جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج2 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



مجمع البيان ج : 2 ص : 636
الموت للحي على سبيل الاختراع الذي ينفرد به تعالى و لا يقدر عليه سواه « قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب » قيل في انتقاله من حجة إلى أخرى وجهان ( أحدهما ) أن ذلك لم يكن انتقالا و انقطاعا عن إبراهيم فإنه يجوز من كل حكيم إيراد حجة أخرى على سبيل التأكيد بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج و علامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل و التدبر لموقعها من الحجة المعتمد عليها ( و الثاني ) أن إبراهيم إنما قال ذلك ليبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات و إماتة الأحياء أن يقدر على إتيان الشمس من المشرق فإن كنت قادرا على ذلك فأت بها من المغرب و إنما فعل ذلك لأنه لو تشاغل معه بأني أريت اختراع الموت و الحيوة من غير سبب و لا علاج لاشتبه على كثير ممن حضر فعدل إلى ما هو أوضح لأن الأنبياء إنما بعثوا للبيان و الإيضاح و ليست أمورهم مبنية على تحاج الخصمين و طلب كل واحد منهما غلبة خصمه و قد روي عن الصادق (عليه السلام) أن إبراهيم (عليه السلام) قال له أحي من قتلته إن كنت صادقا ثم استظهر عليه مما قاله ثانيا « فبهت » الذي كفر أي تحير عند الانقطاع بما بأن من ظهور الحجة فإن قيل فهلا قال له نمرود فليأت بها ربك من المغرب قيل عن ذلك جوابان ( أحدهما ) أنه لما علم بما رأى من الآيات أنه لو اقترح ذلك لأتى به الله تصديقا لإبراهيم فكان يزداد بذلك فضيحة عدل عن ذلك ( و الثاني ) أن الله خذله و لطف لإبراهيم حتى أنه لم يأت بشبهة و لم يلبس « و الله لا يهدي القوم الظالمين » بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد و قيل معناه لا يهديهم إلى المحاجة كما يهدي أنبياءه و أولياءه و قيل معناه لا يهديهم بألطافه و تأييده إذا علم أنه لا لطف لهم و قيل لهم لا يهديهم إلى الجنة و هذا لا يعارض قوله و أما ثمود فهديناهم لأنا قد بينا معاني الهداية و وجوهها قبل عند قوله يضل به كثيرا و يهدي به كثيرا فبعضها عام لجميع المكلفين و بعضها خاص للمؤمنين و في هذه الآية دلالة على أن المعارف غير ضرورية إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجة في إثبات الصانع و فيها دلالة على فساد التقليد و حسن الحجاج و أنه تعالى إنما يعلم بأفعاله التي لا يقدر عليها غيره و في تفسير ابن عباس أن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة فعضت شفتيه فأهوى إليها بيده ليأخذها فطارت في منخره فذهب ليستخرجها فطارت في دماغه فعذبه الله بها أربعين ليلة ثم أهلكه .

مجمع البيان ج : 2 ص : 637
أَوْ كالَّذِى مَرَّ عَلى قَرْيَة وَ هِىَ خَاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِهَا قَالَ أَنى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كمْ لَبِثْت قَالَ لَبِثْت يَوْماً أَوْ بَعْض يَوْم قَالَ بَل لَّبِثْت مِائَةَ عَام فَانظرْ إِلى طعَامِك وَ شرَبِك لَمْ يَتَسنَّهْ وَ انظرْ إِلى حِمَارِك وَ لِنَجْعَلَك ءَايَةً لِّلنَّاسِ وَ انظرْ إِلى الْعِظامِ كيْف نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَينَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(259)

القراءة

قرأ أبو عمرو و ابن عامر و حمزة و الكسائي لبت بالإدغام و الباقون بالإظهار و قرأ أهل العراق غير أبي عمرو و عاصم لم يتسن و اقتد بحذف الهاء وصلا و الباقون بإثبات الهاء في الوصل و لم يختلفوا في إثباتها في الوقف و قرأ أهل الحجاز و البصرة ننشرها بضم النون الأولى و بالراء و قرأ أهل الكوفة و الشام ننشزها بالزاي و روى أبان عن عاصم ننشرها بفتح النون و ضم الشين و بالراء و قرأ حمزة و الكسائي قال اعلم موصولة الألف ساكنة الميم و الباقون « أعلم » مقطوعة الألف مرفوعة الميم .

الحجة

قال أبو علي من أدغم لبت أجرى التاء و الثاء مجرى المثلين من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان و أصول الثنايا و اتفقا في الهمس و من بين و لم يدغم فلتباين المخرجين لأن الطاء و الدال و التاء من حيز و الظاء و الذال و الثاء من حيز و من قرأ « لم يتسنه » بالهاء في الوصل فيحتمل أمرين ( أحدهما ) أن يكون الهاء لاما من السنة فيمن قال شجرة سنهاء فيكون سكون الهاء للجزم و الآخر أن يكون من السنة أيضا فيمن قال استوا و سنوات أو يكون من المسنون الذي يراد به المتغير كأنه لم يتسن ثم قلب على حد القلب في لم يتظن و حكي أن أبا عمرو الشيباني إلى هذا كان يذهب في هذا الحرف فالهاء في « يستنه » على هذين القولين يكون للوقف فينبغي أن يلحق في الوقف و يسقط في الدرج و أما قوله اقتده فيجوز أن يكون الهاء كناية عن المصدر و لا يكون التي للوقف و لكن لما ذكر الفعل دل على مصدره فأضمره كما أضمر في قوله « و لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم » و قال الشاعر :
غدا سراقة للقرآن يدرسه
و المرء عند الرشى إن يلقها ذئب
مجمع البيان ج : 2 ص : 638
فالهاء في يدرسه للمصدر لا يجوز أن يكون للمفعول لأن الفعل قد تعدى إلى المفعول باللام فلا يجوز أن يتعدى إليه مرة ثانية و كذلك قوله فبهداهم اقتده يكون اقتد الاقتداء فيضمر لدلالة الفعل عليه و من قرأ كيف ننشرها فمعناه كيف نحييها يقال أنشر الله الميت فنشر و قد وصفت العظام بالإحياء قال تعالى من يحيي العظام و هي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة و كذلك في قوله ننشرها و من قرأ « ننشزها » بالزاء فالنشز الارتفاع قال أبو الحسن نشزوا نشزته فتقدير ننشزها نرفع بعضها إلى بعض للإحياء و من هذا النشوز من المرأة و هو أن تنبو عن الزوج في العشرة فلا تلائمه و من قرأ « قال أعلم » على لفظ الخبر فلأنه لما شاهد من إحياء الله و بعثه إياه بعد وفاته ما شاهد أخبر عما تبينه و تيقنه أي أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قيل و من قال اعلم على لفظ الأمر فالمعنى يؤول إلى الخبر و ذلك أنه لما تبين له ما تبين من الأمر الذي لا مجال للشبهة عليه نزل نفسه منزلة غيره فخاطبها كما يخاطب سواها كقول الأعشى :
أرمي بها البيداء إذا هجرت
و أنت بين القرو و العاصر فقال أنت و هو يريد نفسه و مثله قوله :
ودع هريرة إن الركب مرتحل
و هل تطيق وداعا أيها الرجل فخاطب نفسه كما يخاطب غيره قال أبو الحسن و هو أجود في المعنى .

اللغة

أصل الخواء الخلاء قال الراجز :
يبدو خواء الأرض من خوائه و الخواء الفرجة بين الشيئين لخلو ما بينهما و خوت الدار تخوي خواء فهي خاوية إذا باد أهلها لخلوها منهم و الخوي الجوع خوى يخوي خوى لخلو البطن من الغذاء و التخوية التفريج بين العضدين و الجنبين لخلو ما بينهما بتباعدهما .
« على عروشها » أي على أبنيتها قال أبو عبيدة هي الخيام و هي بيوت الإعراب و قال غيره « خاوية على عروشها » أي بقيت حيطانها لا سقوف عليها و كل بناء عرش و عريش مكة أبنيتها و عرش يعرش عرشا إذا بنى و العريش البيت لارتفاع أبنيته و العرش السرير لارتفاعه عن غيره و عرش الرجل قوام أمره و عرش البيت سقفه و التعريش جعل الخشب تحت الكرم ليمتد عليه يقال عرشته و عرشته و أصل القرية الجمع من قريت الماء و سميت قرية لاجتماع الناس فيها للإقامة بها و « أنى يحيي » من أين يحيي أو كيف يحيي و العام الحول و جمعه الأعوام و هو حول يأتي بعد شتوة و صيفة لأن فيه سبحا طويلا ربما يمكن من التصرف فيه و العوم السباحة و السفينة تعوم في جريها
مجمع البيان ج : 2 ص : 639
و الإبل تعوم في سيرها و الاعتيام اصطفاء خيار مال الرجل لأنه يجري في أخذه شيئا بعد شيء كالسابح في الماء الجاري و إعتام الموت النفوس أولا فأولا كذلك و أصل الباب السبح و اللبث المكث يقال لبث فهو لابث و تلبث تلبثا إذا تمكث و الحمار يقال للوحشي و الأهلي و أصله من الحمرة لأن الحمرة أغلب عليه و حمارة القيض شدة حره و حمر فو الفرس يحمر حمرا إذا أنتن و موت أحمر شديد مشبه بحمرة النار و الأسود و الأحمر العرب و العجم لأن السواد أغلب على لون العرب كما أن الحمرة أغلب على لون العجم و منه قول الأشعث لعلي غلبت عليك هذه الحمراء يعني العجم و النشر خلاف الطي و النشر إذاعة الحديث و حث العود بالمنشار و النشر الرائحة الطيبة و ربما قيل في الخبيثة و النشرة الرقية و النشز بالزاي المرتفع من الأرض .

