » فتكون الآية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى عند تلبيس اليهود عليهم لئلا يزلوا و يدل عليه ما قاله الضحاك أن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المغلوبون و أن المؤمنين هم الغالبون و قوله « قل إن الفضل بيد الله » قيل يريد به النبوة و قيل الحجج التي أوتيها محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و من معه و قيل نعم الدين و الدنيا و قوله « بيد الله » أي في ملكه و هو القادر عليه العالم بمحله « يؤتيه من يشاء » و في هذه دلالة على أن النبوة ليست بمستحقة و كذلك الإمامة لأن الله سبحانه علقه بالمشيئة « و الله واسع » الرحمة جواد و قيل واسع المقدور يفعل ما يشاء « عليم » بمصالح الخلق و قيل يعلم حيث يجعل رسالته « يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم » مر تفسيره في سورة البقرة في العشر التي بعد المائة و في هذه الآيات معجزة باهرة لنبينا إذ فيها إخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام الغيوب و فيها دفع لمكائدهم و لطف للمؤمنين في الثبات على عقائدهم .

مجمع البيان ج : 2 ص : 776
* وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطار يُؤَدِّهِ إِلَيْك وَ مِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَار لا يُؤَدِّهِ إِلَيْك إِلا مَا دُمْت عَلَيْهِ قَائماً ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْس عَلَيْنَا فى الأُمِّيِّينَ سبِيلٌ وَ يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الْكَذِب وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَ اتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِب الْمُتَّقِينَ(76)

القراءة

قرأ حمزة و أبو بكر عن عاصم يؤده بسكون الهاء و روي نحوه عن أبي عمرو و قرأ أبو جعفر و يعقوب بكسر الهاء مع الاختلاس و هو الصحيح من مذهب أبي عمرو و الباقون بالكسر و الإشباع .

الحجة

أما سكون الهاء فإن أكثر النحويين على أنه لا يجوز و غلط الزجاج الراوي فيه عن أبي عمرو قال و حكى سيبويه عنه و هو ضابط لمثل هذا أنه كان يكسر كسرا خفيفا و قال الفراء هذا مذهب لبعض العرب يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم و قمتم و أما الاختلاس فإنه للاكتفاء بالكسرة عن الياء و أما الإشباع فعلى الأصل .

اللغة

القنطار قد ذكرنا الخلاف في مقداره في أول السورة و الدينار أصله دنار بنونين فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الاستعمال طلبا للخفة و جمعه دنانير و دمت و دمت لغتان مثل مت و مت و لكن من كسر الدال و الميم قال في المضارع تمات و تدام و هي لغة أزد السراة و وفى و أوفى لغتان و أهل الحجاز يقولون أوفيت و أهل نجد يقولون وفيت .

الإعراب

الفرق بين أن تقول تأمنه بقنطار و بين أن تقول على قنطار أن معنى الباء إلصاق الأمانة و معنى على استعلاء الأمانة و هما يتعاقبان في هذا الموضع لتقارب المعنى كما تقول مررت به و مررت عليه و بلى يحتمل معنيين ( أحدهما ) الإضراب عن الأول على جهة الإنكار للأول و على هذا الوجه يكون « من أوفى بعهده » مكتفية نحو قولك ما قدم زيد فيقال بلى أي بلى قد قدم زيد قال الزجاج هاهنا وقف تام ثم استأنف من أوفى إلى الآخرة
مجمع البيان ج : 2 ص : 777
لأنهم لما « قالوا ليس علينا في الأميين سبيل » قيل بلى عليهم سبيل ( الثاني ) الإضراب عن الأول و الاعتماد على البيان الثاني و على هذا الوجه لا تكون مكتفية و الفرق بين بلى و نعم أن بلى جواب النفي و نعم جواب الإثبات إنما جاز إمالة بلى لمشابهتها الاسم من وجهين ( أحدهما ) أنه توقف عليها كما توقف على الاسم ( و الآخر ) أنها على ثلاثة أحرف و لذلك خالفت لا في الإمالة .

النزول

عن ابن عباس قال يعني بقوله « من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك » عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا و مائتي أوقية من ذهب فأداه إليه فمدحه الله سبحانه و يعني بقوله « من أن تأمنه بدينار لا يؤده إليك » فنحاص بن عازورا و ذلك أن رجلا من قريش استودعه دينارا فخانه و في بعض التفاسير أن الذي يؤدي الأمانة النصارى و الذين لا يؤدونه اليهود .

المعنى

ثم ذكر سبحانه معائب القوم و أن فيهم من تحرج عن العيب فقال « و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار » أي تجعله أمينا على قنطار أي مال كثير على ما قيل فيه من الأقوال التي مضى ذكرها في أول السورة « يؤده إليك » عند المطالبة و لا يخون فيه « و منهم من إن تأمنه بدينار » أي على ثمن دينار و المراد تجعله أمينا على قليل من المال « لا يؤده إليك » عند المطالبة و هم كفار اليهود بالإجماع « إلا ما دمت عليه قائما » معناه إلا أن تلازمه و تتقاضاه عن الحسن و ابن زيد و قيل إلا أن تدوم قائما بالتقاضي و المطالبة عن قتادة و مجاهد و قيل إلا ما دمت عليه قائما بالاجتماع معه و الملازمة عن السدي قال « ما دمت عليه قائما » أي ملحا عن ابن عباس « ذلك » أي ذلك الاستحلال و الخيانة « بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل » هذا بيان العلة التي كانوا لأجلها لا يؤدون الأمانة و يميلون إلى الخيانة أي قالت اليهود ليس علينا في أموال العرب التي أصبناها سبيل لأنهم مشركون عن قتادة و السدي و قيل لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه و ذلك أنهم عاملوا جماعة منهم ثم أسلم من له الحق و امتنع من عليه الحق من أداء الحق و قالوا إنما عاملناكم و أنتم على ديننا فإذا فارقتموه سقط حقكم و ادعوا أن ذلك في كتبهم فأكذبهم الله في ذلك بقوله « و يقولون على الله الكذب و هم يعلمون » أنهم يكذبون لأن الله أمرهم بخلاف ما قالوا عن الحسن و ابن جريج و إنما سموهم أميين لعدم كونهم من أهل الكتاب أو لكونهم من مكة و هي أم القرى ثم الله تعالى رد عليهم قولهم فقال « بلى » و فيه نفي لما قبله و إثبات لما بعده كأنه قال ما أمر الله بذلك و لا أحبه و لا أراده بل أوجب الوفاء بالعهد و أداء الأمانة « من أوفى بعهده » يحتمل أن يكون الهاء في
مجمع البيان ج : 2 ص : 778
بعهده عائدة على اسم الله في قوله « و يقولون على الله الكذب » فيكون معناه بعهد الله ، و عهد الله إلى عباده أمره و نهيه ، و يحتمل أن يكون عائدة إلى من و معناه من أوفى بعهد نفسه لأن العهد يضاف تارة إلى العاهد و تارة إلى المعهود له « و اتقى » الخيانة و نقض العهد « فإن الله يحب المتقين » معناه فإن الله يحبه إلا أنه عدل إلى ذكر المتقين ليبين الصفة التي يجب بها محبة الله و هذه صفة المؤمن فكأنه قال و الله يحب المؤمنين و لا يحب اليهود و روي عن النبي أنه قال لما قرأ هذه الآية قال كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا و هو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر و الفاجر و عنه قال ثلاث من كن فيه فهو منافق و إن صلى و صام و زعم أنه مؤمن من إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان و عنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال من اؤتمن على أمانة فأداها و لو شاء لم يؤدها زوجه الله من الحور العين ما شاء .
إِنَّ الَّذِينَ يَشترُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمَنهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئك لا خَلَقَ لَهُمْ فى الاَخِرَةِ وَ لا يُكلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنظرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَ لا يُزَكيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77)

النزول

نزلت في جماعة من أحبار اليهود أبي رافع و كنانة بن أبي الحقيق و حي بن الأخطب و كعب بن الأشرف كتموا ما في التوراة من أمر محمد و كتبوا بأيديهم غيره و حلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرياسة و ما كان لهم على أتابعهم عن عكرمة و قيل نزلت في الأشعث بن قيس و خصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله فلما نزلت الآية نكل الأشعث و اعترف بالحق و رد الأرض عن ابن جريج و قيل نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعة عن مجاهد و الشعبي .

