جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج2 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



مجمع البيان ج : 2 ص : 735
و يونس و زكريا و يحيى و عيسى و فيهم نبينا لأنه من ولد إسماعيل و قيل آل إبراهيم هم المؤمنون المتمسكون بدينه و هو دين الإسلام عن ابن عباس و الحسن و أما آل عمران فقيل هم من آل إبراهيم أيضا كما قال « ذرية بعضها من بعض » فهم موسى و هارون ابنا عمران و هو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب و قيل يعني ب آل عمران مريم و عيسى و هو عمران بن الهشم بن أمون من ولد سليمان بن داود و هو أبو مريم لأن آل الرجل أهل البيت الذي ينتسب إليه عن الحسن و وهب و في قراءة أهل البيت و آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) على العالمين و قالوا أيضا أن آل إبراهيم هم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) الذين هم أهله و يجب أن يكون الذين اصطفاهم الله تعالى مطهرين معصومين منزهين عن القبائح لأنه تعالى لا يختار و لا يصطفي إلا من كان كذلك و يكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة و العصمة فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوما من آل إبراهيم و آل عمران سواء كان نبيا أو إماما و يقال الاصطفاء على وجهين ( أحدهما ) أنه اصطفاه لنفسه أي جعله خالصا له يختص به ( و الثاني ) أنه اصطفاه على غيره أي اختصه بالتفضيل على غيره و على هذا الوجه معنى الآية فإن قيل كيف اختصهم الله بالتفضيل قبل العمل فالجواب أنه إذا كان المعلوم أن صلاح المكلفين لا يتم إلا بهم فلا بد من تقديم البشارة بهم و الإخبار بما يكون من حسن شمائلهم و أفعالهم و التشويق إليهم كما يكون من جلالة أقدارهم و زكاء خلالهم ليكون ذلك داعيا للناس إلى القبول منهم و الانقياد لهم و في هذه الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم أجمعين الصلاة و السلام لأن العالمين يعم الملائكة و غيرهم من المخلوقين و قد فضلهم سبحانه و اختارهم على الكل و قوله « ذرية » أي أولادا و أعقابا بعضها من بعض قيل معناه في التناصر في الدين و هو الإسلام أي دين بعضها من دين بعض كما قال المنافقون و المنافقات بعضهم من بعض أي في التناصر و التعاضد على الضلال و هو قول الحسن و قتادة و قيل بعضها من بعض في التناسل و التوالد فإنهم ذرية آدم ثم ذرية نوح ثم ذرية إبراهيم و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) لأنه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض و اختاره أبو علي الجبائي « و الله سميع عليم » فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه سميع لما تقوله الذرية عليم بما يضمرونه فلذلك فضلهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أقوالهم و أفعالهم ( و الثاني ) أن معناه سميع لما تقوله امرأة عمران من النذر عليم بما تضمره و نبه بذلك على استحسان ذلك منها .

النظم

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما وقعت المنازعة في إبراهيم و عيسى و اختلف أقوال النصارى و اليهود فيهما بين تعالى أن من أطاع الرسول قال فيهما ما يقوله هو
مجمع البيان ج : 2 ص : 736
و قيل أنه لما أمر بطاعة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أبى ذلك المشركون بين تعالى أنه كما اصطفاه لرسالته اصطفى من قبله من الأنبياء فلا وجه لإنكارهم رسالته .
إِذْ قَالَتِ امْرَأَت عِمْرَنَ رَب إِنى نَذَرْت لَك مَا فى بَطنى مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنى إِنَّك أَنت السمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضعَتهَا قَالَت رَب إِنى وَضعْتهَا أُنثى وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضعَت وَ لَيْس الذَّكَرُ كالأُنثى وَ إِنى سمَّيْتهَا مَرْيَمَ وَ إِنى أُعِيذُهَا بِك وَ ذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيْطنِ الرَّجِيمِ(36)

القراءة

قرأ ابن عامر و أبو بكر عن عاصم و يعقوب بما وضعت بضم التاء و روي عن علي (عليه السلام) و قرأ الباقون « وضعت » على الحكاية .

الحجة

من قرأ بضم التاء جعله من كلام أم مريم و من قرأ بإسكان التاء جعل ذلك من قول الله تعالى و يقوي قول من أسكن التاء قوله « و الله أعلم بما وضعت » و لو كان من قول أم مريم لقالت ( و أنت أعلم بما وضعت ) لأنها تخاطب الله تعالى .

اللغة

معنى المحرر في اللغة يحتمل أمرين ( أحدهما ) المعتق من الحرية يقال حررته تحريرا أعتقته أي جعلته حرا ( و الآخر ) من تحرير الكتاب يقال حررت الكتاب تحريرا أي أخلصته من الفساد و أصلحته و التقبل أخذ الشيء على الرضا به كتقبل الهدية و أصل التقبل المقابلة و أصل الوضع الحط وضعت المرأة الولد بمعنى ولدت و الموضع مكان الوضع و الضعة الخساسة لأنها تضع من قدر صاحبها و الإيضاع في السير الرفق فيه لأنه حط عن شدة الإسراع و الشيطان الرجيم مر تفسيرهما في أول الكتاب .

الإعراب

في موضع « إذ قالت » أقوال ( أحدها ) أنه نصب باذكر عن الأخفش و المبرد ( و الثاني ) أنه متعلق باصطفى آل عمران عن الزجاج ( و الثالث ) أنه متعلق بسميع عليم فيعمل فيه معنى الصفتين تقديره و الله مدرك لقولها و نيتها إذ قالت عن علي بن عيسى ( و الرابع ) أن إذ زائدة فلا موضع لها من الإعراب عن أبي عبيدة و هذا خطأ عند البصريين
مجمع البيان ج : 2 ص : 737
و محررا نصب على الحال من ما و تقديره نذرت لك الذي في بطني محررا و العامل فيه نذرت و قوله « أنثى » نصب على الحال .

المعنى

لما ذكر سبحانه اصطفى آل عمران عقبه بذكر مريم بنت عمران فقال « إذ قالت امرأة عمران » و قد مضى القول فيه و اسمها حنة جدة عيسى و كانتا أختين إحداهما عند عمران بن الهشم من ولد سليمان بن داود و قيل هو عمران بن ماثان عن ابن عباس و مقاتل و ليس بعمران أبي موسى و بينهما ألف و ثمانمائة سنة و كان بنو ماثان رءوس بني إسرائيل و الأخرى كانت عند زكريا و اسمها اشياع و اسم أبيها قاقود بن قبيل فيحيى و مريم ابنا خالة « رب إني نذرت لك ما في بطني » أي أوجبت لك بأن أجعل ما في بطني « محررا » أي خادما للبيعة يخدم في متعبداتنا عن مجاهد و قيل محررا للعبادة مخلصا لها عن الشعبي و قيل عتيقا خالصا لطاعتك لا أستعمله في منافعي و لا أصرفه في الحوائج عن محمد بن جعفر بن الزبير قالوا و كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها و يكنسها و يخدمها لا يبرح حتى يبلغ الحلم ثم يخير فإن أحب أن يقيم فيه أقام و إن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء قالوا و كانت حنة قد أمسك عنها الولد فدعت حتى أيست فبينا هي تحت شجرة إذ رأت طائرا يزق فرخا له فتحركت نفسها للولد فدعت الله أن يرزقها ولدا فحملت بمريم و روي عن أبي عبد الله قال أوحى الله تعالى إلى عمران إني واهب لك ذكرا مباركا يبريء الأكمه و الأبرص و يحيي الموتى بإذن الله و جاعله رسولا إلى بني إسرائيل فحدث امرأته حنة بذلك و هي أم مريم فلما حملت بها قالت « رب إني نذرت لك ما في بطني محررا » « فتقبل مني » أي نذري قبول رضا « إنك أنت السميع » لما أقوله « العليم » بما أنوي فلهذا صحت الثقة لي « فلما وضعتها » قيل أن عمران هلك و هي حامل فوضعت بعد ذلك يعني ولدت مريم و كانت ترجو أن يكون غلاما فلما وضعتها خجلت و استحيت و « قالت » منكسة رأسها « رب إني وضعتها أنثى » و قيل فيه قولان ( أحدهما ) إن المراد به الاعتذار من العدول عن النذر لأنها أنثى ( و الآخر ) إن المراد تقديم الذكر في السؤال لها بأنها أنثى لأن سعيها أضعف و عقلها أنقص فقدم ذكرها ليصح القصد لها في السؤال بقولها « و إني أعيذها بك » « و الله أعلم بما وضعت » إخبار منه تعالى بأنه أعلم بوضعها لأنه هو الذي خلقها و صورها و على القراءة الأخرى و أنت يا رب أعلم مني بما وضعت « و ليس الذكر كالأنثى » لأنها لا تصلح لما يصلح الذكر له و إنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الإناث لأنها لا تصلح لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة بيت المقدس لما يلحقها من الحيض و النفاس و الصيانة عن التبرج للناس و قال قتادة لم
مجمع البيان ج : 2 ص : 738
يكن التحرير إلا في الغلمان فيما جرت به العادة و قيل أرادت أن الذكر أفضل من الأنثى على العموم و أصلح للأشياء و الهاء في قوله « وضعتها » كناية عن ما في قوله « ما في بطني » و جاز ذلك لوقوع ما على مؤنث و يحتمل أن يكون كناية عن معلوم دل عليه الكلام « و إني سميتها » أي جعلت اسمها « مريم » و هي بلغتهم العابدة و الخادمة فيما قيل و كانت مريم أفضل النساء في وقتها و أجلهن و روى الثعلبي بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قال حسبك من نساء العالمين أربع مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم امرأة فرعون و خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت محمد « و إني أعيذها بك و ذريتها من الشيطان الرجيم » خافت عليها ما يغلب على النساء من الآفات فقالت ذلك و قيل إنما استعاذتها من طعنة الشيطان في جنبها التي لها يستهل الصبي صارخا فوقاها الله تعالى و ولدها عيسى منه بحجاب فقد روى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال ما من مولود إلا و الشيطان يمسه حين يولد فيستدل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم و ابنها و قيل إنها استعاذت من إغواء الشيطان الرجيم إياها عن الحسن .
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسن وَ أَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسناً وَ كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَمَرْيَمُ أَنى لَكِ هَذَا قَالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيرِ حِساب(37)


القراءة


قرأ أهل الكوفة « كفلها » بالتشديد و الباقون بالتخفيف و قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر « زكريا » مقصورا و الباقون بالمد و نصب زكرياء مع المد أبو بكر وحده و الباقون بالرفع .

الحجة

قال أبو علي حجة من خفف كفلها قوله تعالى أيهم يكفل مريم و « زكريا » مرتفع لأن الكفالة مسندة إليه و من شدد « كفلها » ففاعله الضمير العائد إلى ربها من قوله « فتقبلها ربها » و صار زكريا مفعولا بعد تضعيف العين و المد و القصر في زكريا لغتان .