الإعراب

أو حرف عطف و هو عطف على معنى الكلام الأول و تقديره أ رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه أو كالذي مر على قرية و موضع الكاف نصب بتر و معناه التعجب لأن كل ما خرج من بابه لعظمه عن حد نظائره فهو مما يتعجب منه تقول ما أجهله أي قد خرج بجهله عن حد نظائره و كذلك لو قلت هل رأيت كزيد الجاهل لدللت على مثل الأول منه في التعجب لما بينا أن ما أفعله صيغة وضعت للتعجب و ليس كذلك هل رأيت لأنها في الأصل للاستفهام و قيل الكاف زائدة للتوكيد كما زيدت في قوله ليس كمثله شيء و الأول أوجه لأنه لا يحكم بالزيادة إلا لضرورة و قوله « أنى » استفهام في موضع نصب على الحال من يحيي و تقديره أ قادر أن يحيي و يجوز أن يكون مصدرا ليحيي و تقديره أي نوع يحيي أي أي إحياء يحيي و هذا أولى لأنه يكون سؤالا عن كيفية الإحياء لا إنكارا لأصل الإحياء و موضع كم نصب بلبثت كأنه قال أ مائة سنة لبثت أم أقل أم أكثر و قوله « و لنجعلك » دخلت الواو لاتصال اللام بفعل محذوف كأنه قال و لنجعلك آية للناس فعلنا ذلك لأن الواو لو أسقطت اتصلت اللام بالفعل المتقدم كيف في محل النصب على الحال من ننشر أو ننشز و ذو الحال الضمير المستكن فيه أو على المصدر و ننشزها جملة في موضع الحال من أنظر و ذو الحال العظام .

المعنى

« أو كالذي مر » أي أو هل رأيت كالذي مر و معناه إن شئت فانظر في قصة الذي حاج إبراهيم و إن شئت فانظر إلى قصة الذي مر « على قرية » و هو عزير عن قتادة و عكرمة و السدي و هو المروي عن أبي عبد الله و قيل هو أرميا عن وهب و هو المروي عن أبي جعفر و قيل هو الخضر عن ابن إسحاق و القرية التي مر عليها هي بيت المقدس لما
مجمع البيان ج : 2 ص : 640
خربه بخت نصر عن وهب و قتادة و الربيع و عكرمة و قيل هي الأرض المقدسة عن الضحاك و قيل هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت عن ابن زيد « و هي خاوية على عروشها » أي خالية و قيل خراب عن ابن عباس و الربيع و الضحاك و قيل ساقطة على أبنيتها و سقوفها كان السقوف سقطت و وقعت البنيان عليها قال « أنى يحيي هذه الله بعد موتها » أي كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها و قيل كيف يحيي الله أهلها بعد ما ماتوا و أطلق لفظ القرية و أراد به أهلها كقوله « و اسأل القرية » و لم يقل ذلك إنكارا و لا تعجبا و لا ارتيابا و لكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة كما يقول الواحد منا كيف يكون حال الناس يوم القيامة و كيف يكون حال أهل الجنة في الجنة و كيف يكون حال أهل النار في النار و كقول إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى أحب أن يريه الله إحياء الموتى مشاهدة ليحصل له العلم به ضرورة كما حصل العلم دلالة لأن العلم الاستدلالي ربما اعتورته الشبهة « فأماته الله مائة عام » أي مائة سنة « ثم بعثه » أي أحياه كما كان « قال كم لبثت » في التفسير أنه سمع نداء من السماء كم لبثت يعني في مبيتك و منامك و قيل إن القائل له نبي و قيل ملك و قيل بعض المعمرين ممن شاهده عند موته و إحيائه « قال لبثت يوما أو بعض يوم » لأن الله أماته في أول النهار و أحياه بعد مائة سنة في آخر النهار فقال يوما ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال أو بعض يوم فقال « بل لبثت مائة عام » معناه بل مكثت في مكانك مائة سنة « فانظر إلى طعامك و شرابك لم يتسنه » أي لم تغيره السنون و إنما قال « لم يتسنه » على الواحد لأنه أراد به جنس الطعام و الشراب أي أنظر إلى ما تركته أنه لم يتسنه و قيل أراد به الشراب لأنه أقرب المذكورين إليه و قيل كان زاده عصيرا و تينا و عنبا و هذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيرا و فسادا فوجد العصير حلوا و التين و العنب كما جنيا لم يتغيرا « و انظر إلى حمارك » معناه انظر إليه كيف تفرق أجزاؤه و تبدد عظامه ثم انظر كيف يحييه الله و إنما قال له ذلك ليستدل بذلك على طول مماته « و لنجعلك آية للناس » فعلنا ذلك و قيل معناه فعلنا ذلك إجابة لك إلى ما أردت و قوله « و لنجعلك آية للناس » أي حجة للناس في البعث « و انظر إلى العظام كيف ننشرها » كيف نحييها و بالزاي كيف نرفعها من الأرض فنردها إلى أماكنها من الجسد و تركب بعضها على بعض « ثم نكسوها » أي نلبسها « لحما » و اختلف فيه فقيل أراد عظام حماره عن السدي و غيره فعلى هذا يكون تقديره و انظر إلى عظام حمارك و قيل أراد عظامه عن الضحاك و قتادة و الربيع قالوا أول ما أحيا الله منه عينه و هو مثل غرقيء البيض فجعل ينظر إلى العظام
مجمع البيان ج : 2 ص : 641
البالية المتفرقة تجتمع إليه و إلى اللحم الذي قد أكلته السباع الذي يأتلف إلى العظام من هاهنا و من هاهنا و يلتزم و يلتزق بها حتى قام و قام حماره « فلما تبين له » أي ظهر و علم و إنما علم أنه مات مائة سنة بشيئين ( أحدهما ) بإخبار من أراه الآية المعجزة في نفسه و حماره و طعامه و شرابه و تقطع أوصاله ثم اتصال بعضها إلى بعض حتى رجع إلى حالته التي كان عليها في أول أمره ( و الآخر ) أنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك لما رجع إلى وطنه فرأى ولد ولده شيوخا و قد كان خلف آباءهم شبابا إلى غير ذلك من الأمور التي تغيرت و الأحوال التي تقلبت و روي عن علي (عليه السلام) أن عزيرا خرج من أهله و امرأته حامل و له خمسون سنة فأماته الله مائة سنة ثم بعثه فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة و له ابن له مائة سنة فكان ابنه أكبر منه فذلك من آيات الله و قيل أنه رجع و قد أحرق بخت نصر التوراة فأملأها من ظهر قلبه فقال رجل منهم حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة في كرم فإن أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم فأروه فأخرجها فعارضوا ذلك بما أملى فما اختلفا في حرف فقالوا ما جعل الله التوراة في قلبه إلا و هو ابنه فقالوا عزير ابن الله « قال » أي قال المار على القرية « أعلم » أي أتيقن و من قرأ اعلم فمعناه على ما تقدم ذكره من أنه يخاطب نفسه و قيل أنه أمر من الله تعالى له « أن الله على كل شيء قدير » أي لم أقل ما قلت عن شك و ارتياب و يحتمل أنه إنما قال ذلك لأنه ازداد بما شاهد و عاين يقينا و علما إذ كان قبل ذلك علم استدلال فصار علمه ضرورة و معاينة .
وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَب أَرِنى كيْف تُحْىِ الْمَوْتى قَالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلى وَ لَكِن لِّيَطمَئنَّ قَلْبى قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطيرِ فَصرْهُنَّ إِلَيْك ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كلِّ جَبَل مِّنهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَك سعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(260)

القراءة

قرأ أبو جعفر و حمزة و خلف و رويس عن يعقوب فصرهن بكسر الصاد و الباقون « فصرهن » بضم الصاد و روي في الشواذ عن ابن عباس فصرهن بكسر الصاد و تشديد الراء و فتحها و عن عكرمة فصرهن بفتح الصاد و كسر الراء و تشديدها و قرأ عاصم في رواية أبي بكر جزءا مثقلا مهموزا حيث وقع و قرأ أبو جعفر جزا مشددا و الباقون بالهمز
مجمع البيان ج : 2 ص : 642
و التخفيف .