المعنى

ثم ذكر تعالى الوعيد لهم على أفعالهم الخبيثة فقال « إن الذين يشترون بعهد الله » أي يستبدلون « بعهد الله » أي بأمر الله و ما يلزمهم الوفاء به و قيل معناه أن الذين يحصلون بنكث عهد الله و نقضه « و أيمانهم » أي و بالأيمان الكاذبة « ثمنا قليلا » أي عوضا نزرا و سماه قليلا لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب و يحصل لهم من
مجمع البيان ج : 2 ص : 779
العقاب و قيل العهد ما أوجبه الله على الإنسان من الطاعة و الكف عن المعصية و قيل هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل و الانقياد للحق « أولئك لا خلاق لهم » أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الآخرة « و لا يكلمهم الله » فيه قولان ( أحدهما ) أنه لا يكلمهم بما يسرهم بل بما يسوءهم وقت الحساب لهم عن الجبائي ( و الآخر ) أنه لا يكلمهم أصلا و تكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم بأمر الله إياهم استهانة بهم « و لا ينظر إليهم يوم القيامة » معناه لا يعطف عليهم و لا يرحمهم كما يقول القائل للغير أنظر إلي يريد ارحمني و في هذا دلالة على أن النظر إذا عدي بحرف إلى لا يفيد الرؤية لأنه لا يجوز حملها هنا على أنه لا يراهم بلا خلاف « و لا يزكيهم » أي لا يطهرهم و قيل لا ينزلهم منزلة الأزكياء عن الجبائي و قيل لا يطهرهم من دنس الذنوب و الأوزار بالمغفرة بل يعاقبهم و قيل لا يحكم بأنهم أزكياء و لا يسميهم بذلك بل يحكم بأنهم كفرة فجرة عن القاضي « و لهم عذاب أليم » مؤلم موجع و في تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال سمعت رسول الله يقول من حلف على يمين كاذبة ليقطع بها مال أخيه المسلم لقي الله تعالى و هو عليه غضبان و تلا هذه الآية و روى مسلم بن الحجاج في الصحيح بإسناده من عدة طرق عن أبي ذر الغفاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة و المنفق سلعته بالحلف الفاجر و المسبل إزاره و عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقي الله و هو عليه غضبان أورده مسلم أيضا في الصحيح .
وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَبِ لِتَحْسبُوهُ مِنَ الْكتَبِ وَ مَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ مَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ يَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الْكَذِب وَ هُمْ يَعْلَمُونَ(78)

اللغة

أصل اللي الفتل من قولك لويت يده إذا فتلتها و منه لويت الغريم لويا و ليانا إذا مطلته حقه قال الشاعر :
تطيلين لياني و أنت ملية
و أحسن يا ذات الوشاح التقاضيا
مجمع البيان ج : 2 ص : 780
و منه الحديث لي الواجد ظلم و الألسنة جمع اللسان على التذكير كحمار و أحمرة و يقال ألسن على التأنيث كعناق و أعنق و الفرق بين حسبت و زعمت أن زعمت يحتمل أن يكون يقينا و ظنا و حسبت لا يحتمل اليقين أصلا .

الإعراب

لفريقا نصب بأنه اسم أن و اللام للتأكيد دخلت على اسم أن إذا كان مؤخرا و لا يجوز إن لزيدا في الدار لئلا يجتمع حرفا تأكيد كما لا يجوز دخول التعريف على التعريف فأما قولهم جاءني القوم كلهم أجمعون فكلهم تأكيد للقوم و أجمعون تأكيد للكل .

النزول

قيل نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله من نعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و غيره و أضافوه إلى كتاب الله و قيل نزلت في اليهود و النصارى حرفوا التوراة و الإنجيل و ضربوا كتاب الله بعضه ببعض و ألحقوا به ما ليس منه و أسقطوا منه الدين الحنيف عن ابن عباس .

المعنى

« و إن منهم » أي من أهل الكتاب و هو عطف على قوله و من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار « لفريقا » أي طائفة « يلوون ألسنتهم بالكتاب » معناه يحرفون الكتاب عن جهته و يعدلون به عن القصد بألسنتهم فجعل الله تحريف الكتاب عن الجهة ليا باللسان و هذا قول مجاهد و قتادة و ابن جريج و الربيع و قيل يفسرونه بخلاف الحق « لتحسبوه من الكتاب » أي لتظنوه أيها المسلمون من كتاب الله تعالى و ما هو من الكتاب المنزل على موسى و لكنهم يخترعونه و يبتدعونه و يقولون هو من عند الله « و ما هو من عند الله » و في هذا دليل على أن المعاصي ليست من عند الله و لا من فعله لأنها لو كانت من فعله لكانت من عنده على آكد الوجوه فلم يجز إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله و كما لا يجوز أن يكون من الكتاب على وجه من الوجوه لإطلاق النفي بأنه ليست من الكتاب كله لا يجوز أن يكون من عند الله لإطلاق النفي بأنه ليس من عند الله « و يقولون على الله الكذب » في نسبتهم ذلك إلى الكتاب « و هم يعلمون » إن ذلك كذب و قيل و هم يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب .
مَا كانَ لِبَشر أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَب وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لى مِن دُونِ اللَّهِ وَ لَكِن كُونُوا رَبَّنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَب وَ بِمَا كُنتُمْ تَدْرُسونَ(79) وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا المَْلَئكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَ يَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسلِمُونَ(80)

مجمع البيان ج : 2 ص : 781

القراءة

قرأ ابن عامر و أهل الكوفة « تعلمون » بالتشديد و الباقون تعلمون و قرأ عاصم غير الأعشى و البرجمي و حمزة و ابن عامر و يعقوب « و لا يأمركم » بنصب الراء و الباقون بالرفع .

الحجة

حجة من قال « تعلمون » بالتشديد أن التعليم أبلغ في هذا الموضع لأنه إذا علم الناس و لم يعمل بعلمه كان مع استحقاق الذم بترك عمله داخلا في جملة من وبخ بقوله « أ تأمرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم » و حجة من قرأ تعلمون أن العالم الدارس قد يدرك بعلمه و درسه مما يكون داعيا إلى التمسك بعلمه و العمل به ما لا يدركه العالم المعلم في تدريسه و من قرأ يأمركم فعلى القطع من الأول أراد و لا يأمركم الله و من نصبه فعلى قوله « ما كان لبشر » أن « يأمركم أن تتخذوا » و مما يقوي الرفع ما روي في حرف ابن مسعود يأمركم فهذا يدل على الانقطاع من الأول و مما يقوي النصب ما جاء في السير أن اليهود قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يا محمد أ تريد أن نتخذك ربا فقال الله عز و جل « ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب » و لا أن يأمركم .

اللغة

البشر يقع على القليل و الكثير فهو بمنزلة المصدر مثل الخلق تقول هذا بشر و هؤلاء بشر كما تقول هذا خلق و هؤلاء خلق و إنما وقع المصدر على القليل و الكثير لأنه جنس الفعل فصار كأسماء الأجناس مثل الماء و التراب و نحوه و الرباني هو الرب يرب أمر الناس بتدبيره و إصلاحه إياه يقال رب فلان أمره ربابة و هو ربان إذا دبره و أصلحه و نظيره نعس ينعس و هو نعسان و أكثر ما يجيء فعلان من فعل يفعل فيكون العالم ربانيا لأنه بالعلم رب الأمر و يصلحه و قيل أنه مضاف إلى علم الرب و هو علم الدين الذي يأمره به إلا أنه غير في الإضافة ليدل على هذا المعنى كما قيل في الإضافة إلى البحرين بحراني و كما
مجمع البيان ج : 2 ص : 782
قيل للعظيم الرقبة رقباني و للعظيم اللحية لحياني فقيل لصاحب علم الدين الذي أمر به الرب رباني .

النزول

قيل أن أبا رافع القرضي من اليهود و رئيس وفد نجران قالا يا محمد أ تريد أن نعبدك و نتخذك إلها فقال معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني و لا بذلك أمرني فأنزل الله الآية عن ابن عباس و عطاء و قيل نزلت في نصارى نجران عن الضحاك و مقاتل و قيل أن رجلا قال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أ فلا نسجد لك قال لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله و لكن أكرموا نبيكم و اعرفوا الحق لأهله فأنزل الله الآية .

المعنى

لما تقدم ذكر أهل الكتاب و أنهم أضافوا ما يتدينون به إلى الأنبياء نزههم الله عن ذلك فقال « ما كان لبشر » يعني ما ينبغي لبشر كقوله « و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا » « و ما يكون لنا أن نتكلم بهذا » أي لا ينبغي و قيل لا يجوز معناه لبشر و لا يحل له « أن يؤتيه الله » أن يعطيه الله « الكتاب و الحكمة و النبوة » أي العلم أو الرسالة إلى الخلق « ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله » أي اعبدوني من دونه أو اعبدوني معه عن الجبائي و قيل معناه ليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله لرسالته و اجتباهم لنبوته و أنزل عليهم كتبه و جعلهم حكماء علماء أن يدعوا الناس إلى عبادتهم و إنما قال ذلك على جهة التنزيه للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن مثل هذا القول لا على وجه النهي و قوله « عبادا » هو من العبادة قال القاضي و عبيد بخلافه لأنه بمعنى العبودية و لا يمتنع أن يكونوا عبادا لغيره « و لكن كونوا ربانيين » فيه حذف أي لا ينبغي لهذا النبي أن يقول للناس اعبدوني و لكن ينبغي أن يقول لهم كونوا ربانيين و فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه كونوا علماء فقهاء عن علي و ابن عباس و الحسن ( و ثانيها ) كونوا علماء حكماء عن قتادة و السدي و ابن أبي رزين ( و ثالثها ) كونوا حكماء أتقياء عن سعيد بن جبير ( و رابعها ) كونوا مدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح عن ابن زيد ( و خامسها ) كونوا معلمين للناس من علمكم كما يقال أنفق بمالك أي أنفق من مالك عن الزجاج و روي عن النبي أنه قال ما من مؤمن و لا مؤمنة و لا حر و لا مملوك إلا و لله عليه حق واجب أن يتعلم من العلم و يتفقه فيه و قال أبو عبيدة سمعت رجلا عالما يقول الرباني العالم بالحلال و الحرام و الأمر و النهي و ما كان و ما يكون و قال أبو عبيدة لم تعرف العرب الرباني و هذا فاسد لأن القرآن نزل بلغتهم و روي عن محمد بن الحنفية أنه قال يوم مات ابن عباس مات رباني هذه الأمة و قد ذكرنا اشتقاقه قبل « بما كنتم تعلمون الكتاب »
مجمع البيان ج : 2 ص : 783
أي القرآن « و بما كنتم تدرسون » أي الفقه و من قرأ بالتشديد أراد تعلمونه لسواكم فيفيد أنهم يعلمون و يعلمون غيرهم و التخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين و دخلت الباء في قوله « بما كنتم تعلمون » لأحد ثلاثة أشياء إما أن يريد كونوا معلمي الناس بعلمكم كما يقال أنفقوهم بمالكم أو يريد كونوا ربانيين في علمكم و دراستكم و وقعت الباء موقع في أو يريد كونوا ممن يستحق أن يطلق له صفة عالم بعلمه على جهة المدح بأن تعملوا بما علمتم و ذلك أن الإنسان إنما يستحق الوصف بأنه عالم إذا عمل بعلمه و يدل عليه قوله « إنما يخشى الله من عباده العلماء » « و لا يأمركم » أي و لا يأمركم الله عن الزجاج و قيل و لا يأمركم محمد عن ابن جريج و قيل و لا يأمركم عيسى و من نصب الراء عطفه على « أن يؤتيه الله » فمعناه و لا كان لهذا النبي أن يأمركم « أن تتخذوا الملائكة و النبيين أربابا » أي آلهة كما فعله الصابئون و النصارى « أ يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون » ألف إنكار أصله الاستفهام و إنما استعمل في الإنكار لأنه مما لو أقر به المخاطب لظهرت فضيحته فلذلك جاء على السؤال و إن لم يكن الغرض تعرف الجواب و معناه أن الله تعالى إنما يبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليدعو الناس إلى الإيمان فلا يبعث من يدعو المسلمين إلى الكفر .
وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا ءَاتَيْتُكم مِّن كتَب وَ حِكْمَة ثُمَّ جَاءَكمْ رَسولٌ مُّصدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنصرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلى ذَلِكُمْ إِصرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشهَدُوا وَ أَنَا مَعَكُم مِّنَ الشهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلى بَعْدَ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الْفَسِقُونَ(82)