اللغة

إنما جاء مصدر تقبلها على القبول دون التقبل لأن فيه معنى قبلها كما يقال
مجمع البيان ج : 2 ص : 739
تكرم كرما لأن فيه معنى كرم و مثله « و أنبتها نباتا حسنا » لأن فيه معنى فنبت و قال أبو عمرو و لا نظير لقبول في المصادر بفتح فاء الفعل و الباب كله مضموم الفاء كالدخول و الخروج و قال سيبويه جاءت خمس مصادر على فعول بالفتح قبول و وضوء و طهور و ولوغ و وقود إلا أن الأكثر في وقود الضم إذا أريد المصدر و أجاز الزجاج في قبول الضم و القبيل الكفيل و هو الضامن يقال كفلته أكفله كفلا و كفولا و كفالا فأنا كافل إذا تكفلت مئونته و منه الحديث و أنت خير المكفولين أي أحق من كفل في صغره و أرضع حتى نشأ و المكفول عنه في الفقه هو الذي عليه الدين و المكفول له هو الذي له الدين و المكفول به هو الدين و الكفيل هو الذي ثبت عليه الدين و المحراب مقام الإمام من المسجد و أصله أكرم موضع في المجلس و أشرفه و قال الزجاج هو المكان العالي الشريف قال :
ربة محراب إذا جئتها
لم ألقها أو أرتقي سلما و يقال للمسجد أيضا محراب و منه ما يشاء من محاريب أي مساجد و قيل أنه أخذ من الحرب لأنه يحارب فيها الشيطان .

المعنى

« فتقبلها ربها » مع أنوثتها و رضي بها في النذر الذي نذرته حنة للعبادة في بيت المقدس و لم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى و قيل معناه تكفل بها في تربيتها و القيام بشأنها عن الحسن و قبوله إياها أنه ما عرتها علة ساعة من ليل أو نهار « بقبول حسن » أصله بتقبل حسن و لكنه محمول على قوله فتقبلها قبولا حسنا و قيل معناه سلك بها طريق السعداء عن ابن عباس « و أنبتها نباتا حسنا » أي جعل نشوءها نشوءا حسنا و قيل سوى خلقها فكانت تنبت في يوم ما ينبت غيرها في عام عن ابن عباس و قيل أنبتها في رزقها و غذائها حتى تمت امرأة بالغة تامة عن ابن جريج و قال ابن عباس لما بلغت تسع سنين صامت النهار و قامت الليل و تبتلت حتى غلبت الأحبار « و كفلها زكريا » بالتشديد معناه ضمها الله إلى زكريا و جعله كفيلها فيقوم بها و بالتخفيف معناه ضمها زكريا إلى نفسه و ضمن القيام بأمرها و قالوا إن أم مريم أتت بها ملفوفة في خرقة إلى المسجد و قالت دونكم النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم و صاحب قربانهم فقال لهم زكريا أنا أحق بها لأن خالتها عندي فقالت له الأحبار إنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها و لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه فانطلقوا و هم تسعة و عشرون رجلا إلى نهر جار فألقوا أقلامهم في الماء فارتز قلم زكريا و ارتفع فوق الماء و رسبت أقلامهم عن ابن اسحاق و جماعة و قيل بل ثبت قلم زكريا و قام فوق الماء كأنه في طين
مجمع البيان ج : 2 ص : 740
و جرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء عن السدي فسهمهم زكريا و قرعهم و كان رأس الأحبار و نبيهم فذلك قوله « و كفلها زكريا » و زكريا كان من ولد سليمان بن داود و فيه ثلاث لغات المد و القصر و زكري مشدد قالوا فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها بيتا و استرضع لها فقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت و بلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد و جعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بسلم مثل باب الكعبة و لا يصعد إليها غيره و كان يأتيها بطعامها و شرابها و دهنها كل يوم « كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا » يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير حينها فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف غضا طريا عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و السدي و قيل أنها لم ترضع قط و إنما كان يأتيها رزقها من الجنة عن الحسن « قال يا مريم أنى لك هذا » يعني قال لها زكريا كيف لك و من أين لك هذا كالمتعجب منه « قالت هو من عند الله » أي من الجنة و هذه تكرمة من الله تعالى لها و إن كان ذلك خارقا للعادة فإن عندنا يجوز أن تظهر الآيات الخارقة للعادة على غير الأنبياء من الأولياء و الأصفياء و من منع ذلك من المعتزلة قالوا فيه قولين ( أحدهما ) أن ذلك كان تأسيسا لنبوة عيسى عن البلخي ( و الآخر ) أنه كان بدعاء زكريا لها بالرزق في الجملة و كانت معجزة له عن الجبائي « إن الله يرزق من يشاء بغير حساب » تقدم تفسيره .

النظم

و وجه اتصالها بما تقدم أن يكون حكاية لقول مريم و على هذا يكون معنى قوله « بغير حساب » الاستحقاق على العمل لأنه تفضل يبتدىء به من يشاء من خلقه و يحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى على الاستئناف .
هُنَالِك دَعَا زَكرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَب هَب لى مِن لَّدُنك ذُرِّيَّةً طيِّبَةً إِنَّك سمِيعُ الدُّعَاءِ(38) فَنَادَتْهُ الْمَلَئكَةُ وَ هُوَ قَائمٌ يُصلى فى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشرُك بِيَحْيى مُصدِّقَا بِكلِمَة مِّنَ اللَّهِ وَ سيِّداً وَ حَصوراً وَ نَبِيًّا مِّنَ الصلِحِينَ(39)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم فناداه الملائكة على التذكير و الإمالة و الباقون « فنادته » على التأنيث و قرأ ابن عامر و حمزة إن الله بكسر الهمزة و الباقون بفتحها و قرأ حمزة
مجمع البيان ج : 2 ص : 741
و الكسائي يبشرك بفتح الياء و التخفيف و الباقون بضم الياء و التشديد .

الحجة

من قرأ « فنادته » بالتاء فلموضع الجماعة كما تقول هي الرجال و من قرأ فناداه فعلى المعنى و من فتح إن كان المعنى فنادته بأن الله فحذف الجار و أوصل الفعل في موضع نصب على قياس قول الخليل في موضع الجر و من كسر أضمر القول كأنه نادته فقالت إن الله فحذف القول كما حذف في قول من كسر في قوله فدعا ربه أني مغلوب و إضمار القول كثير و أما يبشرك فقال أبو عبيدة يبشرك و « يبشرك » واحد و قال الزجاج هذا من بشر يبشر إذا فرح و أصل هذه كله إن بشرة الإنسان تنبسط عند السرور .

اللغة

الهبة تمليك الشيء من غير ثمن و السيد مأخوذ من سواد الشخص فقيل سيد القوم بمعنى مالك السواد الأعظم و هو الشخص الذي يجب طاعته لمالكه هذا إذا استعمل مضافا أو مقيدا فأما إذا أطلق فلا ينبغي إلا لله و الحصور الممتنع عن الجماع و منه قيل للذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئا للنفقة حصور قال الأخطل :
و شارب مربح بالكأس نادمني
لا بالحصور و لا فيها بسوار و يقال للذي يكتم سره حصور .

الإعراب

هنالك الأصل فيه الظرف من المكان نحو رأيته هنا و هناك و هنالك و الفرق أن هنا للتقريب و هنالك للتبعيد و هناك لما بينهما قال الزجاج و يستعمل في الحال كقولك من هاهنا قلت كذا أي من هذا الوجه و فيه معنى الإشارة كقولك ذا و ذاك و زيدت اللام لتأكيد التعريف و كسرت لالتقاء الساكنين كما كسرت في ذلك و إنما بني لدن و لم يبن عند و إن كان بمعناه لأنه استبهم استبهام الحروف لأنه لا يقع في جواب أين كما يقع عند في نحو قولهم أين زيد فيقال عندك و لا يقال لدنك و هو قائم جملة في موضع الحال من الهاء في نادته و قوله « يصلي في المحراب » جملة في موضع الحال من الضمير في قائم و قوله « مصدقا » نصب على الحال من يحيى و قوله « من الصالحين » من هاهنا لتبيين الصفة و ليس المراد التبعيض لأن النبي لا يكون إلا صالحا .

المعنى

« هنالك » أي عند ذلك الذي رأى من فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء في الصيف على خلاف ما جرت به العادة « دعا زكريا ربه » قال « رب هب لي
مجمع البيان ج : 2 ص : 742
من لدنك ذرية طيبة » أي طمع في رزق الولد من العاقر على خلاف مجرى العادة فسأل ذلك و قوله « طيبة » أي مباركة عن السدي و قيل صالحة تقية نقية العمل و إنما أنث طيبة و إنما سأل ولدا ذكرا على لفظ الذرية كما قال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى
و أنت خليفة ذاك الكمال « إنك سميع الدعاء » بمعنى قابل الدعاء و مجيب له و منه قول القائل سمع الله لمن حمده أي قبل الله دعاءه و إنما قيل السامع للقابل المجيب لأن من كان أهلا أن يسمع منه فهو أهل أن يقبل منه و من لا يعتد بكلامه فكلامه بمنزلة ما لا يسمع « فنادته الملائكة » قيل ناداه جبرائيل عن السدي فعلى هذا يكون المعنى أن النداء أتاه من هذا الجنس كما يقال ركب فلان السفن و إنما ركب سفينة واحدة و المراد جاءه النداء من جهة الملائكة و قيل نادته جماعة من الملائكة « و هو قائم يصلي في المحراب » أي في المسجد و قيل في محراب المسجد « إن الله يبشرك بيحيى » سماه الله بهذا الاسم قبل مولده و اختلف فيه لم سمي بيحيى فقيل لأن الله أحيا به عقر أمه عن ابن عباس و قيل أنه تعالى أحياه بالإيمان عن قتادة و قيل لأنه تعالى أحيا قلبه بالنبوة و لم يسم قبله أحد يحيى « مصدقا بكلمة من الله » أي مصدقا بعيسى و عليه جميع المفسرين و أهل التأويل إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال بكتاب الله كما يقولون أنشدت كلمة فلان أي قصيدته و إن طالت و إنما سمي المسيح كلمة الله لأنه حصل بكلام الله من غير أب و قيل إنما سمي به لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله كما سمي روح الله لأن الناس كانوا يحيون به في أديانهم كما يحيون بأرواحهم و كان يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر و كلف التصديق به فكان أول من صدقه و شهد أنه كلمة الله و روحه و كان ذلك إحدى معجزات عيسى (عليه السلام) و أقوى الأسباب لإظهار أمره فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقة و زهده « و سيدا » في العلم و العبادة عن قتادة و قيل في الحلم و التقى و حسن الخلق عن الضحاك و قيل كريما على ربه عن ابن عباس و قيل فقيها عالما عن سعيد بن المسيب و قيل مطيعا لربه عن سعيد بن جبير و قيل مطاعا عن الخليل و قيل سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم عن الجبائي و الجميع يرجع إلى أصل واحد و هو أنه أهل لتمليكه تدبير من يجب عليه طاعته لما هو عليه من هذه الأحوال « و حصورا » و هو الذي لا يأتي النساء عن ابن عباس و ابن مسعود و الحسن و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله و معناه أنه يحصر
مجمع البيان ج : 2 ص : 743
نفسه عن الشهوات أي يمنعها و قيل الحصور الذي لا يدخل في اللعب و الأباطيل عن المبرد و قيل هو العنين عن ابن المسيب و الضحاك و هذا لا يجوز على الأنبياء لأنه عيب و ذم و لأن الكلام خرج مخرج المدح « و نبيا من الصالحين » أي رسولا شريفا رفيع المنزلة من جملة الأنبياء لأن الأنبياء كلهم كانوا صالحين و في هذه الآية دلالة على أن زكريا إنما طمع في الولد لما رأى تلك المعجزات و هو إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على أن يخلق الولد من العاقر فقد كان يجوز أن لا يفعل ذلك لبعض التدبير فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها قوي ظنه في أنه يفعل ذلك إذا اقتضته المصلحة كما أن إبراهيم و إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على إحياء الموتى سأل ذلك مشاهدة ليتأكد معرفته و فيها دلالة على أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى على العبد فلذلك بشره به .
قَالَ رَب أَنى يَكُونُ لى غُلَمٌ وَ قَدْ بَلَغَنىَ الْكبَرُ وَ امْرَأَتى عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِك اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ(40)

اللغة

العاقر من الرجال الذي لا يولد له و من النساء التي لا تلد يقال عقرت تعقر عقرا فهي عاقر قال عبيد :
أ عاقر مثل ذات رحم
أم غانم مثل من يخيب و العقر دية فرج المرأة إذا غصبت نفسها و بيضة العقر آخر بيضة و العقر محلة القوم و العقر أصل كل شيء و يقال غلام بين الغلومية و الغلومة و هو الشاب من الناس و الغلمة و الاغتلام شدة طلب النكاح و سمي الغلام غلاما لأنه في حال يطلب في مثلها النكاح و الغيلم منبع الماء من الآبار لأنه يطلب الظهور .