الحجة

يقال صرته أصوره أي أملته و منه قول الشاعر :
يصور عنوقها أحوى زنيم ) أي يميل عنوق هذه الغنم تيس أحوى و صرته أصوره قطعته قال أبو عبيدة فصرهن من الصور و قال هو القطع و قال أبو الحسن و قد قالوا بمعنى القطع صار يصير أيضا قال الشاعر :
و فرع يصير الجيد وحف كأنه
على الليت قنوان الكروم الدوالح و معنى هذا يميل الجيد من كثرته فقد ثبت أن الميل و القطع يقال في كل واحد منهما أيضا صار يصير فمن جعل « فصرهن إليك » بمعنى أملهن إليك حذف من الكلام و المعنى أملهن إليك فقطعهن ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا فحذف الجملة لدلالة الكلام عليها كما حذف من قوله « اضرب بعصاك البحر فانفلق » أي فضرب فانفلق و من قدر « فصرهن » على معنى فقطعهن لم يحتج إلى إضمار و يحتمل كلا الوجهين كل واحد من القراءتين على ما ذكرناه و قوله « إليك » إن جعلت صرهن بمعنى فقطعهن كان إليك متعلقا بخذ أي خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن ثم اجعل و إن جعلته بمعنى أملهن احتمل إليك أن يكون متعلقا بخذ و أن يكون متعلقا بصرهن و قياس قول سيبويه أن يكون متعلقا بقوله « فصرهن » لأنه أقرب إليه و من قرأ فصرهن بكسر الصاد و تشديد الراء فإنه يكون من صره يصره أي قطعه و المتعدي من هذا الباب قليل و قد روي عن عكرمة أيضا فصرهن بضم الصاد فيكون من صره يصره و هذا على القياس و من قرأ فصرهن فهو فعلهن من صرى يصري تصرية إذا حبس و قطع قال :
رب غلام قد صرى في فقرته
ماء الشباب عنفوان شرته أي حبسه و قطعه و منه الشاة المصراة أي المحبوسة اللبن المقطوعة في ضرعها عن الخروج و أما الوجه في قراءة من قرأ جزءا بالتثقيل فقد ذكرنا عند قوله تعالى « قالوا أ تتخذنا هزوا » و من قرأ جزا بالتشديد فأصله جزءا ثم خفف همزته ثم إنك إذا وقفت كان لك السكون و إن شئت الإشمام فتقول الجزو و إن شئت التشديد ( فتقول ) الجز ثم أنه وصل
مجمع البيان ج : 2 ص : 643
على وقفه فقال جزا كما قال الشاعر :
ببازل وجناء أو عيهل
كان مهواها على الكلكل فأجرى الوصل مجرى الوقف .

اللغة

اطمأن يطمئن توطأ و المطمئن من الأرض ما انخفض و تطامن و اطمأن إليه إذا وثق به لسكون نفسه إليه و لتوطي حاله بالأمانة عنده و أصل الباب التوطئة و الطير معروف و طار يطير طيرانا و طيرورة و الباب يدل على خفة الشيء في الهواء ثم يستعار ذلك في غيره و في كل سرعة و تطير من الطيرة و هو زجر الطير بما يكره و طائر الإنسان عمله الذي تقلده من خير أو شر لأنه بمنزلة طائر الزجر في البركة و التشؤم و فجر مستطير منتشر في الأفق و غبار مستطار و فرس مطار حديد الفؤاد لأنه طيار في جريه و الجبل وتد من أوتاد الأرض و جبل فلان على كذا أي طبع و رجل ذو جبلة إذا كان غلظ الجسم و الجبلة الأمة من الناس و أجبل الحافر إذا بلغ إلى صلابة لا يمكنه الحفر عندها و منه أجبل الشاعر إذا صعب عليه القول و الجزء بعض الشيء و جزأته بعضته و الفرق بين الجزء و السهم أن السهم من الجملة ما ينقسم عليه نحو الاثنين من العشرة و قد يقال الجزء لما لا ينقسم عليه نحو الثلاثة من العشرة و لا تنقسم العشرة عليها و إن كانت الثلاثة جزءا من العشرة .

الإعراب

العامل في إذ في المعنى اذكر أي و اذكر هذه القصة عن الزجاج و يجوز أن يكون عطفا على قوله « أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم » أي و أ لم تر إذ قال و موضع كيف نصب بقوله « تحيي الموتى » و المعنى بأي حال تحيي الموتى و قوله « ليطمئن قلبي » اللام يتعلق بمعنى أرني تقديره أرني ليطمئن قلبي من الطير صفة لأربعة فعلى هذا يكون من للتبعيض و للتبيين و يجوز أن يتعلق بخذ فعلى هذا لا يكون إلا للتبيين منهن أي جزء من كل واحد منهن فلما قدم على جزء وقع موضع النصب على الحال من جزء و قوله « سعيا » مصدر وقع موقع الحال و كأنه قال يسعين سعيا أو ساعيات سعيا .

المعنى

ثم ذكر تعالى ما أراه إبراهيم عيانا من إحياء الموتى فقال « و إذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى » اختلف في سبب سؤال إبراهيم هذا على وجوه ( أحدها ) ما قاله الحسن و الضحاك و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله أنه رأى جيفة
مجمع البيان ج : 2 ص : 644
تمزقها السباع فيأكل منها سباع البر و سباع الهواء و دواب البحر فسأل الله إبراهيم فقال يا رب قد علمت أنك تجمعها من بطون السباع و الطير و دواب البحر فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك ( و ثانيها ) ما روي عن ابن عباس و سعيد بن جبير و السدي أن الملك بشر إبراهيم (عليه السلام) بأن الله قد اتخذه خليلا و أنه يجيب دعوته و يحيي الموتى بدعائه فسأل الله تعالى أن يفعل ذلك ليطمئن قلبه بأنه قد أجاب دعوته و اتخذه خليلا ( و ثالثها ) أن سبب السؤال منازعة نمرود إياه في الإحياء إذ قال أنا أحيي و أميت و أطلق محبوسا و قتل إنسانا فقال إبراهيم ليس هذا بإحياء و قال يا رب أرني كيف تحيي الموتى ليعلم نمرود ذلك و روي أن نمرود توعده بالقتل إن لم يحيي الله الميت بحيث يشاهده فلذلك قال « ليطمئن قلبي » أي بأن لا يقتلني الجبار عن محمد بن إسحاق بن يسار ( و رابعها ) أنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان بعد أن كان عالما به من جهة الاستدلال و البرهان لتزول الخواطر و وساوس الشيطان و هذا أقوى الوجوه « قال أ و لم تؤمن » هذه الألف استفهام و يراد به التقرير كقول الشاعر :
أ لستم خير من ركب المطايا
و أندى العالمين بطون راح أي قد آمنت لا محالة فلم تسأل ذا و هذه الألف إذا دخلت على الإثبات فالمراد النفي كقوله « أ أنت قلت للناس » أي لم تقل « قال بلى و لكن ليطمئن قلبي » أي بلى أنا مؤمن و لكن سألت ذاك لأزداد يقينا إلى يقيني عن الحسن و قتادة و مجاهد و ابن جبير و قيل لأعاين ذلك و يسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال و قيل ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي و اتخذتني خليلا كما وعدتني « قال فخذ أربعة من الطير » مختلفة الأجناس و إنما خص الطير من بين سائر الحيوانات لخاصية الطيران و قيل إنها الطاووس و الديك و الحمام و الغراب أمر أن يقطعها و يخلط ريشها بدمها هذا قول مجاهد و ابن جريج و عطاء و ابن زيد و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) « فصرهن إليك » أي قطعهن عن ابن عباس و سعيد بن جبير و الحسن و قيل معناه اضممهن إليك عن عطاء و ابن زيد و قد تقدم بيانه في وجه القراءة « ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا » و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن معناه فرقهن على كل جبل و كانت عشرة أجبل ثم خذ بمناقيرهن و ادعهن باسمي الأكبر و حلفهن بالجبروت و العظمة يأتينك سعيا ففعل إبراهيم ذلك و فرقهن على عشرة أجبل ثم دعاهن فقال أجبن بإذن الله فكانت تجتمع
مجمع البيان ج : 2 ص : 645
و يأتلف لحم كل واحد و عظمه إلى رأسه و طارت إلى إبراهيم و قيل أن الجبال كانت سبعة عن ابن جريج و السدي و قيل كانت أربعة عن ابن عباس و الحسن و قتادة و قيل أراد كل جبل على العموم بحسب الإمكان كأنه قال فرقهن على كل جبل يمكنك التفرقة عليه عن مجاهد و الضحاك و يسأل فيقال كيف قال ثم ادعهن و دعاء الجماد قبيح و جوابه أنه أراد بذلك الإشارة إليها و الإيماء لتقبل عليه إذا أحياها الله و قيل معنى الدعاء هاهنا الإخبار عن تكوينها أحياء كقوله سبحانه « كونوا قردة خاسئين » و قوله « ائتيا طوعا أو كرها » عن الطبري و قول من قال أنه جعل على كل جبل طيرا ثم دعاها بعيد من الصواب و الفائدة لأنه إنما طلب بالعلم به كونه قادرا على إحياء الموتى عيانا و ليس في إتيان طائر حي إليه بالإيماء ما يدل على ذلك و في الكلام حذف فكأنه قال فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا فإن الله يحييهن فإذا أحياهن فادعهن فيكون الإيماء إليها بعد أن صارت أحياء ففعل إبراهيم ذلك فنظر إلى الريش يسعى بعضها إلى بعض و كذلك العظام و اللحم ثم أتينه مشيا على أرجلهن فتلقى كل طائر رأسه و ذلك قوله « يأتينك سعيا » و ذكر عن النضر بن شميل قال سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى « يأتينك سعيا » هي يقال للطائر إذا طار سعى فقال لا قلت فما معناه قال معناه يأتينك و أنت تسعى سعيا « و اعلم أن الله عزيز » أي قوي لا يعجز عن شيء « حكيم » في أفعاله و أقواله و قيل عزيز يذل الأشياء له و لا يمتنع عليه شيء حكيم أفعاله كلها حكمة و صواب و مما يسأل في هذه الآية أن يقال كيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله « أرني أنظر إليك » و جوابه من وجهين ( أحدهما ) أنه سأل آية لا يصح معها بقاء التكليف من وقوع الضرورة التي لا يعترضها الشكوك بوجه و إبراهيم إنما سأل في شيء خاص يصح معه التكليف ( و الآخر ) أن الأحوال قد تختلف فيكون الأصلح في بعض الأحوال الإجابة و في بعضها المنع فيما لم يتقدم فيه إذن .
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّة أَنبَتَت سبْعَ سنَابِلَ فى كلِّ سنبُلَة مِّائَةُ حَبَّة وَ اللَّهُ يُضعِف لِمَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(261)

اللغة

النبت الحشيش و كل ما ينبت من الأرض يقال نبت نبتا و نباتا و أنبته الله إنباتا
مجمع البيان ج : 2 ص : 646
و الينبوت شجر الخشخاش و أنبت الغلام إذا راهق و استبان شعر عانته و السنبلة على وزن فنعلة كقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل إذا صار فيه السنبل و الأصل فيه الإسبال و هو إرسال الستر و نحوه فكما يسترسل الستر بالإسبال يسترسل الزرع بالسنبل و لأنه صار فيه حب مستور كما يستر بالإسبال و المائة معروفة يقال أمات الغنم إذا بلغت مائة و آمايتها أنا أي وفيتها مائة و المأي الفساد بين القوم .