القراءة

قرأ حمزة وحده لما آتيتكم بكسر اللام و الباقون بفتحها و قرأ نافع آتيناكم على الجمع و الباقون « آتيتكم » على التوحيد .

الحجة

الوجه في قراءة حمزة لما آتيتكم بكسر اللام أنه يتعلق بالأخذ كان المعنى أخذ ميثاقهم لهذا و يكون ما على هذا موصولة و العائد إلى الموصول من الجملة المعطوفة على صلته و هي قوله « جاءكم رسول مصدق لما معكم » مظهر بمنزلة المضمر و هي
مجمع البيان ج : 2 ص : 784
قوله « ما معكم » لأنه بمنزلة ما أوتوه من الكتاب و الحكمة فهذا يكون مثل قوله « إنه من يتق و يصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين » لأنه في معنى لا يضيع أجرهم و يجوز أن يكون ما على هذه القراءة حرفا فيكون بمعنى المصدر قال أبو علي و من فتح اللام فقال « لما آتيتكم » فإن ما فيه يحتمل تأويلين ( أحدهما ) أن يكون موصولة ( و الآخر ) أن يكون للجزاء فمن قدر ما موصولة فالقول فيما يقتضيه قوله « ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم » من الراجع إلى الموصول ما تقدم ذكره في قراءة حمزة و أما الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى فالضمير المحذوف من الصلة تقديره لما آتيتكموه و اللام في لما فيمن قدر ما موصولة لام ابتداء و هي المتلقية لما أجري مجرى القسم من قوله « و إذ أخذ الله ميثاق النبيين » و موضع ما رفع بالابتداء و الخبر « لتؤمنن به » و لتؤمنن متعلق بقسم محذوف و المعنى و الله لتؤمنن به و الذكر الذي في به يعود إلى الذي آتيتكموه الذي هو المبتدأ و نحوه قولك لعبد الله و الله لتأتينه و الذكر الذي في لتنصرنه يعود إلى رسول الله المتقدم ذكره و إذا قدرت ما للجزاء كانت ما في موضع نصب بأتيتكم و آتيتكم في موضع جزم بالشرط و جاءكم في موضع جزم بالعطف على آتيتكم و اللام الداخلة على ما لا يكون المتلقية للقسم و لكن يكون بمنزلة اللام في لئن لم ينته المنافقون و المتلقية قوله « لتؤمنن به » كما أنها في قوله « لئن لم ينته المنافقون » قوله « لنغرينك بهم » و هذه اللام الداخلة على أن لا يعتمد القسم عليها فلذلك جاز حذفها تارة و إثباتها تارة كما قال « و إن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا » فيلحق هذه اللام إن مرة و لا تلحق أخرى كما أن كذلك في قوله و الله أن لو فعلت لفعلت و و الله لو فعلت لفعلت .

المعنى

لما تقدم ذكر النبيين عقبه سبحانه بذكر نبينا و ما أخذ من عهده عليهم أجمعين فقال « و إذ أخذ الله ميثاق النبيين » العامل في إذ محذوف و تقديره و اذكر إذ أخذ الله و قيل هو عطف على ما تقدم من قوله « إذ قالت الملائكة » و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و ابن عباس و قتادة أن الله أخذ الميثاق على الأنبياء قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن يخبروا أممهم بمبعثه و نعته و يبشروهم به و يأمروهم بتصديقه و قال طاووس أخذ الله الميثاق على الأنبياء (عليهم السلام) على الأول و الآخر فأخذ الله ميثاق الأول لتأمنن بما جاء به الآخر و قال الصادق تقديره و إذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين بتصديق نبيها و العمل بما جاءهم به و أنهم خالفوهم فيما بعد و ما وفوا به و تركوا كثيرا من شريعته و حرفوا كثيرا منها و قوله « لما آتيتكم » بفتح اللام إذا كانت ما موصولة فتقديره للذي آتيتكموه أي أعطيتكموه « من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول » أي نبي و قيل يعني محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) « مصدق لما معكم » أي لما آتيتكم من الكتب
مجمع البيان ج : 2 ص : 785
« لتؤمنن به » أي لتؤمنن بالرسول و لتنصرنه أو يريد لتؤمنن بالذي آتيتكموه و لتنصرن الرسول و على هذا يكون المعنى أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء ليصدق بعضهم بعضا و يأمر بعضهم بالإيمان ببعض و يكون النصرة بالتصديق و الحجة و هو المروي عن الحسن و سعيد بن جبير و طاووس و إذا كانت ما للجزاء فتقديره أي شيء آتيتكم و مهما آتيتكم من كتاب لتؤمنن فالشرط إيتاؤه إياهم الكتاب و الحكمة و مجيء الرسول و الجزاء القسم و المقسم عليه و هو قوله « لتؤمنن به » فأغنى جواب القسم عن الجزاء كقوله لئن أشركت ليحبطن عملك و قوله « من كتاب » من هذه للتبيين لما نحو قولك ما عندك من ورق و عين و هذا خاتم من فضة و يكون على هذا تقديره أن الله تعالى قال لهم مهما أوتيكم كتابا و حكمة ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب و الحكمة و الله لتؤمنن به و لتنصرنه فأقروا بذلك و أعطوا عليه مواثيقهم و هذا أشبه بما ذكر أن الميثاق أخذ على الأنبياء ليأخذوا على أممهم بتصديق محمد إذا بعث و يأمروهم بنصرته على أعدائه إن أدركوه و هو المروي عن علي و ابن عباس و قتادة و السدي و اختاره أبو علي الجبائي و أبو مسلم و يكون معنى قوله « جاءكم » جاء أممكم و أتباعكم و إنما خرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم و من قرأ لما آتيتكم بكسر اللام فالمعنى أخذ الله ميثاقهم لما أوتوه أي لأجل ما أوتوه من الكتاب و الحكمة و لأنهم الأفاضل و خيار الناس و يكون اللام للتعليل فيقتضي أن يكون الإيتاء سابقا لأخذ الميثاق و قوله « لتؤمنن » متعلق بأخذ الميثاق و هو في الحاصل راجع إلى معنى الشرط و الجزاء و قوله « و لتنصرنه » أي البشارة للأمم به قال أي قال الله لأنبيائه « أ أقررتم به » و صدقتموه « و أخذتم على ذلكم إصري » معناه و قبلتم على ذلكم عهدي و نظيره إن أوتيتم هذا فخذوه و قيل معناه و أخذتم العهد بذلك على أممكم « قالوا » أي قال الأنبياء و أممهم « أقررنا » بما أمرتنا بالإقرار به « قال » الله « فاشهدوا » بذلك على أممكم « و أنا معكم من الشاهدين » عليكم و على أممكم عن علي و قيل فاشهدوا أي فاعلموا ذلك أنا معكم أعلم عن ابن عباس و قيل معناه ليشهد بعضكم على بعض و قيل قال الله للملائكة اشهدوا عليهم فيكون ذلك كناية عن غير مذكور عن سعيد بن المسيب و هذه الآية من مشكلات آيات القرآن و قد غاص النحويون في وجوه إعرابها و تحقيقها و شقوا الشعر في تدقيقها و لا تراها في موضع أوجز لفظا و أكثر فائدة و أشد تهذيبا مما ذكرته هنا و بالله التوفيق « فمن تولى بعد ذلك » أي فمن أعرض عن الإيمان بمحمد بعد هذه الدلالات و الحجج و بعد أخذ الميثاق على النبيين الذين سبق ذكرهم و المقصود بهذه الأمم دون النبيين لأنه قد مضى أزمانهم و جاز ذلك لأن أخذ الميثاق على
مجمع البيان ج : 2 ص : 786
النبيين يتضمن الأخذ على أممهم و قد روي عن علي (عليه السلام) أنه قال لم يبعث الله نبيا آدم و من بعده إلا أخذ عليه العهد لئن بعث الله محمدا و هو حي ليؤمنن به و لينصرنه و أمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه « فأولئك هم الفاسقون » و لم يقل الكافرون لأن المراد الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتب الكفر بتمردهم و ذلك أن أصل الفسق الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه و في الكفر ما هو أكبر كما أن فيما دون الكفر من المعاصي ما هو أكبر و ما هو أصغر بالإضافة إليه .
أَ فَغَيرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسلَمَ مَن فى السمَوَتِ وَ الأَرْضِ طوْعاً وَ كرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83) قُلْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَ مَا أُنزِلَ عَلى إِبْرَهِيمَ وَ إِسمَعِيلَ وَ إِسحَقَ وَ يَعْقُوب وَ الأَسبَاطِ وَ مَا أُوتىَ مُوسى وَ عِيسى وَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَد مِّنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسلِمُونَ(84) وَ مَن يَبْتَغ غَيرَ الاسلَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فى الاَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ(85)