المعنى

« قال » زكريا « رب » لله عز و جل لا لجبرائيل « أنى يكون » أي من أين يكون و قيل كيف يكون « لي غلام » أي ولد « و قد بلغني الكبر » أي أصابني الشيب و نالني الهرم و إنما جاز أن تقول بلغني الكبر لأن الكبر بمنزلة الطالب له فهو يأتيه بحدوثه فيه و الإنسان أيضا يأتي الكبر بمرور السنين عليه و لو قلت بلغني البلد بمعنى بلغت البلد لم يجز لأن البلد لا يأتيك أصلا و قال ابن عباس كان زكريا يوم بشر بالولد ابن
مجمع البيان ج : 2 ص : 744
عشرين و مائة سنة و كانت امرأته بنت ثمان و تسعين سنة « و امرأتي عاقر » أي عقيم لا تلد فإن قيل لم راجع زكريا هذه المراجعة و قد بشره الله بأن يهب له ذرية طيبة بعد أن سأل ذلك قيل إنما قال ذلك على سبيل التعرف عن كيفية حصول الولد أ يعطيهما الله إياه و هما على ما كانا عليه من الشيب أم يصرفهما إلى حال الشباب ثم يرزقهما الولد عن الحسن و يحتمل أن يكون اشتبه الأمر عليه أ يعطيه الولد من امرأته العجوز أم من امرأة أخرى شابة فقال الله « كذلك » و تقديره كذلك الأمر الذي أنتما عليه و على تلك الحال « الله يفعل ما يشاء » معناه يرزقك الله الولد منها فإنه هين عليه كما أنشأكما و لم تكونا شيئا فإنه تعالى قادر يفعل ما يشاء و قيل فيه وجه آخر و هو أنه إنما قال ذلك على سبيل الاستعظام لمقدور الله و التعجب الذي يحصل للإنسان عند ظهور آية عظيمة كمن يقول لغيره كيف سمحت نفسك بإخراج ذلك المال النفيس من يدك تعجبا من جوده و قيل أنه قال ذلك على وجه التعجب من أنه كيف أجابه الله إلى مراده فيما دعا و كيف استحق ذلك و من زعم أنه إنما قال ذلك للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان أو خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة فقد أخطأ لأن الأنبياء لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك و وسوسة الشيطان و لا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم حتى يختلط عليهم طريق الأفهام .
قَالَ رَب اجْعَل لى ءَايَةً قَالَ ءَايَتُك أَلا تُكلِّمَ النَّاس ثَلَثَةَ أَيَّام إِلا رَمْزاً وَ اذْكُر رَّبَّك كثِيراً وَ سبِّحْ بِالْعَشىِّ وَ الابْكرِ(41)

الإعراب

في وزن آية فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين مع كون اللام حرف علة و إنما القياس في مثله إعلال اللام نحو حياة و نواة و نظيرها راية و غاية و طاية ( و الثاني ) فعلة و تقديره آيية إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو طائي من طي ( و الثالث ) فاعلة منقوصة قال علي بن عيسى و هذا ضعيف لأن تصغيرها أيية و لو كانت فاعلة لقالوا أويية إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة و الرمز الإيماء بالشفتين و قد يستعمل في الإيماء بالحاجب و العين و اليد و الأول أغلب و قال جوبة بن عابد :
كان تكلم الأبطال رمزا
و غمغمة لهم مثل الهرير
مجمع البيان ج : 2 ص : 745
و العشي من حين زوال الشمس إلى غروبها في قول مجاهد قال الشاعر :
فلا الظل من برد الضحى يستطيعه
و لا الفيء من برد العشي يذوق و العشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل و العشاء طعام العشي و العشاء مقصورا ضعف العين و أصل الباب الظلمة و الإبكار من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى و أصله التعجيل بالشيء يقال أبكر و بكر بكورا و منه الباكورة .

المعنى

ثم سأل الله تعالى زكريا علامة يعرف بها وقت حمل امرأته ليزيد في العبادة شكرا و قيل ليتعجل السرور به عن الحسن ف « قال رب اجعل لي آية » أي علامة لوقت الحمل و الولد فجعل الله تعالى تلك العلامة في إمساك لسانه عن الكلام إلا إيماء من غير آفة حدثت فيه بقوله « قال آيتك » أي قال الله و يحتمل أن يكون المراد قال جبرائيل آيتك أي علامتك « ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا » أي إيماء عن قتادة و قيل الرمز تحريك الشفتين عن مجاهد و قيل أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا عن عطا « و اذكر ربك كثيرا » أي في هذه الأيام الثلاثة و معناه أنه لما منع من الكلام عرف أنه لم يمنع من الذكر لله تعالى و التسبيح له و ذلك أبلغ في الإعجاز « و سبح » أي نزه الله و أراد التسبيح المعروف و قيل معناه صل كما يقال فرغت من سبحتي أي صلاتي « بالعشي و الإبكار » في آخر النهار و أوله .
وَ إِذْ قَالَتِ الْمَلَئكةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصطفَاكِ وَ طهَّرَكِ وَ اصطفَاكِ عَلى نِساءِ الْعَلَمِينَ(42) يَمَرْيَمُ اقْنُتى لِرَبِّكِ وَ اسجُدِى وَ ارْكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ(43)

المعنى

قدم تعالى ذكر امرأة عمران و فضل بنتها على الجملة ثم ذكر تفصيل تلك الجملة فقال « و إذ قالت الملائكة » إذ هذه معطوفة على إذ في قوله إذ قالت امرأة عمران أو يكون معناه اذكر إذ قالت الملائكة و قيل يعني جبريل وحده « يا مريم إن الله اصطفاك » أي اختارك و ألطف لك حتى تفرغت لعبادته و اتباع مرضاته و قيل معناه اصطفيك لولادة المسيح عن الزجاج « و طهرك » بالإيمان عن الكفر و بالطاعة عن المعصية عن الحسن و سعيد بن جبير و قيل طهرك من الأدناس و الأقذار التي تعرض للنساء
مجمع البيان ج : 2 ص : 746
من الحيض و النفاس حتى صرت صالحة لخدمة المسجد عن الزجاج و قيل طهرك من الأخلاق الذميمة و الطبائع الردية « و اصطفاك على نساء العالمين » أي على نساء عالمي زمانك لأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليها و على أبيها و بعلها و بنيها سيدة نساء العالمين و هو قول أبي جعفر (عليه السلام) و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين و قال أبو جعفر معنى الآية اصطفاك من ذرية الأنبياء و طهرك من السفاح اصطفاك لولادة عيسى (عليه السلام) من غير فحل و خرج بهذا من أن يكون تكريرا إذ يكون الاصطفاء على معنيين مختلفين « يا مريم اقنتي لربك » أي اعبديه و أخلصي له العبادة عن سعيد بن جبير و قيل معناه أديمي الطاعة له عن قتادة و قيل أطيلي القيام في الصلاة عن مجاهد « و اسجدي و اركعي مع الراكعين » أي كما يعمل الساجدون و الراكعون لا أن يكون ذلك أمرا لها بأن تعمل السجود و الركوع معهم في الجماعة و قدم السجود على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب فإنها في الأشياء المتغايرة نظيرة التثنية في المتماثلة و إنما توجب الجمع و الاشتراك و قيل معناه و اسجدي لله شكرا و اركعي أي و صلي مع المصلين و قيل معناه صلي في الجماعة عن الجبائي .
ذَلِك مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْك وَ مَا كُنت لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَ مَا كنت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44)

اللغة

الأنباء الأخبار الواحد نبأ و الإيحاء هو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه يخفى و الإيحاء الإرسال إلى الأنبياء تقول أوحى الله إليه أي أرسل إليه ملكا و الإيحاء الإلهام و منه قوله تعالى و أوحى ربك إلى النحل و قوله بأن ربك أوحى لها معناه ألقى إليها معنى ما أراد منها قال العجاج :
أوحى لها القرار فاستقرت
و شدها بالراسيات الثبت و الإيحاء الإيماء قال :
فأوحت إلينا و الأنامل رسلها و منه قوله تعالى فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة و عشيا أي أشار إليهم و الوحي الكتابة قال رؤبة :
لقدر كان وحاه الواحي و قال :
في سور من ربنا موحية ) .
و القلم الذي يكتب به و القلم الذي يجال بين القوم كل إنسان و قلمه و هو القدح و القلم قص الظفر و مقالم الرمح كعوبه و أصله قطع طرف الشيء .

مجمع البيان ج : 2 ص : 747

الإعراب

قال أبو علي إذ في قوله « إذ يلقون » متعلق بكنت و إذ في قوله إذ قالت الملائكة بعد يختصمون متعلق بيختصمون و يجوز أيضا أن يكون متعلقا بكنت كأنه قال و ما كنت لديهم إذ قالت الملائكة و هذا إنما يجوز عندي إذا قدرت إذ الثانية بدلا من الأولى فإن لم تقدره هذا التقدير لم يجز و إنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل المبدل منه في المعنى .