المعنى


« مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله » قيل تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة و قيل تقديره مثل الذين ينفقون كمثل زارع حبة و سبيل الله هو الجهاد و غيره من أبواب البر كلها على ما تقدم بيانه فالآية عامة في النفقة في جميع ذلك و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و اختاره أبو علي الجبائي و قيل هي خاصة بالإنفاق في الجهاد فأما غيره من الطاعات فإنما يجزي بالواحد عشرة أمثالها « كمثل حبة أنبتت » أي أخرجت « سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة » يعني أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف و متى قيل هل رأى في سنبلة مائة حبة حتى يضرب المثل بها فجوابه أن ذلك متصور و إن لم ير كقول امرىء القيس :
و مسنونة زرق كأنياب أغوال ) و قوله تعالى « طلعها كأنه رءوس الشياطين » و أيضا فقد رأى ذلك في الجاورس و نحوه « و الله يضاعف لمن يشاء » أي يزيد على سبعمائة لمن يشاء و قيل معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء و روي عن ابن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) رب زد أمتي فنزل قوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة قال رب زد أمتي فنزل « إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب » و قوله « و الله واسع » أي واسع القدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة و قيل واسع الرحمة لا يضيق عن المضاعفة « عليم » بما يستحق الزيادة عن ابن زيد و قيل عليم بما كان من النفقة و بنية المنفق و ما يقصده من الإنفاق .

النظم

اتصلت هذه الآية بقوله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا و ما بين الآيتين اعتراض بالاستدعاء إلى الحق و بيان الحجج و العبر عن علي بن عيسى و قيل لما قص تعالى ما فيه البرهان على التوحيد و ما آتى رسله من البينات حث على الجهاد و اعلم أن من عاند بعد هذه الدلالات يجب قتاله فحث على قتال من كفر بعد هذا البرهان و بين أن في جهادهم و النفقة فيهم الثواب العظيم عن الزجاج .

مجمع البيان ج : 2 ص : 647
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فى سبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(262)

اللغة

المن هو ذكر ما ينغص المعروف كقول القائل أحسنت إلى فلان و أنعشته و نحو ذلك و أصل المن القطع و منه قوله « لهم أجر غير ممنون » أي غير مقطوع و منه قولهم حبل منين أي ضعيف لأنه مقطع و سمي ما يكدر المعروف بأنه منة لأنه يقطع الحق الذي يجب به و المنة النعمة العظيمة سميت بذلك لأنها تجل عن قطع الحق بها لعظمها و المنة القوة في القلب و المن الذي يقع من السماء و المن الذي يوزن به لأنه يقطع على مقدار مخصوص و الأذى ضرر يتعجل وصوله إلى المضرور و الخوف توقع الضرر و هو يرجع إلى الاعتقاد و الحزن الغم الذي يغلظ على النفس .

المعنى

لما أمر الله تعالى بالإنفاق عقبه ببيان كيفية الإنفاق فقال « الذين ينفقون » أي يخرجون « أموالهم في سبيل الله » و قد تقدم بيانه « ثم لا يتبعون ما أنفقوا » أي نفقاتهم « منا » أي منة على المعطى « و لا أذى » له و المن هو أن يقول له أ لم أعطك كذا أ لم أحسن إليك أ لم أغنك و نحوها و الأذى أن يقول أراحني الله منك و من ابتلائي بك و يحتمل أن يكون معنى الأذى أن يعبس وجهه عليه أو يتعبه أو يؤذيه فيما يدفعه إليه أو يصرفه في بعض أشغاله بسبب إنفاقه عليه فكل هذا من المن و الأذى الذي يكدر الصنيعة و ينغص النعمة و يبطل الأجر و المثوبة و قوله « لهم أجرهم عند ربهم » إلى آخره قد مر تفسيره و قيل معناه لهم جزاء أعمالهم عند ربهم و إنما قال « عند ربهم » لتكون النفس أسكن إليه و أوثق به لأن ما عنده لا يخاف عليه فوت و لا نقص « و لا خوف عليهم » من فوت الأجر و نقصانه يوم القيامة « و لا هم يحزنون » لفوته و نقصانه و في هذه الآية دلالة على أنه يصح الوعد بشرط لأن مفهوم الكلام أن تقديره في المعنى إن لم يتبعوا ما أنفقوا منا و لا أذى فلهم من الأجر كذا و الوعد إذا كان مشروطا فمتى لم يحصل الشرط لم يحصل استحقاق الثواب و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال المنان بما يعطي لا يكلمه الله و لا ينظر إليه و لا يزكيه و له عذاب أليم .
* قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِّن صدَقَة يَتْبَعُهَا أَذًى وَ اللَّهُ غَنىُّ حَلِيمٌ(263)

اللغة

الغني الواسع الملك و الله غني بأنه مالك لجميع الأشياء لأنه قادر عليها لا
مجمع البيان ج : 2 ص : 648
يتعذر عليه شيء منها و الغنى ضد الحاجة يقال غني يغنى غنا و استغنى و أغناه الله و الغناء الكفاية للغني به عن غيره و الغنية الاستغناء و قد غني القوم إذا نزلوا في مكان يغنيهم و المكان الذي ينزلون به مغنى و قد غني فلان غناء إذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغني الشعر أن يزاد في نغمة و قد غنيت المرأة غنيانا قال قيس بن الحطيم :
أجد بعمرة غنيانها
فتهجر أم شأننا شأنها غنيانها غناؤها و الغواني النساء لأنهن غنين بجمالهن و قيل بأزواجهن و الحليم مر ذكره .

المعنى

« قول معروف » أي كلام حسن جميل لا وجه فيه من وجوه القبح يرد به السائل و قيل معناه دعاء صالح نحو أن يقول صنع الله بك و أغناك الله عن المسألة و أوسع الله عليك الرزق و أشباه ذلك و قيل معناه عدة حسنة و قيل قول في إصلاح ذات البين عن الضحاك « و مغفرة » قيل فيه أقوال ( أحدها ) أن معناه سلامة من المعصية لأن حالها كحال المغفرة في الأمان من العقوبة عن الجبائي ( و ثانيها ) أن معناه ستر على السائل و سؤاله ( و ثالثها ) أن معناه عفو المسئول عن ظلم السائل عن الحسن و على هذا فيكون ظلم السائل أن يسأل في غير وقته أو يلحف في سؤاله أو يسيء الأدب بأن يفتح الباب أو يدخل الدار بغير إذن فالعفو عن ظلمه « خير من صدقة يتبعها أذى » و إنما صار القول المعروف و العفو عن الظلم خيرا من الصدقة التي يتبعها أذى لأن صاحب هذه الصدقة لا يحصل على خير لا على عين ماله في دنياه و لا على ثوابه في عقباه و القول بالمعروف و العفو طاعتان يستحق الثواب عليهما و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى يفرغ منها ثم ردوا عليه بوقار و لين إما بذل يسير أو رد جميل فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس و لا جان ينظرون كيف صنيعكم فيما خولكم الله تعالى « و الله غني » عن صدقاتكم و عن جميع طاعاتكم لم يأمركم بها و لا بشيء منها لحاجة منه إليها و إنما أمركم بها و دعاكم إليها لحاجتكم إلى ثوابها « حليم » لا يعاجلكم بالعقوبة و قيل لا يعجل بالعقوبة على من يمن و يؤذي بصدقته و لو وقع هاهنا موقع حليم حميد أو عليم لم يحسن .

مجمع البيان ج : 2 ص : 649
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُبْطِلُوا صدَقَتِكُم بِالْمَنِّ وَ الأَذَى كالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صفْوَان عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكهُ صلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شىْء مِّمَّا كسبُوا وَ اللَّهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ(264)

اللغة

الرئاء و المرآة أصله من الرؤية كأنه يفعل ليري غيره ذلك و جمع في « رئاء الناس » بين همزتين و لا يجمع في ذوائب و إن حال بينهما الألف في كلا الموضعين لخفة الواحد و لأنهما مفتوحتان في الواحد فهو أخف لها و الصفوان واحدته صفوانة مثل سعدان و سعدانة و مرجان و مرجانة و هي الحجر الأملس و الصفا بمعنى الصفوان و ذكر الكسائي في جمع صفوان صفي و أنكر ذلك المبرد و قال إنما هو جمع صفا مثل عصي و عصا و قفي و قفا و التراب و الترب واحد و ترب الرجل إذا لصق بالتراب من الفقر و منه قوله « مسكينا ذا متربة » لأنه قعد على التراب للفقر و أترب الرجل إذا صار ماله بعدد التراب و الترب اللدة و قيل فيه أقوال منها أن الأتراب خرجوا إلى التراب في وقت من الزمان و منها أنهم صبيان يلعبون في التراب و منها أنهم في الاشتباه كالتراب .
و الترائب عظام الصدر لأنها متشابهة و الوابل المطر الشديد الوقع وبلت السماء تبل وبلا و الوبيل الشديد و الوبال سوء العاقبة و أصل الباب الشدة و الصلد الحجر الأملس قال الشاعر :
و لست بجلب جلب ريح و قرة
و لا بصفا صلد عن الخير معزل و الصلد من الأرض ما لا ينبت شيئا لصلابته و الصلد البخيل و صلد الزند صلودا إذا لم يور نارا و فرس صلود إذا أبطأ عرقه و قدر صلود إذا أبطأ عليها و أصل الباب ملاسة في صلابة .