القراءة

قرأ أبو عمرو « يبغون » بالياء و إليه ترجعون بالتاء مضمومة و قرأ بالياء فيهما ابن عباس و حفص و يعقوب و سهل و الباقون بالتاء فيهما جميعا .

الحجة

من قرأ بالتاء فيهما فلأن أول الآية خطاب للنبي و من قرأ بالياء فعلى تقدير قل لهم « أ فغير دين الله يبغون » فجاء على لفظ الغيبة لأنهم غيب و قد تقدم القول في يرجعون و ترجعون .

الإعراب

« أ فغير دين الله يبغون » عطف جملة على جملة كما لو قيل أ و غير دين الله يبغون إلا أن الفاء رتبت فكأنه قيل أ بعد تلك الآيات غير دين الله يبغون و طوعا و كرها مصدران وقعا موقع الحال و تقديره طائعين و كارهين كما يقال أتاني ركضا أي راكضا و لا
مجمع البيان ج : 2 ص : 787
يجوز أن تقول أتاني كلاما أي متكلما لأن الكلام ليس بضرب من الإتيان و الركض ضرب منه .

النزول

عن ابن عباس قال اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم كل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم فغضبوا و قالوا و الله ما نرضى بقضائك و لا نأخذ بدينك فأنزل الله « أ فغير دين الله يبغون » .

المعنى

لما بين سبحانه بطلان اليهودية و سائر الملل غير الإسلام بين عقيبه أن من يبتغ غير دينه فهو ضال لا يجوز القبول منه فقال « أ فغير دين الله يبغون » أي أ فبعد هذه الآيات و الحجج يطلبون دينا غير دين الله « و له أسلم من في السماوات و الأرض طوعا و كرها » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه أسلم من في السماوات و الأرض بحاله الناطقة عنه الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليه عن ابن عباس ( و ثانيها ) أسلم أي أقر بالعبودية و إن كان فيهم من أشرك بالعبادة كقوله تعالى « و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله » و معناه ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الإقرار له بالربوبية ليتنبهوا على ما فيه من الدلالة عن مجاهد و أبي العالية ( و ثالثها ) أسلم المؤمن طوعا و الكافر كرها عند موته كقوله « فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا » عن قتادة و اختاره البلخي و معناه التخفيف لهم من التأخر عما هذه سبيله ( و رابعها ) أن معناه استسلم له بالانقياد و الذكر كقوله « قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا » أي استسلمنا عن الشعبي و الجبائي و الزجاج ( و خامسها ) أن معناه أكره أقوام على الإسلام و جاء أقوام طائعين عن الحسن و هو المروي عن أبي عبد الله قال كرها أي فرقا من السيف و قال الحسن و المفضل الطوع لأهل السماوات خاصة و أما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا و منهم من أسلم كرها « و إليه ترجعون » أي إلى جزائه تصيرون فبادروا إلى دينه و لا تخالفوا الإسلام « قل آمنا بالله » خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أمر له بأن يقول عن نفسه و عن أمته « آمنا بالله » « و ما أنزل علينا » الآية كما يخاطب رئيس قوم بأن يقول عن نفسه و عن رعيته و قد سبق معنى الآية في سورة البقرة فإن قيل ما معنى قوله « و نحن له مسلمون » بعد ما سبق من الإقرار بالإيمان على التفصيل قلنا معناه و نحن له مسلمون بالطاعة و الانقياد في جميع ما أمر به و نهي عنه و أيضا فإن أهل الملل المخالفة للإسلام كانوا يقرون كلهم بالإيمان و لكن
مجمع البيان ج : 2 ص : 788
لم يقروا بلفظ الإسلام فلهذا قال « و نحن له مسلمون » « و من يبتغ غير الإسلام » أي يطلب « دينا » يدين به « فلم يقبل منه » بل يعاقب عليه و يدل عليه قوله « و هو في الآخرة من الخاسرين » أي من الهالكين لأن الخسران ذهاب رأس المال و في هذه الآية دلالة على أن من ابتغى الإسلام دينا يقبل منه فدل ذلك على أن الدين و الإسلام و الإيمان واحد و هي عبارات من معبر واحد .
كَيْف يَهْدِى اللَّهُ قَوْماً كفَرُوا بَعْدَ إِيمَنهِمْ وَ شهِدُوا أَنَّ الرَّسولَ حَقُّ وَ جَاءَهُمُ الْبَيِّنَت وَ اللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(86) أُولَئك جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَ الْمَلَئكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ(87) خَلِدِينَ فِيهَا لا يخَفَّف عَنْهُمُ الْعَذَاب وَ لا هُمْ يُنظرُونَ(88) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِك وَ أَصلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(89)


اللغة


الخلود في اللغة طول المكث و لذلك يقال خلد فلان في السجن و قيل للأتافي خوالد ما دامت في مواضعها و إذا زالت لا يسمى خوالد و الفرق بين الخلود و الدوام أن الخلود يقتضي طول المكث في نحو قولك خلد فلان في الحبس و لا يقتضي ذلك الدوام و لذلك وصف سبحانه بالدوام دون الخلود إلا أن خلود الكفار المراد به التأبيد بلا خلاف بين الأمة و الإنظار التأخير للعبد لينظر في أمره و الفرق بينه و بين الإمهال أن الإمهال هو تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله .

الإعراب

كيف أصله الاستفهام و المراد به هنا الإنكار لأنه لا تقع هذه الهداية من الله أي لا يهديهم الله كقوله كيف يكون للمشركين عهد عند الله و عند رسوله أي لا يكون قال الشاعر :
كيف نوما على الفراش و لما
يشمل الشام غارة شعواء
مجمع البيان ج : 2 ص : 789
و إنما دخله معنى الإنكار مع أن أصله الاستفهام لأن المسئول يسأل عن أغراض مختلفة فقد يسأل للتعجيز عن إقامة البرهان و قد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال و قد يسأل لما يظهر فيه من الإنكار و إنما عطف قوله « شهدوا » و هو فعل على إيمانهم و هو اسم لأن الإيمان مصدر و المراد به الفعل و التقدير بعد أن آمنوا و شهدوا و أجمعين تأكيد للناس و دخلت الفاء في قوله « فإن الله غفور رحيم » لأنه يشبه الجزاء إذ كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا فإن الله يغفر لهم و لا يجوز أن يكون في موضع خبر الذين لأن الذين في موضع نصب بالاستثناء من الجملة التي هي قوله « أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله » و لا يحمل على المنقطع مع حسن الاتصال لأنه الأصل في الكلام و الأسبق إلى الأفهام .

النزول

قيل نزلت الآيات في رجل من الأنصار يقال له حارث بن سويد بن الصامت و كان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا و هرب و ارتد عن الإسلام و لحق بمكة ثم ندم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) هل لي من توبة فسألوا فنزلت الآية إلى قوله « إلا الذين تابوا » فحملها إليه رجل من قومه فقال إني لأعلم أنك لصدوق و رسول الله أصدق منك و أن الله أصدق الثلاثة و رجع إلى المدينة و تاب و حسن إسلامه عن مجاهد و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قبل مبعثه ثم كفروا بعد البعثة حسدا و بغيا عن الحسن و الجبائي و أبي مسلم .