المعنى

« ذلك » إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم و زكريا و يحيى « من أنباء الغيب » أي من أخبار ما غاب عنك و عن قومك « نوحيه إليك » أي نلقيه عليك معجزة و تذكيرا و تبصرة و موعظة و عبرة و وجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن الإنسان يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب أو التعلم أو الوحي و النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يشاهد هذه القصص و لا قرأها من الكتب و لا تعلمها إذ كان نشوءه بين أهل مكة و لم يكونوا أهل كتاب فوضح الله أن أوحى إليه بها و في ذلك صحة نبوته « و ما كنت » يا محمد « لديهم » عندهم « إذ يلقون أقلامهم » التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء على ما تقدم ذكره قبل و قيل أقلامهم أقداحهم للاقتراع جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة « أيهم يكفل مريم » و فيه حذف أي لينظروا أيهم تظهر قرعته ليكفل مريم و هذا تعجيب من الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) من شدة حرصهم على كفالة مريم و القيام بأمرها عن قتادة و قيل هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها لشدة الأزمة التي لحقتهم حتى وفق لها خير الكفلاء لها زكريا « و ما كنت لديهم إذ يختصمون » فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة و في وقت التشاح قولان ( أحدهما ) حين ولادتها و حمل أمها إياها إلى الكنيسة تشاحوا في الذي يحضنها و يكفل تربيتها و هذا قول الأكثر و قال بعضهم كان ذلك وقت كبرها و عجز زكريا عن تربيتها و في هذه الآية دلالة على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق و قد قال الصادق (عليه السلام) ما تقارع قوم ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى إلا خرج سهم المحق و قال أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله تعالى يقول فساهم فكان من المدحضين و قال الباقر أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران ثم تلا « و ما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم » الآية و السهام ستة ثم استهموا في يونس ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة بنين فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه فلما ولد له عبد الله لم يقدر أن يذبحه و رسول الله في صلبه فجاء بعشرة من الإبل فساهم عليها و على عبد الله فخرجت السهام على عبد الله فزاد عشرا فلم
مجمع البيان ج : 2 ص : 748
تزل السهام تخرج على عبد الله و يزيد عشرا فلما أن أخرجت مائة خرجت السهام على الإبل فقال عبد المطلب ما أنصفت ربي فأعاد السهام ثلاثا فخرجت على الإبل فقال الآن علمت أن ربي قد رضي بها فنحرها .
إِذْ قَالَتِ الْمَلَئكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشرُكِ بِكلِمَة مِّنْهُ اسمُهُ الْمَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ(45) وَ يُكلِّمُ النَّاس فى الْمَهْدِ وَ كهْلاً وَ مِنَ الصلِحِينَ(46)

القراءة

ذكرنا القراءة في « يبشرك » و القول فيه .

اللغة

المسيح فعيل بمعنى مفعول و أصله أنه مسح من الأقذار و طهر و المسيح أيضا الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له و لا حاجب و لذلك سمي الدجال به و قيل المسيح عيسى بفتح الميم و التخفيف و هو الصديق و المسيح بكسر الميم و تشديد السين نحو الشرير الدجال عن إبراهيم النخعي و أنكره غيره قال الشاعر :
إذ المسيح يقتل المسيحا و الوجيه الكريم على من يسأله فلا يرده لكرم وجهه عنده خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد يقال وجه الرجل يوجه وجاهة و له وجاهة عند الناس و جاه أي منزلة رفيعة و الكهل ما بين الشاب و الشيخ و منه اكتهل النبت إذا طال و قوي و المرأة كهلة قال الشاعر :
و لا أعود بعدها كريا
أمارس الكهلة و الصبيا و منه الكاهل ما فوق الظهر إلى ما يلي العنق و قيل الكهولة بلوغ أربع و ثلاثين سنة .

الإعراب

وجيها منصوب على الحال المعنى يبشرك الله بهذا الولد وجيها و يكلم في موضع النصب أيضا على الحال عطفا على وجيها و جائز أن يعطف بلفظ يفعل على فاعل لمضارعة يفعل فاعلا قال الشاعر :
بات يغشيها بعضب باتر
يقصد في أسوقها و جائر أي قاصد أسوقها و جائر و كهلا حال من يكلم .

المعنى

« إذ قالت الملائكة » قال ابن عباس يريد جبرائيل « يا مريم إن الله
مجمع البيان ج : 2 ص : 749
يبشرك » يخبرك بما يسرك « بكلمة منه » فيه قولان أحدهما أنه المسيح سماه كلمة عن ابن عباس و قتادة و جماعة من المفسرين و إنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد و هو قوله كن فيكون يدل عليه قوله إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه الآية و قيل سمي بذلك لأن الله بشر به في الكتب السالفة كما يقال الذي يخبرنا بالأمر إذا خرج موافقا لأمره قد جاء كلامي فمما جاء من البشارة به في التوراة أتانا الله من سيناء و أشرق من ساعير و استعلن من جبال فاران و ساعير هو الموضع الذي بعث منه المسيح و قيل لأن الله يهدي به كما يهدي بكلمته و القول الثاني أن الكلمة بمعنى البشارة كأنه قال ببشارة منه ولد « اسمه المسيح » فالأول أقوى و يؤيده قوله إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها إلى مريم و روح منه و إنما ذكر الضمير في اسمه و هو عائد إلى الكلمة لأنه واقع على مذكر فذهب إلى المعنى و اختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل لأنه مسح بالبركة و اليمن عن الحسن و قتادة و سعيد و قيل لأنه مسح بالتطهير من الذنوب و قيل لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه و كانت الأنبياء تمسح به عن الجبائي و قيل لأنه مسحه جبرائيل بجناحه وقت ولادته ليكون عوذة من الشيطان و قيل لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله و قيل لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصر عن الكلبي و قيل لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برأ عن ابن عباس في رواية عطا و الضحاك و قال أبو عبيدة هو بالسريانية مشيحا فعربته العرب « عيسى بن مريم » نسبة إلى أمه ردا على النصارى قولهم إنه ابن الله « وجيها » ذا جاه و قدر و شرف « في الدنيا و الآخرة و من المقربين » إلى ثواب الله و كرامته « و يكلم الناس في المهد » أي صغيرا و المهد الموضع الذي يمهد لنوم الصبي و يعني بكلامه في المهد قوله إني عبد الله آتاني الكتاب الآية و وجه كلامه في المهد أنه تبرئة لأمه مما قذفت به و جلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه « و كهلا » أي و يكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله أعلمها الله تعالى أنه يبقى إلى حال الكهولة و في ذلك إعجاز لكون المخبر على وفق الخبر و قيل إن المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال لأن ذلك مناف لصفة الإله « و من الصالحين » أي و من النبيين مثل إبراهيم و موسى و قيل إن المراد بالآية و يكلمهم في المهد دعاء إلى الله و كهلا بعد نزوله من السماء ليقتل الدجال و ذلك لأنه رفع إلى السماء و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة و ذلك قبل الكهولة عن زيد بن أسلم و في ظهور المعجزة في المهد قولان ( أحدهما ) أنها كانت مقرونة بنبوة المسيح لأنه تعالى أكمل عقله في تلك الحال و جعله نبيا و أوحى إليه بما تكلم به عن الجبائي و قيل كان ذلك على التأسيس و الإرهاص
مجمع البيان ج : 2 ص : 750
لنبوته عن ابن الإخشيد و يجوز عندنا الوجهان و يجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها و براءة ساحتها إذ لا مانع من ذلك و قد دلت الأدلة الواضحة على جوازه و إنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد مع كونه آية و معجزة لأن في ذلك إبطالا لمذهبهم لأنه قال إني عبد الله و هذا ينافي قولهم أنه ابن الله فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك .
قَالَت رَب أَنى يَكُونُ لى وَلَدٌ وَ لَمْ يَمْسسنى بَشرٌ قَالَ كذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذَا قَضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47)

الإعراب

فيكون هاهنا لا يجوز فيه غير الرفع لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر الذي هو كن لأن الجواب يجب بوجود الأول نحو ائتني فأكرمك و قم فأقوم معك و لا يجوز قم فيقوم لأنه يكون على تقدير قم فإنك إن تقم يقم و هذا لا معنى له و لكن الوجه الرفع على الإخبار بأنه سيقوم و يجوز في قوله « أن يقول له كن فيكون » النصب عطفا على يقول .

المعنى

« قالت » مريم يا « رب أنى يكون » أي كيف يكون « لي ولد و لم يمسسني بشر » لم تقل ذلك استبعادا و استنكارا بل إنما قالت استفهاما و استعظاما لقدرة الله لأن في طبع البشر التعجب مما خرج عن المعتاد و قيل إنما قالت ذلك لتعلم أن الله تعالى يرزقها الولد و هي على حالتها لم يمسها بشر أو يقر لها زوجا ثم يرزقها الولد على مجرى العادة « قال كذلك الله يخلق ما يشاء » أي يخلق ما يشاء مثل ذلك و هو حكاية ما قال لها الملك أي يرزقك الولد و أنت على هذه الحالة لم يمسك بشر « إذا قضى أمرا » أي خلق أمرا و قيل إذا قدر أمرا « فإنما يقول له كن فيكون » و قيل في معناه قولان ( أحدهما ) أنه إخبار بسرعة حصول مراد الله في كل شيء أراد حصوله من غير مهلة و لا معاناة و لا تكلف سبب و لا أداة و إنما كنى بهذا اللفظ لأنه لا يدخل في وهم العباد شيء أسرع من كن فيكون ( و الآخر ) أن هذه الكلمة كلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه و إيجاده لما فيه من المصلحة و الاعتبار و إنما استعمل لفظة الأمر فيما ليس بأمر هنا ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في أنه لا كلفة فيه على الآمر .

مجمع البيان ج : 2 ص : 751
وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتَب وَ الْحِكمَةَ وَ التَّوْرَاةَ وَ الانجِيلَ(48) وَ رَسولاً إِلى بَنى إِسرءِيلَ أَنى قَدْ جِئْتُكُم بِئَايَة مِّن رَّبِّكمْ أَنى أَخْلُقُ لَكم مِّنَ الطينِ كَهَيْئَةِ الطيرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طيرَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِىُ الأَكمَهَ وَ الأَبْرَص وَ أُحْىِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكلُونَ وَ مَا تَدَّخِرُونَ فى بُيُوتِكمْ إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(49)
عد أهل الكوفة « التوراة و الإنجيل » آية و لم يعدوا « بني إسرائيل » لتنكر الاستئناف بأن المفتوحة و عد غيرهم « بني إسرائيل » و لم يعدوا « الإنجيل » طلبوا تمام صفة المسيح لأن تقديره و معلما و رسولا .

القراءة

قرأ أهل المدينة و عاصم و يعقوب و سهل « و يعلمه » بالياء و الباقون بالنون و قرأ نافع إني أخلق بكسر الألف و الباقون « أني » بالفتح و قرأ أهل المدينة و يعقوب طائرا و مثله في المائدة و أبو جعفر كهيئة الطائر فيهما و الباقون « طيرا » بغير ألف .

الحجة

من قرأ « و يعلمه » عطفه على قوله إن الله يبشرك و من قرأ و نعلمه جعله على نحو نحن قدرنا بينكم الموت و من فتح « أني أخلق » جعلها بدلا من آية كأنه قال و جئتكم بأني أخلق لكم و من كسر احتمل وجهين ( أحدهما ) الاستئناف و قطع الكلام مما قبله ( و الآخر ) أنه فسر الآية بقوله « أني أخلق » كما فسر الوعد في قوله وعد الله الذين آمنوا بقوله لهم مغفرة و فسر المثل في قوله كمثل آدم بقوله خلقه من تراب و هذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كمن فتح و أبدل من آية و من قرأ طائرا أراد فيكون ما أنفخ فيه أو ما أخلقه طائرا فأفرد لذلك فسر أو أراد يكون كل واحد من ذلك طائرا كما قال فاجلدوهم ثمانين جلدة أي اجلدوا كل واحد منهم .

اللغة

الحكمة و الحكم بمعنى و نظيره الذلة و الذل و الطين معروف و طنت الكتاب جعلت عليه طينا لأختمه به و طينت البيت تطيينا و الهيأة الحال الظاهرة هاء فلان يهاء هيئة و النفخ معروف نفخ ينفخ نفخا و النفاخة للماء و الكمة العمى قال سويد بن أبي كاهل :
كمهت عيناه حتى ابيضتا
فهو يلحي نفسه لما نزع
مجمع البيان ج : 2 ص : 752
و الإدخار الافتعال من الدخر و جوز النحويون تذخرون بالذال .