الإعراب

الكاف في قوله « كالذي ينفق ماله » في موضع نصب على الحال من الواو في تبطلوا .
« رئاء الناس » مصدر وضع موضع الحال من الضمير في ينفق تقديره ينفق ماله مرائيا و يجوز أن يكون مفعولا له .
« عليه تراب » جملة في موضع جر بكونه صفة صفوان و صلدا حال من تركه و ذو الحال الهاء و « لا يقدرون » جملة فعلية في موضع الحال و الواو عائد
مجمع البيان ج : 2 ص : 650
إلى معنى الذي لأنه جنس لا إلى لفظه .

المعنى

ثم أكد تعالى ما قدمه بما ضرب من الأمثال فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « لا تبطلوا صدقاتكم بالمن » أي بالمنة على السائل و قيل بالمنة على الله « و الأذى » بمعنى أذى صاحبها ثم ضرب تعالى مثلا لعمل المنان و عمل المنافق جميعا فإنهم إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به فإنهما لا يستحقان عليه ثوابا و هذا هو معنى الإبطال و هو إيقاع العمل على غير الوجه الذي يستحق عليه الثواب فقال « كالذي ينفق ماله رئاء الناس » هذا يدخل فيه المؤمن و الكافر إذا أخرجا المال للرئاء « و لا يؤمن بالله و اليوم الآخر » هذا للكافر خاصة أي لا يصدق بوحدانية الله و لا بالبعث و الجزاء و قيل أنه صفة للمنافق لأن الكافر معلن غير مراء و كل مراء كافر أو منافق « فمثله كمثل صفوان » أي حجر أملس « عليه تراب فأصابه وابل » أي مطر عظيم القطر شديد الوقع « فتركه صلدا » حجرا صلبا أملس شبه سبحانه فعل المنافق و المنان بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب فإنه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه كذلك إذا دفع المنان صدقة و قرن بها المن فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه و تلافيه لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب فإن وجوه الأفعال تابعة لحدوث الأفعال فإذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها و ليس في الآية ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يبطل و يزول بالمن فيما بعد و لا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد « لا يقدرون على شيء مما كسبوا » أي لا يقدر هؤلاء على نفقتهم و لا على ثوابها و لا يعلمون أين النفقة و أين ثوابها و لا يحصلون منها على شيء كما لا يحصل أحد على التراب أذهبه المطر عن الحجر فقد تضمنت الآية و الآي التي قبلها الحث على الصدقة و إنفاق المال في سبيل الخير و أبواب البر ابتغاء مرضاة الله و النهي عن المن و الأذى و الرياء و السمعة و النفاق و الخبر عن بطلان العمل بها و مما جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع أين الذين كانوا يعبدون الناس قوموا خذوا أجوركم ممن عملتم له فإني لا أقبل عملا خالطه شيء من الدنيا و أهلها و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله من أسدى إلى مؤمن معروفا ثم آذاه بالكلام أو من عليه فقد أبطل الله صدقته ثم ضرب فيه مثلا فقال « كالذي ينفق ماله رئاء الناس » إلى قوله « الكافرين » و قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما من شيء أحب إلى من رجل سلفت مني إليه يد أتبعته أختها و أحسنت ربها له لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل « و الله لا يهدي القوم الكافرين » أي لا يثيب الكافرين
مجمع البيان ج : 2 ص : 651
على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها و مانعا من استحقاق الثواب عليها و إنما يثيب المؤمنين الذين يوقعون أعمالهم على الوجوه التي يستحق بها الثواب و قيل معناه لا يهديهم إلى الجنة بأعمالهم كما يهدي المؤمنين و قيل معناه لا يعطيهم ما يعطي المؤمنين من زيادة الألطاف و التوفيق .
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةِ بِرَبْوَة أَصابَهَا وَابِلٌ فَئَاتَت أُكلَهَا ضِعْفَينِ فَإِن لَّمْ يُصِبهَا وَابِلٌ فَطلُّ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(265)

القراءة

قرأ عاصم و ابن عامر « بربوة » بفتح الراء و الباقون بضمها و روي في الشواذ عن ابن عباس بكسر الراء و قرأ ابن كثير و نافع و أبو عمر و أكلها بالتخفيف و الباقون بالتثقيل .

اللغة

الربوة و الربوة و الربوة بالحركات الثلاث في الراء و الرباوة الرابية قال أبو الحسن و الذي نختاره ربوة بضم الراء و يؤيد هذا الاختيار قولهم ربا في الجمع و الأكل المأكول يدل على ذلك قوله تعالى « تؤتي أكلها كل حين » أي ما يؤكل منها قال الأعشى :
جندك التالد الطريف من السادات
أهل القباب و الآكال فالآكال جمع أكل مثل عنق و أعناق و الأكل الفعل و الأكلة الطعمة و الأكلة الواحدة قال الشاعر :
فما أكلة إن نلتها بغنيمة
و لا جوعة إن جعتها بغرام ففتح الألف من الفعلة بدلالة قوله و لا جوعة و إن شئت ضممت و عنيت الطعام و قال أبو زيد أنه لذو أكل أي له حظ و رزق من الدنيا و ضعف الشيء مثله زائدا عليه و ضعفاه مثلاه زائدين عليه و قال قوم ضعف الشيء مثلاه و الطل المطر الصغار يقال أطلت السماء فهي مطلة و روضة طلة ندية و الطل إبطال الدم بأن لا يثأر بصاحبه طل دمه فهو مطلول لأنه
مجمع البيان ج : 2 ص : 652
بمنزلة ما جاء عليه الطل فأذهبه فكأنه قيل غسله و الطلل ما شخص من الدار لأنه كموضع الندى بالطل لعمارة الناس له خلاف المستوي القفر لأن الخصب حيث تكون الأبنية و صار الطلل اسما لكل شخص و الإطلال الإشراف على الشيء و ما بالناقة طل أي بها طرق و هو الشحم و طلة الرجل امرأته و أصل الباب الطل المطر .

الإعراب

« ابتغاء مرضاة الله » مفعول له و تثبيتا معطوف عليه بربوة الجار و المجرور في موضع الصفة لجنة « و أصابها وابل » في موضع جر لأنها صفة بعد صفة و ضعفين حال من أكل قال الزجاج ارتفع طل على معنى « فإن لم يصبها وابل » فالذي يصبها طل فعلى هذا يكون خبر مبتدإ محذوف و يجوز أن يكون فاعل فعل مقدر أي فيصيبها طل .

المعنى

« و مثل الذين ينفقون » أي يخرجون « أموالهم » في أعمال البر « ابتغاء مرضات الله » أي طلبا لرضاء الله « و تثبيتا من أنفسهم » بقوة اليقين و البصيرة في الدين عن سعيد بن جبير و السدي و الشعبي و قيل معناه أنهم يثبتون أين يضعون صدقاتهم عن الحسن و مجاهد و قيل معناه و توطينا لنفوسهم على الثبوت على طاعة الله عن أبي علي الجبائي و اعترض على الحسن و مجاهد بأنه لم يقل و تثبيتا و ليس هذا بشيء لأنهم إذا ثبتوا أنفسهم فقد ثبتوا و قوله « كمثل جنة بربوة » معناه كمثل بستان لمرتفع من الأرض و إنما خص الربوة لأن نبتها يكون أحسن و ريعها أكثر من المستغل الذي يسيل الماء إليه و يجتمع فيه فلا يطيب ريعه أ لم تر إلى قول الأعشى :
ما روضة من رياض الحزن معشبة
خضراء جاد عليها مسبل هطل فخص بها الحزن للمعنى الذي ذكرناه « أصابها وابل » أي أصاب هذه الجنة مطر شديد « فأتت أكلها ضعفين » أي فأعطت غلتها ضعفي ما تعطي إذا كانت بأرض مستغلة و يحتمل أن يكون معناه مرتين في كل سنة واحدة كما قال سبحانه « تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها » و معناه كل ستة أشهر فيما روي و قال أبو عبد الله (عليه السلام) معناه يتضاعف أجر من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله « فإن لم يصبها وابل » أي مطر شديد « فطل » أي أصابها مطر لين أراد به أن خيرها لا يخلف على كل حال و لا يرى الغبار عليها على كل حال و إنما ارتفع فطل على تقدير فالذي يصيبها طل « و الله بما تعملون بصير » معناه عالم بأفعالكم فيجازيكم بحسبها و قيل عالم بالمرائي و المخلص و فيه ترغيب و ترهيب .