المعنى

لما بين تعالى أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة بين حال من خالفه فقال « كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم » فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم و الثناء عليهم و قد كفروا بعد إيمانهم - ( و ثانيها ) أنه على طريق التبعيد كما يقال كيف أهديك إلى الطريق و قد تركته أي لا طريق يهديهم به إلى الإيمان إلا من الوجه الذي هداهم به و قد تركوه و لا طريق غيره - ( و ثالثها ) أن المراد كيف يهديهم الله إلى الجنة و يثيبهم و الحال هذه و قوله « و شهدوا أن الرسول حق » عطف على قوله « بعد إيمانهم » دون قوله « كفروا » و تقديره بعد أن آمنوا و شهدوا أن الرسول حق « و جاءهم البينات » أي البراهين و الحجج و قيل القرآن و قيل جاءهم ما في كتبهم من البشارة لمحمد « و الله لا يهدي القوم الظالمين » أي لا يسلك بالقوم الظالمين مسلك المهتدين و لا يثيبهم و لا يهديهم إلى طريق الجنة لأن المراد الهداية المختصة
مجمع البيان ج : 2 ص : 790
بالمهتدين دون الهداية العامة المرادة في قوله « و أما ثمود فهديناهم » و المراد بالإيمان هاهنا إظهار الإيمان دون الإيمان الذي يستحق به الثواب و ليس في الآية ما يدل على أنهم قد كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين الثواب فزال ذلك بالكفر فلا متعلق للمخالف به « أولئك جزاؤهم » على أعمالهم « إن عليهم لعنة الله » و هي إبعاده إياهم من رحمته و مغفرته « و الملائكة و الناس أجمعين » و هي دعاؤهم عليهم باللعنة و بأن يبعدهم الله من رحمته « خالدين فيها » أي في اللعنة لخلودهم فيما استحقوا باللعنة و هو العذاب « و لا يخفف عنهم العذاب » و لا يسهل عليهم « و لا هم ينظرون » أي و لا يمهلون للتوبة و لا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر و إنما نفى إنظارهم للتوبة و الإنابة لما علم من حالهم أنهم لا ينيبون و لا يتوبون كما قال و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه على أن التبقية ليست بواجبة و إن علم أنه لو أبقاه لتاب و أناب عند أكثر المتكلمين « إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا » أي تابوا من الكفر و رجعوا إلى الإيمان و أصلحوا ضمائرهم و عزموا على أن يثبتوا على الإسلام و هذا أحسن من قول من قال و أصلحوا أعمالهم بعد التوبة و صلوا و صاموا فإن ذلك ليس بشرط في صحة التوبة إذ لو مات قبل فعل الصالحات مات مؤمنا بالإجماع « فإن الله غفور » يغفر ذنوبهم « رحيم » يوجب الجنة لهم و ذكر المغفرة دليل على أن إسقاط العقاب بالتوبة تفضل منه سبحانه و أن ما لا يجوز المؤاخذة به أصلا لا يجوز تعليقه بالمغفرة و إن ما يعلق بالمغفرة ما يكون له المؤاخذة به .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَنِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَ أُولَئك هُمُ الضالُّونَ(90)

النزول


قيل نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قبل مبعثه ثم كفروا به بعد مبعثه عن الحسن و قيل نزلت في اليهود كفروا بعيسى و الإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم و كتبهم ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد و القرآن عن قتادة و عطاء و قيل نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد لما رجع الحرث قالوا نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا فينزل فينا ما نزل في الحرث فلما افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته فنزل فيمن مات منهم كافرا « إن الذين كفروا و ماتوا و هم كفار » الآية .

المعنى

لما تقدم ذكر التوبة المقبولة عقبه الله بما لا يقبل منها فقال « إن الذين
مجمع البيان ج : 2 ص : 791
كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا » قد ذكرنا الاختلاف في سبب نزوله و على ذلك يدور معناه و قيل كلما نزلت آية كفروا بها فازدادوا كفرا إلى كفرهم « لن تقبل توبتهم » لأنها لم تقع على وجه الإخلاص و يدل عليه قوله « و أولئك هم الضالون » و لو حققوا في التوبة لكانوا مهتدين و قيل لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس لأنها تكون في حال الإلجاء و معناه أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت و المعاينة عن الحسن و قتادة و الجبائي و قيل لأنها أظهرت الإسلام تورية فأطلع الله تعالى رسوله على سرائرهم عن ابن عباس و قد دل السمع على وجوب قبول التوبة إذا حصلت شرائطها و عليه إجماع الأمة « و أولئك هم الضالون » عن الحق و الصواب و قيل الهالكون المعذبون .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ مَاتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَ مَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ(91)

اللغة

الملء أصله الملأ و هو تطفيح الإناء و منه الملأ الأشراف لأنهم يملئون العين هيبة و جلالة و منه رجل مليء بالأمر و هو أملأ به من غيره فالملء اسم للمقدار الذي يملأ و الملؤ المصدر و الفدية البدل من الشيء في إزالة الأذية و منه فداء الأسير لأنه بدل منه في إزالة القتل و الأسر عنه إذا كسر مد و إذا فتح قصر تقول فدى لك أو فداء لك و يجوز قصر هذا الممدود للضرورة و الافتداء افتعال من الفدية .

الإعراب

ذهبا منصوب على التمييز و إنما استحق النصب لاشتغال العامل بالإضافة أو ما عاقبها من النون الزائدة فجرى ذلك مجرى الحال في اشتغال العامل بصاحبها و مجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل و قوله « و لو افتدى به » قال الفراء هذه الواو زائدة و غلطه الزجاج لأن الكلام إذا أمكن حمله على فائدة يحمل عليها و لا يحمل على الزيادة و قال إذا دخلت الواو في مثل هذا كان أبلغ في التأكيد كقولك لا آتيك و إن أعطيتني لأنها دخلت لتفصيل نفي القبول بعد الإجمال و لو جعلنا الواو زائدة لأوهم ذلك أنه لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا في الافتداء و يقبل في غيره .

المعنى

« إن الذين كفروا و ماتوا و هم كفار » أي على كفرهم « فلن يقبل من
مجمع البيان ج : 2 ص : 792
أحدهم ملء الأرض ذهبا » أي مقدار ما يملأ الأرض من الذهب « و لو افتدى به » بذله عوضا و معناه أن الكافر الذي يعتقد الكفر و إن أظهر الإيمان لا ينفعه الإنفاق بمعنى أنه لا يوجب له الثواب و قيل معناه أنه لا يقبل منه في الآخرة لو وجد إليه السبيل قال قتادة يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أ رأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا لكنت تفتدي به فيقول نعم فيقال له لقد سألت أيسر من ذلك فلم تفعل و رواه أيضا أنس عن النبي « أولئك لهم عذاب أليم و ما لهم من ناصرين » قد ذكرنا معناه .
لَن تَنَالُوا الْبرَّ حَتى تُنفِقُوا مِمَّا تحِبُّونَ وَ مَا تُنفِقُوا مِن شىْء فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(92)

اللغة

البر أصله من السعة و منه البر خلاف البحر و الفرق بين البر و الخير أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك و الخير يكون خيرا و إن وقع عن سهو و ضد البر العقوق و ضد الخير الشر .

المعنى

« لن تنالوا البر » أي لن تدركوا بر الله تعالى بأهل طاعته و اختلف في البر هنا فقيل هو الجنة عن ابن عباس و مجاهد و قيل هو الطاعة و التقوى عن مقاتل و عطاء و قيل معناه لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء عن الحسن « حتى تنفقوا مما تحبون » أي حتى تنفقوا المال و إنما كني بهذا اللفظ عن المال لأن جميع الناس يحبون المال و قيل معناه ما تحبون من نفائس أموالكم دون أرذالها كقوله تعالى : « و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون » و قيل هو الزكاة الواجبة و ما فرضه الله في الأموال عن ابن عباس و الحسن و قيل هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات عن مجاهد و جماعة و قد روي عن أبي الطفيل قال اشترى علي (عليه السلام) ثوبا فأعجبه فتصدق به و قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقول من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة بالجنة و من أحب شيئا فجعله لله قال الله تعالى يوم القيامة قد كان العباد يكافئون فيما بينهم بالمعروف و أنا أكافيك اليوم بالجنة و روي أن أبا طلحة قسم حائطا له في أقاربه عند نزول هذه الآية و كان أحب أمواله إليه فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بخ بخ ذلك مال رابح لك و جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال هذه في سبيل الله
مجمع البيان ج : 2 ص : 793
فحمل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أسامة بن زيد فكأن زيدا وجد في نفسه و قال إنما أردت أن أتصدق به فقال رسول الله أما إن الله قد قبلها منك و أعتق ابن عمر جارية كان يحبها و تلا هذه الآية و قال لو لا أني لا أعود في شيء جعلته لله تعالى لنكحتها و أضاف أبو ذر الغفاري ضيفا فقال للضيف إني مشغول و إن لي إبلا فاخرج و أتني بخيرها فذهب فجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر خنتني بهذه فقال وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتكم إليه فقال أبو ذر إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أن الله يقول « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و قال أبو ذر في المال ثلاثة شركاء القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت و الوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها و أنت ذميم و أنت الثالث فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن إن الله يقول « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و إن هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي و قال بعضهم دلهم بهذه الآية على الفتوة فقال « لن تنالوا البر » أي بري بكم إلا ببركم بإخوانكم و الإنفاق عليهم من مالكم و جاهكم و ما تحبون فإذا فعلتم ذلك نالكم بري و عطفي « و ما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم » جاء بالفاء على جواب الشرط و إن كان الله يعلم ذلك على كل حال و فيه وجهان ( أحدهما ) أن تقديره و ما تنفقوا من شيء فإن الله يجازيكم به قل أو كثر لأنه عليم لا يخفى عليه شيء منه ( و الآخر ) أن تقديره فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها فإن قيل كيف قال سبحانه « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و الفقير ينال الجنة و إن لم ينفق قيل الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق و هو مقيد بالإمكان و إنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب و الأولى أن يكون المراد لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه حتى تنفقوا مما تحبون و روي عن ابن عمر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن هذه الآية فقال هو أن ينفق العبد المال و هو شحيح يأمل الدنيا و يخاف الفقر .