الإعراب

موضع يعلمه يحتمل أن يكون نصبا بالعطف على وجيها و يحتمل أن يكون لا موضع له من الإعراب لأنه عطف على جملة لا موضع لها من الإعراب و هي قوله كذلك الله يخلق ما يشاء و قيل هو عطف على نوحيه إليك و هذا لا يجوز لأنها تخرج من معنى البشارة لمريم و رسولا نصب على تقدير و نجعله رسولا فحذف لدلالة البشارة عليه و يجوز أن يكون نصبا على الحال عطفا على وجيها لا أنه في ذلك الوقت يكون رسولا بل بمعنى أنه يرسل رسولا و قال الزجاج المعنى يكلمهم رسولا بأني قد جئتكم و لو قرأت بالكسر إني قد جئتكم لكان صوابا و المعنى يقول إني قد جئتكم و موضع « أني أخلق لكم » يحتمل أن يكون خفضا و رفعا فالخفض على البدل من آية و الرفع على ما ذكرناه قبل و « بما تأكلون » جائز أن يكون ما هنا بمعنى الذي أي بما تأكلونه و تدخرونه و يجوز أن يكون بمعنى المصدر أي أنبئكم بأكلكم و ادخاركم و الأول أجود .

المعنى

« و يعلمه الكتاب » أراد الكتابة عن ابن جريج قال أعطى الله عيسى تسعة أجزاء من الخط و سائر الناس جزءا و قيل أراد به بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه سوى التوراة و الإنجيل مثل الزبور و غيره عن أبي علي الجبائي و هو أليق بالظاهر « و الحكمة » أي الفقه و علم الحلال و الحرام عن ابن عباس كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال أوتيت القرآن و مثليه قالوا أراد به السنن و قيل أراد بذلك جميع ما علمه من أصول الدين « و التوراة و الإنجيل » إن قيل لم أفردهما بالذكر مع دخولهما في الحكمة قيل تنبيها عن جلالة موقعهما كقوله و ملائكته و رسله و جبريل و ميكال و قطع هاهنا قصة مريم و ولادتها و يأتي تمام قصتها في سورة مريم و ابتدأ بقصة عيسى فقال « و رسولا إلى بني إسرائيل » و قد ذكرنا تقديره و معناه يدور عليه « أني قد جئتكم » أي قال لهم و كلمهم لما بعث إليهم بأني قد جئتكم « ب آية » أي بدلالة و حجة « من ربكم » دالة على نبوتي ثم حذف الباء فوصل الفعل « أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير » معناه و هذه الآية أني أقدر لكم و أصور لكم من الطين مثل صورة الطير « فأنفخ فيه » أي في الطير المقدر من الطين و قال في موضع آخر فيها أي في الهيأة المقدرة « فيكون طيرا بإذن الله » و قدرته و قيل بأمر الله تعالى و إنما وصل قوله « بإذن الله » بقوله « فيكون طيرا » دون ما قبله لأن تصور الطين على هيئة الطير و النفخ فيه مما يدخل تحت مقدور العباد فأما جعل الطين طيرا حتى يكون لحما و دما و خلق الحياة فيه فيما لا يقدر عليه غير الله فقال « بإذن الله » ليعلم أنه من فعله تعالى و ليس
مجمع البيان ج : 2 ص : 753
بفعل عيسى و في التفسير أنه صنع من الطين كهيئة الخفاش و نفخ فيه فصار طائرا « و أبرىء الأكمه » أي الذي ولد أعمى عن ابن عباس و قتادة و قيل هو الأعمى عن الحسن و السدي « و الأبرص » الذي به وضح و قال وهب و ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه و من لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه و إنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان « و أحيي الموتى بإذن الله » إنما أضاف الإحياء إلى نفسه على وجه المجاز و التوسع و لأن الله تعالى كان يحيي الموتى عند دعائه و قيل أنه أحيا أربعة أنفس عازر و كان صديقا له و كان قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته انطلقي بنا إلى قبره ثم قال اللهم رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك و أخبرهم بأني أحيي الموتى فأحي عازر فخرج من قبره و بقي و ولد له و ابن العجوز مر به مبيتا على سريره فدعا الله عيسى (عليه السلام) فجلس على سريره و نزل عن أعناق الرجال و لبس ثيابه و رجع إلى أهله و بقي و ولد له و ابنة العاشر قيل له أ تحييها و قد ماتت أمس فدعا الله فعاشت و بقيت و ولدت و سام بن نوح دعا عليه باسم الله الأعظم فخرج من قبره و قد شاب نصف رأسه فقال قد قامت القيامة قال لا و لكني دعوتك باسم الله الأعظم قال و لم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان لأن سام بن نوح قد عاش خمس مائة سنة و هو شاب ثم قال له مت قال بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل و قال الكلبي كان يحيي الأموات بيا حي يا قيوم و إنما خص عيسى (عليه السلام) بهذه المعجزات لأن الغالب كان في زمانه الطب فأراهم الله الآيات من جنس ما هم عليه لتكون المعجزة أظهر كما أن الغالب لما كان في زمن موسى السحر أتاهم من جنس ذلك بما أعجزهم عن الإتيان بمثله و كان الغالب في زمان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) البيان و البلاغة و الفصاحة فأراهم الله تعالى المعجزة بالقرآن الذي بهرهم ما فيه من عجائب النظم و غرائب البيان ليكون أبلغ في باب الإعجاز بأن يأتي كلا من أمم الأنبياء بمثل ما هم عليه و يعجزون عن الإتيان بمثله إذ لو أتاهم بما لا يعرفونه لكان يجوز أن يخطر ببالهم أن ذلك مقدور للبشر غير أنهم لا يهتدون إليه « و أنبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم » أي أخبركم بالذي تأكلونه و تدخرونه كان يقول للرجل تغديت بكذا و كذا و رفعت إلى الليل كذا و كذا « إن في ذلك » أي فيما ذكرت لكم « لآية » أي حجة و معجزة و دلالة « لكم إن كنتم مؤمنين » بالله إذ كان
مجمع البيان ج : 2 ص : 754
لا يصح العلم بمدلول المعجزة إلا لمن آمن بالله لأن العلم بالمرسل لا بد أن يكون قبل العلم بالرسول و في الآية دلالة على أن عيسى (عليه السلام) كان مبعوثا إلى جميع بني إسرائيل و قوله « أني أخلق لكم » يدل على أن العبد يحدث و يفعل و يخلق خلافا لقول المجبرة لكن الخالق على الإطلاق هو الله تعالى .
وَ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَ لأُحِلَّ لَكم بَعْض الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكمْ وَ جِئْتُكم بِئَايَة مِّن رَّبِّكمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللَّهَ رَبى وَ رَبُّكمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صرَاطٌ مُّستَقِيمٌ(51)

اللغة

الفرق بين التصديق و التقليد أن التصديق لا يكون إلا فيما تبرهن عند صاحبه و التقليد قد يكون فيما لا يتبرهن و لهذا لا نكون مقلدين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و إن كنا مصدقين له و الإحلال هو الإطلاق للفعل بتحسينه و التحريم هو حظر الفعل بتقبيحه و الاستقامة خلاف الاعوجاج .

الإعراب

مصدقا نصب على الحال و تقديره و جئتكم مصدقا لأن أول الكلام يدل عليه و نظيره جئته بما يجب و معرفا له و لا يكون عطفا لا على وجيها و لا رسولا لقوله « لما بين يدي » و لم يقل لما بين يديه و قال أبو عبيدة أراد بقوله « بعض الذي حرم » كل الذي حرم و يستشهد بقول لبيد :
تراك أمكنة إذا لم أرضها
أو يعتلق بعض النفوس حمامها قال معناه أو تعتلق كل النفوس و أنكر الزجاج ذلك و قال معناه أو تعتلق نفسي حمامها و خطأ أبا عبيدة من وجهين ( أحدهما ) أن البعض لا يكون بمعنى الكل ( و الثاني ) أنه لا يجوز تحليل جميع المحرمات لأنه يدخل الكذب و الظلم و القتل في ذلك .

المعنى

« و مصدقا لما بين يدي » أي لما أنزل قبلي من التوراة و ما فيه البشارة بي و من أرسل قبلي من الأنبياء « و لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم » هذا معطوف على معنى قوله « مصدقا » و تقديره و لأصدق ما بين يدي من التوراة و لأحل لكم كما تقول جئته
مجمع البيان ج : 2 ص : 755
معتذرا و لأجتلب عطفه و قيل إن الذي أحل لهم لحوم الإبل و الشروب و بعض الطيور و الحيتان مما كان قد حرم على بني إسرائيل عن قتادة و الربيع و ابن جريج و وهب و قيل أحل لكم السبت عن الكلبي « و جئتكم ب آية من ربكم » أي بحجة تشهد بصدقي « فاتقوا الله » في مخالفتي و تكذيبي « و أطيعون » كما أمركم الله به « إن الله ربي و ربكم » أي مالكي و مالككم و إنما قال ذلك ليكون حجة على النصارى في قولهم المسيح ابن الله و المعنى لا تنسبوني إليه فأنا عبده كما أنكم عبيد له « فاعبدوه » وحده « هذا صراط مستقيم » أي دين الله أي عبادته دين مستقيم و قد استوفينا الكلام في الرب و في الصراط المستقيم في سورة الحمد .
* فَلَمَّا أَحَس عِيسى مِنهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصارِى إِلى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نحْنُ أَنصارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَ اشهَدْ بِأَنَّا مُسلِمُونَ(52) رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلْت وَ اتَّبَعْنَا الرَّسولَ فَاكتُبْنَا مَعَ الشهِدِينَ(53) وَ مَكرُوا وَ مَكرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيرُ الْمَكِرِينَ(54)

اللغة

الإحساس الإدراك بالحاسة و الحس القتل لأنه يحس بالمه و الحس العطف لإحساس الرقة على صاحبه و الأنصار جمع نصير كالأشراف جمع شريف و أصل الحواري الحور و هو شدة البياض و منه الحواري من الطعام لشدة بياضه قال الحرث بن حلزة :
فقل للحواريات يبكين غيرنا
و لا تبكنا إلا الكلاب النوابح يعني النساء لبياضهن و الشاهد هو المخبر بالشيء عن مشاهدة هذا حقيقة و قد يتصرف فيه فيقال البرهان شاهد بحق أي هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة و يقال هذا شاهد أي معد للشهادة و المكر الالتفاف و منه قولهم لضرب من الشجر مكر لالتفافه و الممكورة من النساء الملتفة الخلق و حد المكر حب يختدع به العبد لإيقاعه في الضر و الفرق بين المكر و الحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد و المكر حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق .

الإعراب

قيل إن إلى بمعنى مع كقولهم الذود إلى الذود إبل أي مع الذود قال
مجمع البيان ج : 2 ص : 756
الزجاج لا يجوز أن يقال أن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر و إنما معنى هذا أن اللفظ لو عبر عنه بمع أفاد هذا المعنى لا أن إلى بمعنى مع لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن يقول ذهب زيد مع عمرو لأن إلى غاية و مع يضم الشيء إلى الشيء و الحروف قد تتقارب في الفائدة فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد من ذلك قوله تعالى و لأصلبنكم في جذوع النخل و لو كانت على هاهنا لأدت هذه الفائدة و أصل في إنما هو للوعاء و أصل على لما علا الشيء فقولك التمر في الجراب لو قلت على الجراب لم يصح ذلك و لكن جاز في جذوع النخل لأن الجذع مشتمل على المصلوب لأنه قد أخذه من أقطاره و لو قلت زيد على الجبل أو في الجبل يصلح لأن الجبل قد اشتمل على زيد فعلى هذا مجاز هذه الحروف .

المعنى

« فلما أحس » أي وجد و قيل أبصر و رأى و قيل علم « عيسى منهم الكفر » و أنهم لا يزدادون إلا إصرارا على الكفر بعد ظهور الآيات و المعجزات امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال و التعريف عما في اعتقادهم من نصرته ف « قال من أنصاري إلى الله » و قيل أنه لما عرف منهم العزم على قتله قال « من أنصاري إلى الله » و فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه من أعواني على هؤلاء الكفار مع معونة الله عن السدي و ابن جريج ( و الثاني ) أن معناه من أنصاري في السبيل إلى الله عن الحسن لأنه دعاهم إلى سبيل الله ( و الثالث ) أن معناه من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله أي إلى نيل ثوابه كقوله إني ذاهب إلى ربي سيهدين و مما يسأل على هذا أن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب فلم استنصر عليهم فيقال لهم للجماعة من الكافرين الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة عن الحسن و مجاهد و قيل أيضا يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة و لتميز الموافق من المخالف « قال الحواريون » و اختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال ( أولها ) أنهم سموا بذلك لنقاء ثيابهم عن سعيد بن جبير ( و ثانيها ) أنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب عن ابن أبي نجيح عن أبي أرطاة ( و ثالثها ) أنهم كانوا صيادين يصيدون السمك عن ابن عباس و السدي ( و رابعها ) أنهم كانوا خاصة الأنبياء عن قتادة و الضحاك و هذا أوجه لأنهم مدحوا بهذا الاسم كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير و يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)
مجمع البيان ج : 2 ص : 757
أنه قال الزبير ابن عمتي و حواريي من أمتي و قال الحسن الحواري الناصر و الحواريون الأنصار و قال الكلبي و أبو روق الحواريون أصفياء عيسى و كانوا اثني عشر رجلا و قال عبد الله بن المبارك سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة و نورها و حسنها كما قال تعالى سيماهم في وجوههم من أثر السجود « نحن أنصار الله » معناه نحن أعوان الله على الكافرين من قومك أي أعوان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أعوان دين الله « آمنا بالله » أي صدقنا بالله أنه واحد لا شريك له « و اشهد » يا عيسى « بأنا مسلمون » أي لنا كن شهيدا عند الله أشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة كما قال تعالى و يوم نبعث من كل أمة شهيدا « ربنا » أي يا ربنا « آمنا بما أنزلت » على عيسى « و اتبعنا الرسول » أي اتبعناه « فاكتبنا مع الشاهدين » أي في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت لنفوز بما فازوا به و ننال ما نالوا من كرامتك و قيل معناه و اجعلنا مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أمته عن ابن عباس و قد سماهم الله شهداء بقوله لتكونوا شهداء على الناس أي من الشاهدين بالحق من عندك هذا كله حكاية قول الحواريين و روي أنهم اتبعوا عيسى و كانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما و إذا عطشوا قالوا يا روح الله عطشنا فيضرب بيده على الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج ماء فيشربون قالوا يا روح الله من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا و إذا شئنا سقيتنا و قد آمنا بك و اتبعنا قال أفضل منكم من يعمل بيده و يأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء و قوله « و مكروا » يعني كفار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقوله فلما أحس عيسى منهم الكفر الآية و معناه دبروا لقتل عيسى (عليه السلام) « و مكر الله » أي جازاهم على مكرهم و سمي المجازاة على المكر مكرا كما قال الله تعالى الله يستهزىء بهم و جاء في التفسير أن عيسى بعد إخراج قومه إياه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين و صاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله و تواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم به و مكر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل و صلب و رفع عيسى إلى السماء و قال ابن عباس لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى (عليه السلام) دخل خوخته و فيها كوة فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء و قال الملك لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه و صلبوه و ظنوا أنه عيسى و قال وهب أسروه و نصبوا له خشبة ليصلبوه فأظلمت الأرض و أرسل الله الملائكة فحالوا بينه و بينهم فأخذوا رجلا يقال له يهوذا و هو الذي دلهم على المسيح و ذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة و أوصاهم ثم قال ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك و يبيعني بدراهم
مجمع البيان ج : 2 ص : 758
يسيرة فخرجوا و تفرقوا و كانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين إليهم فقال ما تجعلوا لي أن أدلكم عليه فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها و دلهم عليه فألقى الله عليه شبه عيسى (عليه السلام) لما دخل البيت و رفع عيسى فأخذ فقال أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله و صلبوه و هم يظنون أنه عيسى فلما صلب شبه عيسى (عليه السلام) و أتى على ذلك سبعة أيام قال الله عز و جل لعيسى اهبط على مريم لتجمع لك الحواريين و تبثهم في الأرض دعاة فهبط و اشتعل الجبل نورا فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله سبحانه و تلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى (عليه السلام) إليهم فذلك قوله تعالى « و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين » أي أفضل المعاونين و قيل أنصف الماكرين و أعدلهم لأن مكرهم ظلم و مكره عدل و إنصاف و إنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام كما قال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و الثاني ليس باعتداء و إنما هو جزاء و هذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة و المطابقة و المقابلة فالمجانسة كقوله تتقلب فيه القلوب و الأبصار و المطابقة كقوله « ما ذا أنزل ربكم قالوا خيرا » بالنصب على مطابقة السؤال و المقابلة نحو قوله « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة و وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة » .
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسى إِنى مُتَوَفِّيك وَ رَافِعُك إِلىَّ وَ مُطهِّرُك مِنَ الَّذِينَ كفَرُوا وَ جَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوك فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيَمَةِ ثُمَّ إِلىَّ مَرْجِعُكمْ فَأَحْكمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55)

الإعراب

العامل في « إذ » قوله « و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين » إذ قال و يحتمل أن يكون تقديره ذاك إذ قال الله و تمثيله ذاك واقع إذ قال الله ثم حذفت واقع و هو العامل في إذ و أقيمت إذ مقامه و « عيسى » في موضع الضم لأنه منادي مفرد لكن لا يتبين فيه الإعراب لأنه منقوص و هو لا ينصرف لاجتماع العجمة و التعريف .

المعنى

لما بين سبحانه ما هم به قوم عيسى من المكر به و قتله عقبه بما أنعم عليه من لطف التدبير و حسن التقدير فقال « إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك » و قيل في
مجمع البيان ج : 2 ص : 759
معناه أقوال ( أحدها ) أن المراد به إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت عن الحسن و كعب و ابن جريج و ابن زيد و الكلبي و غيرهم و على هذا القول يكون للمتوفي تأويلان ( أحدهما ) إني رافعك إلى وافيا لم ينالوا منك شيئا من قولهم توفيت كذا و استوفيته أي أخذته تاما ( و الآخر ) إني متسلمك من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته ( و ثانيها ) إني متوفيك وفاة نوم و رافعك إلى في النوم عن الربيع قال رفعه نائما و يدل عليه قوله « و هو الذي يتوفاكم بالليل » أي يميتكم لأن النوم أخو الموت و قال الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها الآية ( و ثالثها ) إني متوفيك وفاة نوم عن ابن عباس و وهب قالا أماته الله ثلاث ساعات فأما النحويون فيقولون هو على التقديم و التأخير أي إني رافعك و متوفيك لأن الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله فكيف كان عذابي و نذر و النذر قبل العذاب بدلالة قوله « و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا » و هذا مروي عن الضحاك و يدل عليه ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال إن عيسى بن مريم لم يمت و أنه راجع إليكم قبل يوم القيامة و قد صح عنه (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم و إمامكم منكم رواه البخاري و مسلم في الصحيح فعلى هذا يكون تقديره إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء و قوله « و رافعك إلي » فيه قولان ( أحدهما ) إني رافعك إلى سمائي و سمي رفعه إلى السماء رفعا إليه تفخيما لأمر السماء يعني رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري ( و الآخر ) أن معناه رافعك إلى كرامتي كما قال حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) إني ذاهب إلى ربي سيهدين أي إلى حيث أمرني ربي سمي ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه و قوله « و مطهرك من الذين كفروا » و فيه قولان ( أحدهما ) مطهرك بإخراجك من بينهم و إنجائك منهم فإنهم أرجاس جعل مقامه فيما بينهم كملاقاة النجاسة من حيث كان يحتاج إلى مجاورتهم و مجاراتهم ( و الآخر ) أن تطهيره منعه من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به لأن ذلك رجس طهره الله منه عن الجبائي و قوله « و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة » معناه و جعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك و كذبوك في العز و الغلبة و الظفر و النصرة و قيل في البرهان و الحجة و المعني به النصارى قال ابن زيد و لهذا لا ترى اليهود حيث كانوا إلا أذل من النصارى و لهذا أزال الملك عنهم و إن كان ثابتا في النصارى على بلاد الروم و غيرها فهم أعز منهم و فوقهم إلى يوم القيامة و قال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة كما للروم و قيل المعني به أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و إنما سماهم تبعا و إن كانت لهم شريعة على حدة لأنه وجد فيهم التبعية صورة و معنى أما صورة فإنه يقال فلان يتبع فلانا إذا جاء بعده و أما معنى فلأن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) كان
مجمع البيان ج : 2 ص : 760
مصدقا بعيسى و بكتابه و يقال لمن يصدق غيره أنه يتبعه على أن شريعة نبينا و سائر الأنبياء متحدة في أبواب التوحيد فعلى هذا هو متبع له إذ كان معتقدا اعتقاده و قائلا بقوله و هذا القول أوجه لأن فيه ترغيبا في الإسلام و دلالة على أن أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) يكونون ظاهرين إلى يوم القيامة و لأن من دعاه إلها لا يكون في الحقيقة تابعا له « ثم إلي مرجعكم » أي مصيركم « فأحكم بينكم » فأقضي بينكم « فيما كنتم فيه تختلفون » من أمر عيسى .
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شدِيداً فى الدُّنْيَا وَ الاَخِرَةِ وَ مَا لَهُم مِّن نَّصرِينَ(56) وَ أَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ اللَّهُ لا يُحِب الظلِمِينَ(57) ذَلِك نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنَ الاَيَتِ وَ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ(58)

القراءة

قرأ حفص و رويس عن يعقوب فيوفيهم بالياء و الباقون بالنون .

الحجة

من قرأ بالنون فهو مثل « فأعذبهم » و يحسنه قوله « ذلك نتلوه عليك من الآيات » و من قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم في قوله إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك و رافعك أو صار من لفظ الخطاب إلى الغيبة كقوله فأولئك هم المضعفون بعد قوله و ما آتيتم من زكاة .