مجمع البيان ج : 2 ص : 653
أَ يَوَدُّ أَحَدُكمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيل وَ أَعْنَاب تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ لَهُ فِيهَا مِن كلِّ الثَّمَرَتِ وَ أَصابَهُ الْكِبرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضعَفَاءُ فَأَصابَهَا إِعْصارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْترَقَت كَذَلِك يُبَينُ اللَّهُ لَكمُ الاَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(266)

اللغة

الجنة البستان الكثير الشجر لأن الشجر يجنه بكثرته فيه و النخيل معروف و قيل أنه مأخوذ من نخل المنخل لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل و النخل جمع نخلة و هي شجرة التمر و يذكر و يؤنث قال الله سبحانه كأنهم أعجاز نخل خاوية و أعجاز نخل منقعر و الانتخال الاختيار و التنخل التخير و أصل الباب النخل للدقيق و العنب ثمر الكرم و رجل عانب و عنب و رجل عناب عظيم الأنف و تحت نقيض فوق و في الحديث لا تقوم الساعة حتى يظهر التحوت أي الذين كانوا تحت أقدام الناس لا يشعر بهم ذلا و الأنهار جمع النهر و هو المجرى الواسع من مجاري الماء و الإصابة الوقوع على المقصد و الكبر حال زائدة على مقدار آخر و الفرق بين الكبير و الكثير أن الكثير مضمن بعدد و ليس كذلك الكبير تقول دار واحدة كبيرة و لا يجوز كثيرة و الضعيف يجمع على ضعفاء و ضعاف و الأعصار غبار يلتف بين السماء و الأرض كالتفاف الثوب في العصر قال الشاعر :
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا ) و المعصرات السحب و الفكر جولان القلب بالخواطر يقال أفكر و فكر و تفكر بمعنى .

الإعراب

قوله « أ يود أحدكم أن تكون » عطف عليه بماض فقال « و أصابه الكبر » قال الفراء يجوز ذلك في يود لأنها تتلقى مرة بلو و مرة بأن فجاز أن تقدر إحداهما مكان الأخرى لاتفاق المعنى فكأنه قال أ يود أحدكم لو كانت له جنة قال علي بن عيسى و عندي أنه قد دل بأن على الاستقبال و يتضمن الكلام معنى لو على التمني كأنه قال قيل أ يحب أحدكم متمنيا له و التمني يقع على الماضي و المستقبل أ لا ترى أنه يصح أن يتمنى أن كان له ولد و يصح أن يتمنى أن يكون له ولد و المحبة لا تقع إلا على المستقبل و الفرق بين المودة و المحبة أن المودة قد تكون بمعنى التمني نحو قولك أود لو قدم زيد بمعنى أتمنى لو قدم و لا يجوز أحب لو قدم و من في قوله « من نخيل » للتبيين و هو في موضع رفع صفة لجنة .
« تجري من تحتها الأنهار » جملة في موضع رفع بكونها صفة لجنة إذا عادت الهاء إلى الجنة أو في محل جر لكونها صفة لنخيل إذا عادت الهاء إلى نخيل .

مجمع البيان ج : 2 ص : 654

المعنى

« أ يود أحدكم أن تكون له جنة » أي بستان « من نخيل و أعناب تجري من تحتها الأنهار » أي يشتمل على النخيل و الأعناب و الأنهار الجارية « له فيها من كل الثمرات و أصابه الكبر » أي و لحقه الشيخوخة و طعن في السن « و له ذرية ضعفاء » أي أولاد صغار ناقصو القوة « فأصابها » أي أصاب تلك الجنة « إعصار » أي ريح شديدة تهب من الأرض نحو السماء مثل العمود و تسميها الناس الزوبعة « فيه نار » أي في ذلك الأعصار نار « فاحترقت » تلك الجنة و هذا مثل ضربه الله في الحسرة بسلب النعمة و اختلف فيه على وجوه ( أحدها ) أنه مثل المرائي في النفقة لأنه ينتفع بها عاجلا و ينقطع عنه آجلا أحوج ما يكون إليه عن السدي ( و ثانيها ) أنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى بملاذ الدنيا يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى عن مجاهد و المراد به أن حاجته إلى الأعمال الصالحة كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى ثمار الجنة و قد احترقت فيكون أعظم حسرة لأن الكبير الذي قد يئس من سعي الشباب في كسبه فكان أضعف أملا و أشد حسرة كذلك من لم يكن له في الآخرة عمل صالح يوصله إلى الجنة فحسرته مثل ذلك ( و ثالثها ) أنه مثل للذي يختم عمله بفساد عن ابن عباس و كل هذه الوجوه تحتمله الآية « كذلك » أي كهذا البيان الذي بين لكم في أمر الصدقة و قصة إبراهيم و الذي مر على قرية و جميع ما سلف « يبين الله لكم الآيات » أي الدلالات التي تحتاجون إليها في أمور دينكم « لعلكم تتفكرون » أي تنظرون و تتفهمون .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِن طيِّبَتِ مَا كسبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيث مِنْهُ تُنفِقُونَ وَ لَستُم بِئَاخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنىُّ حَمِيدٌ(267)

القراءة

قرأ ابن كثير غير القواس « و لا تيمموا » بتشديد التاء فيها و في أخواتها و هي أحد و ثلاثون موضعا من القرآن و الباقون تيمموا بالتخفيف .

الحجة

كلاهما بمعنى واحد كان ابن كثير رد الحرف الساقط في القراءة الأخرى و أدغم لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطب و تاء الفعل فحذفت تاء الخطاب في
مجمع البيان ج : 2 ص : 655
القراءة العامة لئلا يتكرر حرفان مثلان و تخف الكلمة .

اللغة

التيمم التعمد قال خفاف :
فعمدا على عيني تيممت مالكا ) و قال الأعشى :
تيممت قيسا و كم دونه
من الأرض من مهمة ذي شزن يقال أممت الشيء خفيفة و يممته و أممته و يممته و تيممته بمعنى أي قصدته و منه الإمام لأنه المقصود المعتمد و الإمام أيضا خيط البناء لأنه يمده و يعتمد بالبناء عليه و اليم لجة البحر لأنه يعتمد به البعيد من الأرض و اليمام الحمام لأنها تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها و الخبيث الرديء من كل شيء و خبث الفضة و الحديد ما نفاه الكير لأنه ينفي الرديء و أصله الرداءة و الإغماض في البيع الحط من الثمن لعيب فيه و ذلك لإخفاء بعض الثمن بالحط له و الغموض الخفاء غمض يغمض فهو غامض و التغميض للعين أطباق الجفن و الغمض النوم و الغمض المطمئن من الأرض و أصل الباب الخفاء و الإغماض غمض البصر و أطباق جفن على جفن قال رؤبة :
أرق عيني عن الإغماض
برق سرى في عارض نهاض ثم صار عبارة عن التسامح و التساهل في البيع .

الإعراب

قال الفراء الأصل في « أن تغمضوا » أن مكسورة الهمزة لأن الكلام في معنى الجزاء و هو إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه و مثل إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله و أنكر ذلك المحققون قالوا أن هذه التي بمعنى المصدر نحو أن تأتيني خير لك و المعنى و لستم ب آخذيه إلا لإغماضكم فيه .

النزول

روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية و كانوا يتصدقون منها فنهاهم الله عن ذلك و أمر بالصدقة من الطيب الحلال و قيل إنها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة عن علي (عليه السلام) و البراء بن عازب و الحسن و قتادة .

مجمع البيان ج : 2 ص : 656

المعنى

لما تقدم ذكر الإنفاق و بيان صفة المنفق و أنه يجب أن ينوي بالصدقة التقرب و أن يحفظها مما يبطلها من المن و الأذى بين تعالى صفة الصدقة و المتصدق عليه ليكون البيان جامعا فقال « يا أيها الذين آمنوا » خاطب المؤمنين « أنفقوا » أي تصدقوا « من طيبات ما كسبتم » أي من حلال ما كسبتم بالتجارة عن ابن مسعود و مجاهد و قيل من خياره و جياده و نظيره قوله « لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون » و روي عن عبيد بن رفاعة قال خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فقال يا معشر التجار أنتم فجار إلا من اتقى و بر و صدق و قال بالمال هكذا و هكذا و قال (عليه السلام) تسعة أعشار الرزق في التجارة و الجزء الباقي في السابياء و روت عائشة عنه أنه قال أطيب ما أكل الرجل من كسبه و أن ولده من كسبه و قال سعيد بن عمير سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أي كسب الرجل أطيب قال عمل الرجل بيده و كل بيع مبرور و قال علي (عليه السلام) من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم و اختلفوا في ذلك على وجوه فقيل هذا أمر بالنفقة في الزكاة عن عبيدة السلماني و الحسن و قيل هو في الصدقة المتطوع بها لأن المفروض من الصدقة له مقدار من القيمة إن قصر عنه كان دينا عليه إلى أن يؤديه بتمامه و إن كان مال المزكي كله رديا فجائز له أن يعطي منه عن الجبائي و قيل هو الأصح أنه يدخل فيه الفرائض و النوافل و المراد به الإنفاق في سبيل الخير و أعمال البر على العموم و فيه دلالة على أن ثواب الصدقة من الحلال المكتسب أعظم منه من الحلال غير المكتسب و إنما كان ذلك لأنه يكون أشق عليه « و مما أخرجنا لكم من الأرض » أي و أنفقوا و أخرجوا من الغلات و الثمار مما يجب فيه الزكاة « و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون » أي لا تقصدوا الرديء من المال أو مما كسبتموه أو أخرجه الله لكم من الأرض فتنفقون منه و قيل المراد بالخبيث هاهنا الحرام و يقوي القول الأول قوله « و لستم ب آخذيه إلا أن تغمضوا فيه » لأن الإغماض لا يكون إلا في الشيء الرديء دون ما هو حرام و فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه لا تتصدقوا بما لا تأخذونه من غرمائكم إلا بالمسامحة و المساهلة فالإغماض هاهنا المساهلة عن البراء بن عازب ( و الآخر ) أن معناه بما لا تأخذونه إلا أن تحطوا من الثمن فيه عن الحسن و ابن عباس و قتادة و مثله قول الزجاج و لستم ب آخذيه إلا في وكس فكيف تعطونه في الصدقة « و اعلموا أن الله غني » عن صدقاتكم « حميد » أي مستحق للحمد على نعمه و قيل مستحمد إلى خلقه بما يعطيهم من النعم أي مستدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد و قيل أنه بمعنى الحامد أي أنه مع غناه
مجمع البيان ج : 2 ص : 657
عنكم و عن صدقاتكم يقبلها منكم و يحمدكم عليها و حميد بهذا الموضع أليق من حليم كما أن حليما بالآية المتقدمة أليق من حميد لأنه سبحانه لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب بين أنه غني عن ذلك و أنه يحمد فاعله إذا فعله على ما أمره به و معناه أنه يجازيه عليه .
الشيْطنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكم بِالْفَحْشاءِ وَ اللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَ فَضلاً وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(268)