النظم

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الآية الأولى « لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا » وصل ذلك بقوله « لن تنالوا البر حتى تنفقوا » لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة و ما جرى مجراها من وجوه الطاعة .

مجمع البيان ج : 2 ص : 794
* كلُّ الطعَامِ كانَ حِلاًّ لِّبَنى إِسرءِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسرءِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صدِقِينَ(93) فَمَنِ افْترَى عَلى اللَّهِ الكَذِب مِن بَعْدِ ذَلِك فَأُولَئك هُمُ الظلِمُونَ(94)

اللغة

الافتراء اقتراف الكذب و أصله قطع ما قدر من الأديم يفريه فريا إذا قطعه و على للاستعلاء و معناه هنا إضافة الكذب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من جهة أنه أمر بما لم يأمر به الله و أوجب ما لم يوجبه الله و فرق بين من كذب عليه و كذب له لأن من كذب عليه يفيد أنه كذب فيما يكرهه و كذب له يجوز أن يكون فيما يريده .

النزول

أنكر اليهود تحليل النبي لحوم الإبل فقال كل ذلك كان حلا لإبراهيم فقالت اليهود كل شيء تحرمه فإنه محرم على نوح و إبراهيم و هلم جرا حتى انتهى إلينا فنزلت الآية عن الكلبي و أبي روق .

المعنى

« كل الطعام » أي كل المأكولات « كان حلا » أي كان حلالا « لبني إسرائيل » و إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم « إلا ما حرم إسرائيل » أي يعقوب « على نفسه » اختلفوا في ذلك الطعام فقيل أن يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النساء فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق و لحم الإبل و هو أحب الطعام إليه عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و قيل حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى و سأل الله أن يجيز له فحرم الله ذلك على ولده عن الحسن و قيل حرم زائدتي الكبد و الكليتين و الشحم إلا ما حملته الظهور عن عكرمة و اختلف في أنه كيف حرمه على نفسه فقيل بالاجتهاد و قيل بالنذر و قيل بنص ورد عليه و قيل حرمه كما يحرم المستظهر في دينه من الزهاد اللذة على نفسه « من قبل أن تنزل التوراة » معناه أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل قبل أن تنزل التوراة على موسى فإنها تضمنت تحريم بعض ما كان حلالا لبني إسرائيل و اختلفوا فيما حرم عليهم و حالها بعد نزول التوراة فقيل أنه حرم عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب (عليه السلام) عن السدي و قيل لم يحرم الله عليهم في التوراة و إنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم و كفرهم و كانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا و صب عليهم رجزا و هو الموت و ذلك قوله « فبظلم من
مجمع البيان ج : 2 ص : 795
الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم » عن الكلبي و قيل لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم في التوراة و إنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم و أضافوا تحريمه إلى الله تعالى عن الضحاك فكذبهم الله و قال « قل » يا محمد « فأتوا بالتوراة فاتلوها » حتى يتبين أنه كما قلت لا كما قلتم « إن كنتم صادقين » في دعواكم فاحتج عليهم بالتوراة و أمرهم بالإتيان بها و إن لم يقرءوا ما فيها فإن كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء و إنما حرمها إسرائيل فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و بكذبهم و كان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إذ علم بأن في التوراة ما يدل على كذبهم من غير تعلم التوراة و قراءتها « فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك » أي فمن افترى الكذب على الله تعالى من بعد قيام الحجة و ظهور البينة « فأولئك » هم المفترون على الله الكذب و « هم الظالمون » لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم و إنما قال « من بعد ذلك » مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله على كل حال لأنه أراد بيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه و من كذب فيما ليس بمحجوج فيه جرى مجرى الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه .

النظم

و وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنها تفصيل للجملة المتقدمة فإنه ذكر الترغيب في الإنفاق من المحبوب و الطعام مما يجب فرغب فيه و ذكر حكمه عن علي بن عيسى و قيل أنه لما تقدم محاجتهم في ملة إبراهيم و كان فيما أنكروا على نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) تحليل لحم الجزور و ادعوا تحريمه على إبراهيم (عليه السلام) و أن ذلك مذكور في التوراة فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم .
قُلْ صدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاً وَ مَا كانَ مِنَ المُْشرِكِينَ(95)

اللغة

الاتباع لحاق الثاني بالأول لما له به من التعلق فالقوة للأول و الثاني يستمد منه و التابع ثان متدبر بتدبير الأول متصرف بتصريفه في نفسه و أصل الحنيف الاستقامة و إنما وصف المائل القدم بأحنف تفاؤلا و قيل أصله الميل فالحنيف هو المائل إلى الحق فيما كان عليه إبراهيم من الشرع .

المعنى

ثم بين تعالى أن الصدق فيما أخبر به فقال « قل صدق الله » في أن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه و في أن محمدا (صلى الله عليهوآلهوسلّم) على دين
مجمع البيان ج : 2 ص : 796
إبراهيم و أن دينه الإسلام « فاتبعوا ملة إبراهيم » في استباحة لحوم الإبل و ألبانها « حنيفا » أي مستقيما على الدين الذي هو شريعته في حجة و نسكه و طيب مأكله و تلك الشريعة هي الحنيفية و قيل مائلا عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحق « و ما كان من المشركين » برأ الله تعالى إبراهيم مما كان ينسبه اليهود و النصارى إليه بزعمهم أنهم على دينه و كذلك مشركو العرب و أخبر أن إبراهيم كان بريئا من المشركين و دينهم و الصحيح أن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم من الأنبياء و لكن وافقت شريعته شريعة إبراهيم فلذلك قال « فاتبعوا ملة إبراهيم » و إلا فالله تعالى هو الذي أوحى بها إليه و أوجبها عليه و كانت شريعة له و إنما رغب الله في شريعة الإسلام بأنها ملة إبراهيم لأن المصالح إذا وافقت ما تسكن إليه النفس و يقبله العقل بغير كلفة كانت أحق بالرغبة فيها و كان المشركون يميلون إلى اتباع ملة إبراهيم (عليه السلام) فلذلك خوطبوا بذلك .
إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَ هُدًى لِّلْعَلَمِينَ(96) فِيهِ ءَايَت بَيِّنَتٌ مَّقَامُ إِبْرَهِيمَ وَ مَن دَخَلَهُ كانَ ءَامِناً وَ للَّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ استَطاعَ إِلَيْهِ سبِيلاً وَ مَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ(97)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر و أبي جعفر « حج البيت » بكسر الحاء و الباقون بفتحها .

الحجة

قال سيبويه حج حجا مثل ذكر ذكرا فحج على هذا مصدر فهذا حجة لمن كسر الحاء و قال أبو زيد الحجج السنون واحدتها حجة قال أبو علي يدل على ذلك قوله ثماني حجج قال الحجة من حج البيت الواحدة قال سيبويه قالوا حجة أرادوا عمل سنة و لم يجيئوا بها على الأصل و لكنه اسم له فقوله لم يجيئوا بها على الأصل أراد أنه للدفعة من الفعل و لكن كسروه فجعلوه اسما لهذا المعنى كما قالوا غزاة لعمل وجه واحد و لم يجيء فيه الغزوة و كان القياس .

اللغة

أول الشيء ابتداؤه و يجوز أن يكون المبتدأ له آخر و يجوز أن لا يكون آخر
مجمع البيان ج : 2 ص : 797
له لأن الواحد أول العدد و لا نهاية لآخره و نعيم أهل الجنة له أول و لا نهاية له و أصل بكة البك و هو الزحم يقال بكة يبكه بكا إذا زحمه و يباك الناس إذا ازدحموا فبكة مزدحم الناس للطواف و هو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام و قيل سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم و لم يمهلوا و البك دق العنق و أما مكة فيجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة و إبدال الميم من الباء كقوله ( ضربة لازب و لازم ) و يجوز أن يكون من قولهم أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة إذا مص مصا شديدا حتى لا يبقى منه شيء و مك المشاش مكا إذا تمشش بفيه فسميت مكة بذلك لقلة مائها و أصل البركة الثبوت من قولهم برك بروكا أو بركا إذا ثبت على حاله فالبركة ثبوت الخير بنموه و منه البركة شبه الحوض يمسك الماء لثبوته فيه و منه قول الناس تبارك الله لثبوته لم يزل و لا يزال وحده .

الإعراب

قوله تعالى « مباركا » نصب على الحال بالظرف من ببكة على معنى الذي استقر ببكة مباركا و يجوز أن يكون من الضمير في وضع كأنه قيل وضع مباركا و على هذا يجوز أن يكون قد وضع قبله بيت و لا يجوز في التقدير الأول و أما رفع مقام إبراهيم فلأنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره هي مقام إبراهيم عن الأخفش و قيل هو بدل من آيات عن أبي مسلم و « من استطاع إليه سبيلا » في موضع جر بدلا من الناس و هو بدل البعض من الكل .

النزول

قال مجاهد تفاخر المسلمون و اليهود فقالت اليهود بيت المقدس أفضل و أعظم من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء و الأرض المقدسة و قال المسلمون بل الكعبة أفضل فأنزل الله تعالى « إن أول بيت » .