الإعراب

« نتلوه عليك » في موضع رفع بأنه خبر « ذلك » و يجوز أن يكون صلة لذلك و يكون ذلك بمعنى الذي فعلى هذا لا موضع لقوله « نتلوه » و تقديره الذي نتلوه و قوله « من الآيات » في موضع رفع بأنه خبره و أنشدوا في مثله :
عدس ما لعباد عليك إمارة
نجوت و هذا تحملين طليق تقديره و الذي تحملين طليق .

المعنى

« فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا و الآخرة » عذابهم في الدنيا إذلالهم بالقتل و الأسر و السبي و الخسف و الجزية و كل ما فعل على وجه
مجمع البيان ج : 2 ص : 761
الاستخفاف و الإهانة و في الآخرة عذاب الأبد في النار « و ما لهم من ناصرين » أي أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى « و أما الذين آمنوا و عملوا الصالحات فيوفيهم » أي يوفر عليهم و يتمم « أجورهم » أي جزاء أعمالهم « و الله لا يحب الظالمين » أي لا يريد تعظيمهم و إثابتهم و لا يرحمهم و لا يثني عليهم و هذه الآية حجة على من قال بالإحباط لأنه سبحانه وعد بتوفية الأجر و هو الثواب و التوفية منافية للإحباط « ذلك » إشارة إلى الإخبار عن عيسى و زكريا و يحيى و غيرهم « نتلوه عليك » نقرأه عليك و نكلمك به و قيل نأمر جبرائيل أن يتلوه عليك عن الجبائي « من الآيات » أي من جملة الآيات و الحجج الدالة على صدق نبوتك إذا علمتهم بما لا يعلمه إلا قارىء كتاب أو معلم و لست بواحد منها فلم يبق إلا أنك قد عرفته من طريق الوحي « و الذكر الحكيم » القرآن المحكم و إنما وصفه بأنه حكيم لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة كما تسمى الدلالة دليلا لأنها بما فيها من البيان كأنها تنطق بالبيان و البرهان و إن كان الدليل في الحقيقة هو الدال .
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِن رَّبِّك فَلا تَكُن مِّنَ الْمُمْترِينَ(60) فَمَنْ حَاجَّك فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَك مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَ أَبْنَاءَكمْ وَ نِساءَنَا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنفُسنَا وَ أَنفُسكُمْ ثُمَّ نَبْتهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَت اللَّهِ عَلى الْكذِبِينَ(61)

اللغة

المثل ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول و تعالوا أصله من العلو يقال تعاليت أتعالى أي جئت و أصله المجيء إلى ارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلم و قيل في الابتهال قولان ( أحدهما ) أنه بمعنى الالتعان و افتعلوا بمعنى تفاعلوا كقولهم اشتوروا بمعنى تشاوروا مهلة الله أي لعنه الله و عليه مهلة الله أي لعنة الله ( و الآخر ) أنه بمعنى الدعاء بالهلاك قال لبيد :
نظر الدهر إليهم فابتهل أي دعا عليهم بالهلاك فالبهل كاللعن و هو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته و لذلك لا
مجمع البيان ج : 2 ص : 762
يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما .

الإعراب

قوله « خلقه من تراب » لا موضع له من الإعراب لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم من حيث هو نكرة و لا يكون حالا له لأنه ماض فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ بعلامة من علامات الاتصال فيكون الرفع على تقدير فهو يكون و « الحق » رفع لأنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربك فحذف ذلك لدلالة شاهد الحال عليه كما يقال الهلال و الله أي هذا الهلال و قيل الحق مبتدأ و خبره قوله « من ربك » .

النزول

قيل نزلت الآيات في وفد نجران العاقب و السيد و من معهما قالوا لرسول الله هل رأيت ولدا من غير ذكر فنزل « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم » الآيات فقرأها عليهم عن ابن عباس و قتادة و الحسن فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة عد من يومهم ذلك فلما رجعوا إلى رجالهم قال لهم الأسقف انظروا محمدا في غد فإن غدا بولده و أهله فاحذروا مباهلته و إن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شيء فلما كان الغد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) آخذا بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الحسن (عليه السلام) و الحسين (عليه السلام) بين يديه يمشيان و فاطمة (عليهاالسلام) تمشي خلفه و خرج النصارى يقدمهم أسقفهم فلما رأى النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له هذا ابن عمه و زوج ابنته و أحب الخلق إليه و هذان ابنا بنته من علي (عليه السلام) و هذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه و أقربهم إلى قلبه و تقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فجشا على ركبتيه قال أبو حارثة الأسقف جثا و الله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع و لم يقدم على المباهلة فقال السيد ادن يا أبا حارثة للمباهلة فقال لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة و أنا أخاف أن يكون صادقا و لئن كان صادقا لم يحل و الله علينا الحول و في الدنيا نصراني يطعم الماء فقال الأسقف يا أبا القاسم إنا لا نباهلك و لكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهما فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك و على عارية ثلاثين درعا و ثلاثين رمحا و ثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد و رسول الله ضامن حتى يؤديها و كتب لهم بذلك كتابا و روي أن الأسقف قال لهم إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة و قال النبي و الذي نفسي بيده لو لا عنوني لمسخوا قردة و خنازير و لاضطرم الوادي عليهم نارا و لما حال الحول
مجمع البيان ج : 2 ص : 763
على النصارى حتى يهلكوا كلهم قالوا فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد و العاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي و أهدى العاقب له حلة و عصا و قدحا و نعلين و أسلما .

المعنى

ثم رد الله تعالى على النصارى قولهم في المسيح أنه ابن الله فقال « إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم » أي مثل عيسى في خلق الله إياه من غير أب كمثل آدم في خلق الله إياه من غير أب و لا أم فليس هو بأبدع و لا أعجب من ذلك فكيف أنكروا هذا و أقروا بذلك ثم بين سبحانه كيف خلقه فقال « خلقه » أي أنشأه « من تراب » و هذا إخبار عن آدم و معناه خلق عيسى من الريح و لم يخلق قبل أحدا من الريح كما خلق آدم من التراب و لم يخلق قبله أحدا من التراب « ثم قال له » أي لآدم و قيل لعيسى « كن » أي كن حيا بشرا سويا « فيكون » أي فكان في الحال على ما أراد و قد مر تفسير هذه الكلمة فيما قبل في سورة البقرة مشروحا و في هذه الآية دلالة على صحة النظر و الاستدلال لأن الله احتج على النصارى و دل على جواز خلق عيسى من غير أب كخلقه آدم من غير أب و لا أم « الحق من ربك » أي هذا هو الحق من ربك أضاف إلى نفسه تأكيدا و تعليلا أي هو الحق لأنه من ربك « فلا تكن » أيها السامع « من الممترين » و قد مر تفسيره في سورة البقرة « فمن حاجك » معناه فمن خاصمك و جادلك يا محمد « فيه » أي في قصة عيسى « من بعد ما جاءك من العلم » أي من البرهان الواضح على أنه عبدي و رسولي عن قتادة في معناه و قيل فمن حاجك في الحق و الهاء في فيه عائدة إلى قوله « الحق من ربك » « فقل » يا محمد لهؤلاء النصارى « تعالوا » إلى كلمة أي هلموا إلى حجة أخرى ماضية فاصلة تميز الصادق من الكاذب « ندع أبناءنا و أبناءكم » أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن و الحسين قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الحسن و الحسين ابنا رسول الله و أن ولد الابنة ابن في الحقيقة و قال ابن أبي علان و هو أحد أئمة المعتزلة هذا يدل على أن الحسن و الحسين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين و قال أصحابنا إن صغر السن و نقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل و إنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية و قد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة و يخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم و دلالة على مكانهم من الله تعالى و اختصاصهم و مما يؤيده من الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا « و نساءنا » اتفقوا على أن المراد به فاطمة (عليهاالسلام) لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء و هذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع
مجمع البيان ج : 2 ص : 764
النساء و يعضده ما جاء في الخبر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها و قال إن الله يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضائها و قد صح عن حذيفة أنه قال سمعت النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) يقول أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أو نساء أمتي و عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت أسر النبي إلى فاطمة شيئا فضحكت فسألتها فقالت قال لي أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك « و نساءكم » أي من شئتم من نسائكم « و أنفسنا » يعني عليا خاصة و لا يجوز أن يكون المعني به النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأنه هو الداعي و لا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه و إنما يصح أن يدعو غيره و إذا كان قوله « و أنفسنا » لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين علي و زوجته و ولديه في المباهلة و هذا يدل على غاية الفضل و علو الدرجة و البلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد إذ جعله الله نفس الرسول و هذا ما لا يدانيه فيه أحد و لا يقاربه و مما يعضده من الروايات ما صح عن النبي إنه سأل عن بعض أصحابه فقال له قائل فعلي فقال ما سألتني عن الناس و لم تسألني عن نفسي و قوله لبريدة الأسلمي يا بريدة لا تبغض عليا فإنه مني و أنا منه إن الناس خلقوا من شجر شتى و خلقت أنا و علي من شجرة واحدة و قوله (عليه السلام) بأحد و قد ظهرت نكايته في المشركين و وقايته إياه بنفسه حتى قال جبرائيل إن هذا لهي المواساة فقال يا جبرائيل أنه مني و أنا منه فقال جبرائيل و أنا منكما « و أنفسكم » يعني من شئتم من رجالكم « ثم نبتهل » أي نتضرع في الدعاء عن ابن عباس و قيل نلتعن فنقول لعن الله الكاذب « فنجعل لعنة الله على الكاذبين » منا و في هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي لأنهم امتنعوا عن المباهلة و أقروا بالذل و الخزي لقبول الجزية فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال و لو لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه لما أدخل أولاده و خواص أهله في ذلك مع شدة إشفاقه عليهم .
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصص الْحَقُّ وَ مَا مِنْ إِلَه إِلا اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(62) فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمُ بِالْمُفْسِدِينَ(63)

اللغة

القصص القصة و فعل بمعنى مفعول كالنقض و القبض و القصص جمع القصة و يقال اقتصصت الحديث و قصصته قصا و قصصا رويته على جهته و هو من اقتصصت
مجمع البيان ج : 2 ص : 765
الأثر أي اتبعته و منه اشتق القصاص و القصص الخبر الذي تتابع فيه المعاني و التولي عن الحق اعتقاد خلافه لأنه كالإدبار عنه بعد الإقبال عليه و أصل التولي كون الشيء يلي غيره من غير فصل بينه و بينه و الإفساد إيقاع الشيء على خلاف ما توجبه الحكمة و الإصلاح إيقاعه على ما توجبه الحكمة و الفرق بين الفساد و القبيح أن الفساد تغيير عن المقدار الذي تدعو إليه الحكمة و ليس كذلك القبيح لأنه ليس فيه معنى المقدار و إنما هو ما تزجر عنه الحكمة كما أن الحسن ما تدعو إليه الحكمة .

الإعراب

« ما من إله إلا الله » دخول من فيه لعموم النفي لكل إله غير الله و إنما أفادت من هذا المعنى لأن أصلها لابتداء الغاية فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها و قوله « لهو » يجوز أن يكون هو فصلا و يسميه الكوفيون عمادا فلا يكون له موضع من الإعراب و يكون « القصص » خبر إن و يجوز أن يكون مبتدأ و القصص خبره و الجملة خبر إن .