اللغة

الفقر الحاجة و هو ضد الغنى و الفقر لغة فيه يقال أفقره الله إفقارا و افتقر افتقارا لأن الفقر بمنزلة كسر الفقار في تعذر المراد و الفقار عظام منتظمة في النخاع تسمى خرز الظهر واحدتها فقرة و الإفقار إعادة الدابة لتركب ثم ترد و الفاقرة الداهية لأنها تكسر الفقار و يقال وعدته الخير و وعدته بالخير وعدا و عدة و موعدة و موعدا و موعودا و موعودة و الفرق بين الوعد و الوعيد أن الوعيد في الشر خاصة و الوعد يصلح بالتقييد للخير و الشر معا غير أنه إذا أطلق اختص بالخير و كذلك إذ أبهم التقييد كما يقال وعدته بأشياء لأنه بمنزلة المطلق و الفحشاء الفحش و الفاحش البخيل قال طرفة :
أرى الموت يعتام الكرام و يصطفي
عقيلة مال الفاحش المتشدد قال علي بن عيسى الفحشاء المعاصي و إنما سمي البخيل فاحشا لأنه مسيء برده الأضياف و السؤال قال كعب :
أخي يا أخي لا فاحش عند بيته
و لا برم عند اللقاء هيوب .

المعنى

ثم حذر تعالى من الشيطان المانع من الصدقة فقال « الشيطان يعدكم الفقر » بالنفقة في وجوه البر و بإنفاق الجيد من المال و قيل بتأدية الزكاة عليكم في أموالكم « و يأمركم بالفحشاء » أي بالمعاصي و ترك الطاعات و قيل بالإنفاق من الرديء و سماه
مجمع البيان ج : 2 ص : 658
فحشاء لأن فيه معصية الله تعالى فإن الغني إذا ترك الإنفاق على وجه ذوي الحاجات من أقاربه و جيرانه أدى ذلك إلى التقاطع « و الله يعدكم مغفرة منه » أي يعدكم بالإنفاق من خيار المال أن يستر عليكم و يصفح عن عقوبتكم « و فضلا » أي و يعدكم أن يخلف عليكم خيرا من صدقتكم و يتفضل عليكم بالزيادة في أرزاقكم و روي عن ابن عباس أنه قال اثنان من الله و اثنان من الشيطان فاللذان من الله المغفرة على المعاصي و الفضل في الرزق و اللذان من الشيطان الوعد بالفقر و الأمر بالفحشاء و روي عن ابن مسعود أنه قال للشيطان لمة و للملك لمة و روي مثله عن أبي عبد الله (عليه السلام) ثم قال فلمة الشيطان وعده بالفقر و أمره بالفحشاء و لمة الملك أمره بالإنفاق و نهيه عن المعصية « و الله واسع » ذكرناه معناه فيما تقدم و قيل واسع معناه يعطي عن سعة بمعنى إن عطيته لا تضره و لا تنقص خزائنه « عليم » بمن يستحق العطية و من لا يستحقها .
يُؤْتى الْحِكمَةَ مَن يَشاءُ وَ مَن يُؤْت الْحِكمَةَ فَقَدْ أُوتىَ خَيراً كثِيراً وَ مَا يَذَّكرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَبِ(269)

القراءة

قرأ يعقوب من يؤت بكسر التاء و الباقون بفتحها .

الحجة

من كسر التاء فإنه أراد من يؤته الله الحكمة ففاعل يؤت الضمير المستكن فيه العائد إلى الله كما هو في قوله « يؤت الحكمة » و يؤيد هذه القراءة قراءة الأعمش و من يؤته الله و حذف ضمير المفعول الذي هو الهاء العائد إلى من الذي هو للجزاء و هو في موضع الرفع بالابتداء كما حذف الضمير العائد إلى الموصول في نحو قوله « أ هذا الذي بعث الله رسولا » و الأولى أن يكون من على هذه القراءة موصولة لتكون بمعنى الذي لا بمعنى الجزاء و أقول و بالله التوفيق يجوز أن يكون من للجزاء هاهنا و يكون في موضع نصب بكونه مفعولا أولا ليؤتي و لزمه التقديم على الفعل مع كونه مفعولا لنيابته عن حرف الشرط الذي له صدر الكلام و مثله من في قول زهير :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته و من تخطىء يعمر فيهرم
مجمع البيان ج : 2 ص : 659
و من قرأ « و من يؤت » بفتح التاء فاسم ما لا يسم فاعله هو الضمير المستكن العائد إلى من و يؤت مجزوم بمن و الجزاء « فقد أوتي خيرا » .

المعنى

ثم وصف تعالى نفسه فقال « يؤتي الحكمة » أي يؤتي الله الحكمة « من يشاء » و ذكر في معنى الحكمة وجوه قيل أنه علم القرآن ناسخه و منسوخه و محكمه و متشابهة و مقدمة و مؤخرة و حلاله و حرامه و أمثاله عن ابن عباس و ابن مسعود و قيل هو الإصابة في القول و الفعل عن مجاهد و قيل أنه علم الدين عن ابن زيد و قيل هو النبوة عن السدي و قيل هو المعرفة بالله تعالى عن عطاء و قيل هو الفهم عن إبراهيم و قيل هو خشية الله عن الربيع و قيل هو القرآن و الفقه عن أبي عبد الله (عليه السلام) و روي أيضا عن مجاهد و قيل هو العلم الذي تعظم منفعته و تجل فائدته و هذا جامع للأقوال و قيل هو ما آتاه الله أنبياءه و أممهم من كتابه و آياته و دلالاته التي يدلهم بها على معرفتهم به و بدينه و ذلك تفضل منه يؤتيه من يشاء عن أبي علي الجبائي و إنما قيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به عن القبيح لما فيه من الدعاء إلى الحسن و الزجر عن القبيح و يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال إن الله آتاني القرآن و آتاني من الحكمة مثل القرآن و ما من بيت ليس فيه شيء من الحكمة إلا كان خرابا ألا فتفقهوا و تعلموا فلا تموتوا جهالا « و من يؤت الحكمة » أي و من يؤت ما ذكرناه « فقد أوتي » أي أعطي « خيرا كثيرا و ما يذكر إلا أولوا الألباب » أي و ما يتعظ ب آيات الله إلا ذوو العقول فإن قيل لم عقد بأولي الألباب التذكر و كل مكلف ذو لب قيل لم تطلق على جميع المكلفين هذه الصفة لما فيها من المدحة فلذلك عقد التذكر بهم و هم الذين يستعملون ما توجبه عقولهم من طاعة الله في كل ما أمر به و دعا إليه و سمي العقل لبا لأنه أنفس ما في الإنسان كما أن لب الثمرة أنفس ما فيها .
وَ مَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَة أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْر فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ مَا لِلظلِمِينَ مِنْ أَنصار(270)

اللغة

النذر هو عقد المرء على النفس فعل شيء من البر بشرط و لا ينعقد ذلك إلا بقوله لله علي كذا و لا يثبت بغير هذا اللفظ و أصل النذر الخوف لأنه يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير في الأمر و منه نذر الدم و هو العقد على سفكه للخوف من مضرة صاحبه قال عمرو بن معديكرب :
مجمع البيان ج : 2 ص : 660

هم ينذرون دمي و أنذر
إن لقيت بأن أشدا يقال نذرت النذر أنذره و أنذره و منه الإنذار و هو الإعلام بموضع العدو و الخوف ليتقى و الأنصار جمع نصير مثل شريف و أشراف و النصير هو المعين على العدو .

الإعراب

ما بمعنى الذي و ما بعدها صلتها و العائد إليها ضمير المفعول المحذوف من أنفقتم تقديره و ما أنفقتموه و هو في موضع رفع بالابتداء و خبره « فإن الله يعلمه » و العائد إلى المبتدأ من الخبر الهاء في يعلمه و لا يجوز أن يعود إلى النفقة لأنها مؤنثة و لا إلى النفقة و النذر لأن ذلك يوجب التثنية و أقول يجوز أن يكون ما للجزاء و يكون منصوبا بأنفقتم و لا يحتاج فيه إلى حذف المفعول فيكون التقدير أي شيء أنفقتم أو نذرتم و الفاء في موضع الجزاء من نفقة الجار و المجرور في محل النصب على الحال من أنفقتم أو نذرتم و الفاء في موضع الجزاء من نفقة الجار و المجرور في محل النصب على الحال من أنفقتم و ذو الحال ما .