المعنى

« إن أول بيت وضع للناس » أي بني للناس و لم يكن قبله بيت مبني و إنما دحيت الأرض من تحتها و هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الله تعالى السماء و الأرض من تحتها و هو خلقة الله قبل الأرض بألفي عام و كانت زبدة بيضاء على الماء عن مجاهد و قتادة و السدي و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال أنها كانت مهاة بيضاء يعني درة بيضاء و روى أبو خديجة عنه (عليه السلام) قال إن الله أنزله لآدم من الجنة و كان درة بيضاء فرفعه الله تعالى إلى السماء و بقي رأسه و هو بحيال هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون إليه أبدا فأمر الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) و إسماعيل (عليه السلام) ببنيان البيت على القواعد و قيل معناه إن أول بيت وضع للعبادة و لم يكن قبله بيت يحج إليه البيت الحرام و قد كانت قبله بيوت كثيرة و لكنه أول بيت مبارك و هدى وضع للناس عن علي (عليه السلام) )
مجمع البيان ج : 2 ص : 798
و الحسن و قيل أول بيت رغب فيه و طلب منه البركة مكة عن الضحاك و روى أصحابنا أن أول شيء خلقه الله من الأرض موضع الكعبة ثم دحيت الأرض من تحتها و روى أبو ذر أنه سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن أول مسجد وضع للناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس « للذي ببكة » قيل بكة المسجد و مكة الحرام كله يدخل فيه البيوت عن الزهري و ضمرة بن ربيعة و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قيل بكة بطن مكة عن أبي عبيدة و قيل بكة موضع البيت و المطاف و مكة اسم البلدة و عليه الأكثر و قيل بكة هي مكة و العرب تبدل الباء ميما مثل سبد رأسه و سمده عن مجاهد و الضحاك « مباركا » يعني كثير الخير و البركة و قيل مباركا لثبوت العبادة فيه دائما حتى يحكى على أن الطواف به لا ينقطع أبدا و قيل لأنه يضاعف فيه ثواب العبادة عن ابن عباس و رووا فيه حديثا طويلا و قيل لأنه يغفر فيه الذنوب و يجوز حمله على الجميع إذ لا تنافي « و هدى للعالمين » أي دلالة لهم على الله تعالى لإهلاكه كل من قصده من الجبابرة كأصحاب الفيل و غيرهم و باجتماع الظبي في حرمه مع الكلب و الذئب فلا ينفر عنه مع نفرته عنه في غيره من البلاد و بانمحاق الجمار على كثرة الرماة فلو لا أنها ترفع لكان يجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال و باستئناس الطيور فيه بالناس و باستشفاء المريض بالبيت و بأن لا يعلوه طير إعظاما له إلى غير ذلك من الدلالات و قيل معناه أنهم يهتدون به إلى جهة صلاتهم أو يهتدون إلى الجنة بحجة و طوافه « فيه آيات بينات » أي دلالات واضحات و الهاء في فيه عائد إلى البيت و روي عن ابن عباس أنه قرأ فيه آية بينة مقام إبراهيم فجعل مقام إبراهيم وحده هو الآية و قال أثر قدميه في المقام آية بينة و الأول عليه القراء و المفسرون أرادوا مقام إبراهيم و الحجر الأسود و الحطيم و زمزم و المشاعر كلها و أركان البيت و ازدحام الناس عليها و تعظيمهم لها و قد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة و سئل الصادق (عليه السلام) عن الحطيم فقال هو ما بين الحجر الأسود و الباب قيل و لم سمي الحطيم قال لأن الناس يحطم بعضهم بعضا و هو الموضع الذي فيه تاب الله على آدم و قال (عليه السلام) إن تهيأ لك أن تصلي صلاتك كلها الفرائض و غيرها عند الحطيم فافعل فإنه أفضل بقعة على وجه الأرض و بعده الصلاة في الحجر أفضل و روي عن أبي حمزة الثمالي قال قال لنا علي بن الحسين أي البقاع أفضل فقلنا الله تعالى و رسوله و ابن رسوله أعلم فقال لنا أفضل البقاع ما بين الركن و المقام و لو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله تعالى بغير ولايتنا لا ينفعه ذلك شيئا و قال الصادق (عليه السلام) الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة و روي أنه من روي من ماء زمزم أحدث له به شفاء و صرف عنه داء قال
مجمع البيان ج : 2 ص : 799
المفسرون و من تلك الآيات مقام إبراهيم (عليه السلام) و أمن الداخل فيه و أمن الوحوش من السباع الضارية و أنه ما علا عبد على الكعبة إلا عتق و إذا كان الغيث من ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن و إذا كان من ناحية الركن الشامي كان الخصب بالشام و إذا عم البيت كان في جميع البلدان و سائر ما ذكرناه قبل من الآيات و قوله « و من دخله كان آمنا » عطف على مقام إبراهيم و في مقام إبراهيم دلالة واضحة لأنه حجر صلد يرى فيه أثر قدميه و لا يقدر أحد أن يجعل الحجر كالطين إلا الله و روي عن ابن عباس أنه قال أن الحرم كله مقام إبراهيم و من دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمنا و قيل فيه أقوال ( أحدها ) إن الله عطف قلوب العرب في الجاهلية على ترك التعرض لمن لاذ بالحرم و التجأ إليه و إن كثرت جريمته و لم يزده الإسلام إلا شدة عن الحسن ( و ثانيها ) أنه خبر و المراد به الأمر و معناه أن من وجب عليه حد فلاذ بالحرم لا يبايع و لا يشاري و لا يعامل حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد عن ابن عباس و ابن عمر و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله (عليه السلام) و على هذا يكون تقديره و من دخله فأمنوه ( و ثالثها ) إن معناه من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه كان آمنا في الآخرة من العذاب الدائم و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أجمعت الأمة على أن من أصاب فيه ما يوجب الحد أقيم عليه الحد فيه ثم لما بين الله فضيلة بيته الحرام عقبه بذكر وجوب حجة الإسلام فقال « و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا » و معناه و لله على من استطاع إلى حج البيت سبيلا من الناس حج البيت أي من وجد إليه طريقا بنفسه و ماله و اختلف في الاستطاعة فقيل هي الزاد و الراحلة عن ابن عباس و ابن عمر و قيل ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن عن الحسن و معناه القدرة على الوصول إليه و المروي عن أئمتنا أنه وجود الزاد و الراحلة و نفقة من يلزمه نفقته و الرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة مع الصحة في النفس و تخلية السرب من الموانع و إمكان السير « و من كفر » معناه و من جحد فرض الحج و لم يره واجبا عن ابن عباس و الحسن « فإن الله غني عن العالمين » لم يتعبدهم بالعبادة لحاجته إليها و إنما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم و قيل إن المعني به اليهود فإنه لما نزل قوله « و من يبتغ غير الإسلام دينا » فلن يقبل منه قالوا نحن مسلمون فأمروا بالحج فلم يحجوا و على هذا يكون معنى « من كفر » من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر و الله غني عن العالمين و قيل المراد به كفران النعمة لأن امتثال أمر الله شكر لنعمته و قد روي عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال من لم يحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس أو سلطان جائر و لم يحج فليمت إن شاء يهوديا و إن شاء نصرانيا و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال
مجمع البيان ج : 2 ص : 800
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الحج و العمرة ينفيان الفقر و الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد و في هذه الآية دلالة على فساد قول من قال إن الاستطاعة مع الفعل لأن الله أوجب الحج على المستطيع و لم يوجب على غير المستطيع و ذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج .

النظم

وجه اتصال الآية بما قبلها إن الله تعالى أمر أهل الكتاب باتباع ملة إبراهيم و من ملته تعظيم بيت الله الحرام فذكر تعالى البيت و فضله و حرمته و ما يتعلق به في قوله « إن أول بيت وضع للناس » .
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ(98) قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَصدُّونَ عَن سبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونهَا عِوَجاً وَ أَنتُمْ شهَدَاءُ وَ مَا اللَّهُ بِغَفِل عَمَّا تَعْمَلُونَ(99)

اللغة

البغية الطلب يقال بغيت الشيء أبغيه قال عبد بني الحسحاس :
بغاك و ما تبغيه حتى وجدته
كأنك قد واعدته أمس موعدا أي طلبك و ما تطلبه و يقال ابغني بكذا بكسر الهمزة أي اطلبه لي و أصله ابغ لي فحذفت اللام لكثرة الاستعمال و إذا قلت أبغني بفتح الهمزة فمعناه أعني على طلبه و مثله احملني و احمل لي و احلب لي و احلبني أي أعني على الحلبة و العوج بفتح العين ميل كل شيء منتصب نحو القناة و الحائط و بكسر العين هو الميل عن طريق الاستواء في طريق الدين و في القول و في الأرض و منه قوله لا ترى فيه عوجا و لا أمتا .

الإعراب

« من آمن » في موضع نصب بأنه مفعول تصدون و الكناية في قوله « تبغونها » راجعة إلى السبيل .