المعنى

« أن هذا لهو القصص الحق » معناه أن هذا الذي أوحينا إليك في أمر عيسى (عليه السلام) و غيره لهو الحديث الصدق فمن خالفك فيه مع وضوح الأمر فهو معاند « و ما من إله إلا الله » أي و ما لكم أحد يستحق إطلاق اسم الإلهية إلا الله و أن عيسى ليس بإله كما زعموا و إنما هو عبد الله و رسوله و لو قالوا ما إله إلا الله بغير « من » لم يفد هذا المعنى « و إن الله لهو العزيز » أي القادر على الكمال « الحكيم » في الأقوال و الأفعال و التقدير و التدبير « فإن تولوا » أي فإن أعرضوا عن اتباعك و تصديقك و عما أتيت به من الدلالات و البينات « فإن الله عليم بالمفسدين » أي بمن يفسد من خلقه فيجازيهم على إفسادهم و إنما ذكر ذلك على جهة الوعيد و إلا فإنه تعالى عليم بالمفسد و المصلح جميعا و نظيره قول القائل لغيره أنا عالم بشرك و فسادك و قيل معناه أنه عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق و بأنهم لا يقدمون على مباهلتك لمعرفتهم بنبوتك .

مجمع البيان ج : 2 ص : 766
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْا إِلى كلِمَة سوَاءِ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَ لا نُشرِك بِهِ شيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشهَدُوا بِأَنَّا مُسلِمُونَ(64)

اللغة

قال الزجاج معنى كلمة كلام فيه شرح قصة و إن طال و لذلك تقول العرب للقصيدة كلمة ، يروى أن حسان بن ثابت كان إذا قيل له أنشدنا قال هل أنشد كلمة الحويدرة يعني قصيدته التي أولها :
بكرت سمية غدوة فتمنع و معنى سواء أي عدل و سوي بمعناه قال زهير :
أروني خطة لا ضيم فيها
يسوي بيننا فيها السواء
فإن ترك السواء فليس بيني
و بينكم بني حصن بقاء و قيل سواء مستو هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل و معناه إلى كلمة مستوية و هو عند الزجاج اسم ليس بصفة و إنما جر بتقدير ذات سواء و جوز نصبه على المصدر .

الإعراب

موضع « ألا نعبد » فيه وجهان ( أحدهما ) أن يكون في موضع جر على البدل من « كلمة » فكأنه قال تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله ( و الآخر ) أن يكون في موضع رفع على تقدير هي أن لا نعبد إلا الله و لو قرىء أن لا نعبد بالرفع كان أن هي المخففة من المثقلة فكأنه قال أنه لا نعبد إلا الله كقوله « أ فلا يرون ألا يرجع إليهم قولا » و على هذا يثبت النون في الخط و يكون أن من العوامل في الأسماء و على الأول يكون من العوامل في الأفعال و لا يثبت في الخط النون و لو قرىء أن لا نعبد إلا الله بالإسكان فأن مفسرة كالتي في قوله أن امشوا و لا نعبد نهي .

النزول

قيل في سبب نزول الآية أقوال ( أحدها ) أنها نزلت في نصارى نجران عن الحسن و السدي و ابن زيد و محمد بن جعفر بن الزبير ( و ثانيها ) أنها نزلت في يهود المدينة عن قتادة و الربيع و ابن جريج و قد رواه أصحابنا أيضا ( و ثالثها ) أنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب على الظاهر عن أبي علي الجبائي و هذا أولى لعمومه .

المعنى

لما تم الحجاج على القوم دعاهم تعالى إلى التوحيد و إلى الاقتداء بمن اتفقوا أنه كان على الحق فقال « قل » يا محمد « يا أهل الكتاب تعالوا » أي هلموا « إلى كلمة سواء » أي عدل « بيننا و بينكم » أي عادلة لا ميل لها كما يقال رجل عدل أي عادل لا ميل فيه و قيل معناه كلمة مستوية بيننا و بينكم فيها ترك العبادة لغير الله و هي « ألا نعبد
مجمع البيان ج : 2 ص : 767
إلا الله » لأن العبادة لا تحق إلا له « و لا نشرك به » في العبادة « شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله » اختلف في معناه فقيل معناه و لا يتخذ بعضنا عيسى ربا فإنه كان بعض الناس و قيل معناه أن لا نتخذ الأحبار أربابا بأن نطيعهم طاعة الأرباب لقوله « اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله » و روي عن أبي عبد الله أنه قال ما عبدوهم من دون الله و لكن حرموا لهم حلالا و أحلوا لهم حراما فكان ذلك اتخاذهم أربابا من دون الله و قد روي أيضا أنه لما نزلت هذه الآية قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) أ ما كانوا يحلون لكم و يحرمون فتأخذون بقولهم فقال نعم فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) هو ذاك « فإن تولوا » أي أعرضوا عن الإقرار بالعبودية و إن أحدا لا يستحق العبادة غيره « فقولوا » أنتم أيها المسلمون مقابلة لإعراضهم عن الحق و تجديدا للإقرار و مخالفتهم « اشهدوا بأنا مسلمون » أي مخلصون مقرون بالتوحيد و قيل مستسلمون منقادون لما أتى به النبي و الأنبياء من الله و قيل مقيمون على الإسلام و هذا تأديب من الله لعبده المؤمن و تعليم له كيف يفعل عند إعراض المخالف بعد ظهور الحجة ليعلم المبطل أن مخالفته لا يؤثر في حقه و ليدل على أن الحق يجب اتباعه من غير اعتبار بالقلة و الكثرة .
يَأَهْلَ الْكتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فى إِبْرَهِيمَ وَ مَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَ الانجِيلُ إِلا مِن بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ(65) هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْس لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ(66)

القراءة

قرأ أهل الكوفة « ها أنتم » بالمد و الهمز و قرأ أهل المدينة و أبو عمرو بغير مد و لا همز إلا بقدر خروج الألف الساكنة و قرأ ابن كثير و يعقوب بالهمزة و القصر من غير مد على وزنها عنتم و قرأ ابن عامر بالمد دون الهمز .

الحجة

الكلام في المد و الهمز كثير و الوجه أن من حقق فعلى الأصل لأنهما حرفان ها و أنتم و من لم يمد و لم يهمز فللتخفيف من غير إخلال .

اللغة

الفرق بين الحجاج و الجدال أن الحجاج يتضمن إما حجة أو شبهة في
مجمع البيان ج : 2 ص : 768
صورة الحجة و الجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحجة أو شبهة أو إيهام في الحقيقة لأن أصله من الجدل و هو شدة الفتل و الحجة هي البيان الذي شهد بصحة المقال و هو و الدلالة بمعنى واحد .

الإعراب

« ها أنتم » للتنبيه و قد كثر التنبيه في هذا و لم يكثر في ها أنت لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر و المعنى فيه واحد بعينه مما يصلح له فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه و ليس كذلك أنت لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة و إنما هو للمخاطب و خبر هؤلاء على أن أولاء بمعنى الذين و ما بعده صلة له .

النزول

قال ابن عباس و الحسن و قتادة إن أحبار اليهود و نصارى نجران اجتمعوا عند رسول الله فتنازعوا في إبراهيم فقالت اليهود ما كان إلا يهوديا و قالت النصارى ما كان إلا نصرانيا فأنزل الله هذه الآية .

المعنى

« يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم » أي لم تنازعون و تجادلون فيه و تدعون أنه على دينكم « و ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده » أي من بعد إبراهيم « أ فلا تعقلون » إن الإقامة على الدعوى من غير برهان غير جائزة في العقل فكيف يجوز الإقامة على الدعوى بعد ما ظهر فسادها فإن قيل لو دل نزول التوراة و الإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية و النصرانية لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الإسلام فالجواب أن الكل متفقون على أنه متسم باسم الإسلام غير أن اليهود ادعوا أن الإسلام هو اليهودية و النصارى ادعوا أنه هو النصرانية و التوراة و الإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم و اسمه فيهما اسم الإسلام و ليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية و النصرانية و أما القرآن و إن كان منزلا بعده ففيه وصف إبراهيم بدين الإسلام و نفي اليهودية و النصرانية عنه ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما و أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أمته الذين لهم اسم الإسلام أولى به منهم و قد قيل إن اليهود اعتقدوا أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة و اعتقد شريعته و النصارى اعتقدوا أن النصراني اسم لمن تمسك بالإنجيل و اعتقد شريعته فرد الله تعالى دعوى الفريقين و أخبر أن التوراة و الإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم فكيف يكون متمسكا بحكمهما و أما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ
مجمع البيان ج : 2 ص : 769
الإسلام عبارة عن الدين دون أحكام الشريعة فوصفناه بالإسلام كما وصفه الله به فإن قيل فهل كان إبراهيم متمسكا بشرائع الإسلام كلها التي نحن عليها قلنا أنه كان متمسكا بدين الإسلام و ببعض أحكام شريعة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا بجميعها لأن من حكم الشريعة قراءة القرآن في الصلاة و لم يكن ذلك في شريعته و إنما قلنا أنه مسلم و إن كان متمسكا ببعض أحكام الشريعة لأن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في بدو الإسلام كانوا مسلمون قبل استكمال الشرع و قبل نزول تمام القرآن و الواحد منا مسلم على الحقيقة و إن لم يعمل بجميع أحكام الشرعية « ها أنتم » يا معشر اليهود و النصارى و هو في الظاهر تنبيه على أنفسهم و المراد به التنبيه على حالهم إذ التنبيه إنما يكون فيما قد يغفل عنه الإنسان دون ما يعلمه « حاججتم » جادلتم و خاصمتم « فيما لكم به علم » معناه حاججتم و لكم به علم لوجود اسمه في التوراة و الإنجيل « فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم » أي فلم تحاجون في دينه و شرعه و ليس لكم به علم لم ينكر الله تعالى عليهم محاجتهم فيما علموه و إنما أنكر عليهم محاجتهم فيما لم يعلموا « و الله يعلم » شأن إبراهيم و دينه و كل ما ليس عليه دليل لأنه العالم لجميع المعلومات « و أنتم لا تعلمون » ذلك فلا تتكلموا فيه و لا تضيفوا إليه ما لا تعلمونه و اطلبوا علم ذلك ممن يعلمه .
مَا كانَ إِبْرَهِيمُ يهُودِيًّا وَ لا نَصرَانِيًّا وَ لَكِن كانَ حَنِيفاً مُّسلِماً وَ مَا كانَ مِنَ الْمُشرِكِينَ(67) إِنَّ أَوْلى النَّاسِ بِإِبْرَهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هَذَا النَّبىُّ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ اللَّهُ وَلىُّ الْمُؤْمِنِينَ(68)

اللغة

قد ذكرنا الأصل في اليهود و النصارى و الحنيف في سورة البقرة و أولى الذي هو بمعنى أفعل من غيره لا يثنى و لا يجمع لأنه يتضمن معنى الفعل و المصدر على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه و معنى قولنا هذا الفعل أولى من غيره أي بأن يفعل و قولنا زيد أولى من غيره معناه أنه على حال هو أحق بها من غيره و الاتباع جريان الثاني على طريقة الأول من حيث هو عليه كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق أو في التصحيح لأنه إن صح الدليل صح المدلول عليه بصحته و كذلك المأموم الذي يتبع طريقة الإمام .

<<        الفهرس        >>