المعنى

ثم عاد سبحانه الكلام إلى حجاج أهل الكتاب فقال مخاطبا للنبي يأمره بخطاب اليهود و النصارى و قيل اليهود خاصة « قل يا أهل الكتاب » أي قل يا محمد لهم
مجمع البيان ج : 2 ص : 801
« لم تكفرون ب آيات الله » أي بالمعجزات التي أتاها محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و العلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به و سماهم أهل الكتاب و إن لم يعملوا به و لم يجز مثل ذلك في أهل القرآن لوجهين ( أحدهما ) أن القرآن اسم خاص لكتاب الله تعالى و أما الكتاب فلا ينبىء عن ذلك بل يجوز أن يراد به يا أهل الكتاب المحرف عن وجهته ( و الثاني ) الاحتجاج عليهم بالكتاب لإقرارهم به فكأنه قيل يا من يقر بأنه من أهل كتاب الله لم تكفرون ب آيات الله و اللفظ لفظ الاستفهام و المراد به التوبيخ و إنما جاز التوبيخ على لفظ الاستفهام من حيث أنه سؤال يعجز عن إقامة العذر فكأنه قال هاتوا العذر في ذلك إن أمكنكم « و الله شهيد على ما تعملون » أي حفيظ على أعمالكم محص لها ليجازيكم عليها قيل معناه مطلع عليها عالم بها مع قيام الحجة عليكم فيها و قال عز اسمه في هذا الموضع « قل يا أهل الكتاب » و في موضع آخر يا أهل الكتاب لأنه تعالى خاطبهم في موضع على جهة التلطف في استدعائهم إلى الإيمان و أعرض عن خطابهم في موضع آخر و أمر سبحانه نبيه استخفافا بهم لصدهم عن الحق « قل » يا محمد « يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن » أي لم تمنعون المؤمنين عن دين الإسلام الذي هو دين الله و سبيله و اختلف في كيفية صدهم عن سبيل الله فقيل أنهم كانوا يغرون بين الأوس و الخزرج بتذكيرهم الحروب التي كانت بينهم في الجاهلية حتى تدخلهم الحمية و العصبية فينسلخون عن الدين عن زيد بن أسلم فعلى هذا يكون الآية في اليهود خاصة و قيل الآية في اليهود و النصارى و معناه لم تصدون بالتكذيب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و إن صفته ليست في كتبكم عن الحسن و قيل بالتحريف و البهت عن الأصم « تبغونها عوجا » أي تطلبون لسبيل الله عوجا عن سمت الحق و هو الضلال فكأنه قال تبغونها ضلالا بالشبه التي تدخلونها على الناس و قيل معناه تطلبون ذلك السبيل لا على وجه الاستقامة أي على غير الوجه الذي ينبغي أن يطلب و قوله « و أنتم شهداء » فيه قولان - ( أحدهما ) - أن معناه أنتم شهداء بتقديم البشارة بمحمد في كتبكم فكيف تصدون عنه من يطلبه و تريدون عدوله عنه - ( و الآخر ) - أن المراد و أنتم عقلاء كما قال أو ألقى السمع و هو شهيد أي عاقل و ذلك أنه يشهد الذي يميز به بين الحق و الباطل فيما يتعلق بالدين « و ما الله بغافل عما تعملون » هذا تهديد لهم على الكفر .

مجمع البيان ج : 2 ص : 802
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ كَفِرِينَ(100) وَ كَيْف تَكْفُرُونَ وَ أَنتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ ءَايَت اللَّهِ وَ فِيكمْ رَسولُهُ وَ مَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِى إِلى صرَط مُّستَقِيم(101)

اللغة

الطاعة موافقة الإرادة الجاذبة للفعل بالترغيب فيه و الإجابة موافقة الإرادة الداعية إلى الفعل و لذلك يجوز أن يكون الله مجيبا إلى عبده إذا فعل ما دعا العبد به و لم يجز أن يكون مطيعا له و أصل الاعتصام الامتناع و عصمه يعصمه إذا منعه و لا عاصم اليوم من أمر الله أي و لا مانع و العصام الحبل لأنه يعتصم به و العصم الأوعال لامتناعها بالجبال .

النزول

نزلت في الأوس و الخزرج لما أغرى قوم من اليهود بينكم بذكر حروبهم في الجاهلية ليفتنوهم عن دينهم عن زيد بن أسلم و السدي و قيل نزل قوله « و كيف تكفرون » في مشركي العرب عن الحسن .

المعنى

ثم حذر المؤمنين عن قبول قولهم فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله و هو خطاب للأوس و الخزرج و يدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ « إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب » معناه إن تطيعوا هؤلاء اليهود في قبول قولهم و إحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية « يردوكم بعد إيمانكم كافرين » أي يرجعوكم كفارا بعد إيمانكم ثم أكد تعالى الأمر و عظم الشأن فقال « و كيف تكفرون » أي و على أي حال يقع منكم الكفر « و أنتم تتلى عليكم آيات الله » و هذا استبعاد أن يقع منهم الكفر مع معرفتهم ب آيات الله و فيهم داع يدعوهم إلى الإيمان و قيل هو على التعجيب أي لا ينبغي لكم أن تكفروا مع ما يقرأ عليكم في القرآن المجيد من الآيات الدالة على وحدانية الله و نبوة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) « و فيكم رسوله » يعني محمدا ترون معجزاته و الكفر و إن كان فظيعا في كل حال فهو في مثل هذه الحالة أفظع و يجوز أن يكون المراد بقوله « و فيكم رسوله » القوم الذين كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بين أظهرهم خاصة و يجوز أن يكون المراد به جميع أمته لأن آثاره و علاماته من القرآن و غيره فينا قائمة باقية و ذلك بمنزلة وجوده فينا حيا « و من يعتصم
مجمع البيان ج : 2 ص : 803
بالله » أي يتمسك بكتابه و آياته و بدينه و قيل من يمتنع بالله عمن سواه بأن يعبده لا يشرك به شيئا و قيل من يمتنع عن الكفر و الهلاك بالإيمان بالله و برسوله « فقد هدي إلى صراط مستقيم » أي إلى طريق واضح قال قتادة في هذه الآية علمان بينان كتاب الله و نبي الله فأما نبي الله فقد مضى و أما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه و نعمة فيه حلاله و حرامه و طاعته و معصيته و قيل أنهم قد شاهدوا في نفسه (صلى الله عليه وآله وسلّم) معجزات كثيرة منها أنه كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه و منها أنه كان ينام عينه و لا ينام قلبه و منها أن ظله لم يقع على الأرض و منها أن الذباب لم يقع عليه و منها أن الأرض كانت تبتلع ما يخرج منه و كان لا يرى له بول و لا غائط و منها أنه كان لا يطوله أحد و إن طال و منها أنه كان بين كتفيه خاتم النبوة و منها أنه كان إذا مر بموضع يعلمه الناس لطيبه و منها أنه كان يسطع نور من جبهته في الليلة المظلمة و منها أنه قد ولد مختونا إلى غير ذلك من الآيات .
يَأَيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَ لا تمُوتُنَّ إِلا وَ أَنتُم مُّسلِمُونَ(102) وَ اعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَت اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّف بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَ كُنتُمْ عَلى شفَا حُفْرَة مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكمْ تهْتَدُونَ(103)

اللغة

تقاة من وقيت قال الزجاج يجوز فيه ثلاثة أوجه تقاة و وقاة و أقاة حمله على قياس وجوه و أجوه و إن كان هذا المثال لم يجيء منه شيء على الأصل نحو تخمة و تكأة غير أنه حمله على الأكثر من نظائره و الحبل السبب الذي يوصل به إلى البغية كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من بئر أو نحوها و منه الحبل للأمان لأنه سبب النجاة قال الأعشى :
و إذا تجوزها حبال قبيلة
أخذت من الأخرى إليك حبالها
مجمع البيان ج : 2 ص : 804

و منه الحبل للحمل في البطن و أصل الحبل المفتول قال ذو الرمة :
هل حبل خرقاء بعد اليوم مرموم
أم هل لها آخر الأيام تكليم و شفا الشيء مقصور حرفه و يثني شفوان و جمعه أشفاء و أشفى على الشيء أشرف عليه و أشفى المريض على الموت من ذلك .

الإعراب

قوله « و أنتم مسلمون » جملة في موضع الحال و قوله « جميعا » نصب على الحال أيضا أي و اعتصموا في حال اجتماعكم أي كونوا مجتمعين على الاعتصام لا تفرقوا أصله أي لا تتفرقوا فحذف أحد التاءين كراهة لاجتماع المثلين و المحذوفة الثانية لأن الأولى علامة للاستقبال و هو مجزوم بالنهي و علامة الجزم سقوط النون و قوله تعالى « فأنقذكم منها » الكناية في منها عادت إلى الحفرة و ترك شفا و مثله قول العجاج :
طول الليالي أسرعت في نقضي
طوين طولي و طوين عرضي فترك الطول و أخبر عن الليالي .

النزول

قال مقاتل افتخر رجلان من الأوس و الخزرج ثعلبة بن غنم من الأوس و أسعد بن زرارة من الخزرج فقال الأوسي منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و منا حنظلة غسيل الملائكة و منا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين و منا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له و رضي الله بحكمه في بني قريظة و قال الخزرجي منا أربعة أحكموا القرآن أبي بن كعب و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد و منا سعد بن عبادة خطيب الأنصار و رئيسهم فجرى الحديث بينهما فغضبا و تفاخرا و ناديا فجاء الأوس إلى الأوسي و الخزرج إلى الخزرجي و معهم السلاح فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فركب حمارا و أتاهم فأنزل الله هذه الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا .

المعنى

لما نهى تعالى عن قبول أقوال الكافرين بين في هذه الآية ما يجب قبوله فقال « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته » معناه و اتقوا عذاب الله أي احترسوا و امتنعوا بالطاعة من عذاب الله كما يحق فكما يجب أن يتقي ينبغي أن يحترس منه و ذكر في قوله « حق تقاته » وجوه ( أحدها ) إن معناه أن يطاع فلا يعصى و يشكر فلا يكفر و يذكر فلا ينسى عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) ( و ثانيها ) أنه اتقاء جميع معاصيه عن أبي علي الجبائي ( و ثالثها ) أنه المجاهدة في

<<        الفهرس        >>