المعنى

ثم عاد سبحانه إلى ذكر الإنفاق و الترغيب فيه فقال « و ما أنفقتم من نفقة » أي ما تصدقتم به من صدقة مما فرض الله عليكم و قيل معناه ما أنفقتم في وجوه الخير و سبل البر من نفقة واجبة أو مندوب إليها « أو نذرتم من نذر » أي ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم بالنذر فوفيتم به من فعل بر مثل صلاة أو صوم أو صدقة و نحو ذلك « فإن الله يعلمه » معناه يجازي عليه لأنه عالم فدل ذكر العلم على تحقيق الجزاء إيجازا للكلام « و ما للظالمين » أي ليس للواضعين النفقة و النذر في غير موضعهما مثل أن ينفق رياء أو ضرارا أو شقاقا أو من مال مغصوب أو مأخوذ من غير حله أو بنذر في معصية أو يترك الوفاء به مع القدرة عليه « من أنصار » من أعوان يدفعون عذاب الله عنهم .
إِن تُبْدُوا الصدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىَ وَ إِن تُخْفُوهَا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَّكمْ وَ يُكَفِّرُ عَنكم مِّن سيِّئَاتِكمْ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(271)

القراءة

قرأ ابن عامر و أهل الكوفة غير عاصم فنعما هي بفتح النون و قرأ أهل المدينة غير ورش و أبو عمر و يحيى بكسر النون و سكون العين و قرأ الباقون « نعما » بكسر
مجمع البيان ج : 2 ص : 661
النون و العين و كذلك في النساء نعما يعظكم و قرأ أهل المدينة و الكوفة غير عاصم و نكفر بالنون و الجزم و قرأ ابن عامر و حفص بالياء و الرفع و الباقون بالنون و الرفع .

الحجة

من قرأ فنعما هي فحجته أن أصل الكلمة نعم فجاء بالكلمة على أصلها كما قال :
نعم الساعون في الأمر المبر ) و من قرأ فنعما بسكون العين لم يكن قوله مستقيما عند النحويين لأن فيه الجمع بين ساكنين و الأول منهما ليس بحرف مد و لين و التقاء الساكنين إنما يجوز عندهم هناك نحو دابة و أصيم و تأمروني لأن ما في الحرف من المد يصير عوضا من الحركة و قد أنشد سيبويه شعرا قد اجتمع في الساكنان على حد ما اجتمعا في نعما و هو :
كأنه بعد كلال الزاجر
و مسحه مر عقاب كاسر و أنكره أصحابه و لعل من قرأ به أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو بارئكم فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع و خفائه و من قرأ « فنعما » فإنه أتبع العين النون فرارا من الجمع بين ساكنين و اختار أبو عبيدة قراءة أبي عمرو و قال هي لغة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في قوله لعمرو بن العاص نعما المال الصالح للرجل الصالح هكذا روي في الحديث بسكون العين و قوله و نكفر من رفعه فعلى وجهين ( أحدهما ) أن يكون خبر المبتدأ المحذوف و تقديره و نحن نكفر عنكم ( و الآخر ) أن يكون كلاما مستأنفا مقطوعا مما قبله و لا يكون الحرف العاطف للاشتراك و يكون لعطف جملة على جملة و أما من جزم فإنه يحمله على موضع « فهو خير لكم » و مثله قراءة من قرأ من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم لأن قوله « فلا هادي له » في موضع جزم مثل قوله « فهو خير لكم » و أما الياء و النون في قوله و نكفر فمن قال « و يكفر » فلأن ما بعده على لفظ الإفراد و من قال و نكفر فإنه أتى بلفظ الجمع ثم أفرد كما أتى بلفظ الإفراد ثم جمع في قوله تعالى « سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام » ثم قال « باركنا حوله لنريه من آياتنا » .

اللغة

الفرق بين الصدقة و الزكاة أن الزكاة لا تكون إلا فرضا و الصدقة قد تكون
مجمع البيان ج : 2 ص : 662
فرضا و قد تكون نفلا و الإخفاء الستر و الخفي الإظهار خفا يخفيه خفيا أي أظهره قال امرىء القيس :
فإن تدفنوا الداء لا نخفه
و إن تبعثوا الحرب لا نقعد و الخوافي من الريش ما دون القوادم لأنها تخفي بها و الخفية عرين الأسد لأنه يختفي فيها و أصل الباب الستر و الإبداء و الإظهار و الإعلان نظائر و الإخفاء و الإسرار و الإغماض نظائر .

الإعراب


قوله « فنعما هي » تقديره أن تبدوا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها فما هاهنا نكرة موصوفة و هي في موضع نصب لأنه تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر في نعم و الإبداء هو المخصوص بالمدح فحذف المضاف الذي هو الإبداء و أقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه لما في الكلام من الدلالة عليه و لأن الفعل المتقدم يدل على مصدره و لأن قوله « و إن تخفوها و تؤتوها الفقراء فهو خير لكم » أي الإخفاء خير لكم فكما أن هنا ضمير الإخفاء كذلك يجب أن يكون ضمير الإبداء مرادا هناك .

المعنى

ثم ذكر تعالى صفة الإنفاق و رغب فيه بقوله « إن تبدوا الصدقات » معناه أن تظهروا الصدقات و تعلنوها « فنعما هي » أي فنعم الشيء و نعم الأمر إظهارها و إعلانها أي ليس في إبدائها كراهة « و إن تخفوها » أي تسروها « و تؤتوها الفقراء » أي تعطوها الفقراء و تؤدوها إليهم في السر « فهو خير لكم » أي فالإخفاء خير لكم و أبلغ في الثواب و اختلفوا في الصدقة التي يكون إخفاؤها أفضل من إبدائها فقيل أن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل لأنه يكون أبعد من الرياء بإخفائها و أما المفروض فلا يدخله الرياء و يلحقه تهمة المنع بإخفائها فإظهارها أفضل عن ابن عباس و الثوري و كذا رواه علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق قال الزكاة بإخفائها المفروضة تخرج علانية و تدفع علانية و غير الزكاة إن دفعه سرا فهو أفضل و قيل الإخفاء في كل صدقة من زكاة و غيرها أفضل عن الحسن و قتادة و هو الأشبه بعموم الآية « و يكفر عنكم من سيئاتكم » معناه و نمحو عنكم خطيئاتكم و نغفرها لكم و من قرأ بالرفع فمعناه و نحن نكفر عنكم أو يكفر الله عنكم من سيئاتكم و دخلت من للتبعيض و احتج به من قال المراد بالسيئات الصغائر فأما على مذهبنا فأسقاط العقاب تفضل من الله فله أن يتفضل بإسقاط بعضه دون بعض فلو لم يدخل من لأفاد أنه يسقط جميع العقاب و قال بعضهم أن من زيادة و قد يقال كل من طعامي و خذ من مالي مما شئت فيكون للتعميم و الأول أولى و مما جاء في الحديث في صدقة السر قوله صدقة السر
مجمع البيان ج : 2 ص : 663
تطفىء غضب الرب و تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار و تدفع سبعين بابا من البلاء و قوله سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله الإمام العدل و الشاب الذي نشأ في عبادة الله تعالى و رجل قلبه يتعلق بالمساجد حتى يعود إليها و رجلان تحابا في الله و اجتمعا عليه و تفرقا عليه و رجل دعته امرأة ذات منصب و جمال فقال إني أخاف الله تعالى و رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله و رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه و قوله تعالى : « و الله بما تعملون خبير » معناه أنه تعالى عالم بما تعملونه في صدقاتكم من إخفائها و إعلانها لا يخفى عليه شيء من ذلك فيجازيكم على جميعه .
* لَّيْس عَلَيْك هُدَاهُمْ وَ لَكنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشاءُ وَ مَا تُنفِقُوا مِنْ خَير فَلأَنفُسِكمْ وَ مَا تُنفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ مَا تُنفِقُوا مِنْ خَير يُوَف إِلَيْكمْ وَ أَنتُمْ لا تُظلَمُونَ(272)

الإعراب

« ما تنفقوا من خير فلأنفسكم » شرط و جزاء « و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله » قيل لفظه نفي و معناه النهي أي لا تنفقوا كقوله « لا يمسه إلا المطهرون » و قيل هي جملة مفيدة بنفسها معطوفة على ما قبلها و هو خبر على ظاهره و ابتغاء نصب لأنه مفعول له « و ما تنفقوا من خير يوف إليكم » شرط كالأول و لذلك حذف النون في الموضعين .

النزول

كان المسلمون يمتنعون عن الصدقة على غير أهل دينهم فأنزل الله تعالى هذه الآية عن ابن عباس و ابن الحنفية و سعيد بن جبير و قيل كانت أسماء بنت أبي بكر مع رسول الله في عمرة القضاء فجاءتها أمها فتيلة و جدتها تسألانها و هما مشركتان فقالت لا أعطيكما شيئا حتى أستأذن رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فإنكما لستما على ديني فاستأذنته في ذلك فأنزل الله هذه الآية عن الكلبي .

المعنى

« ليس عليك هداهم » قيل في وجه اتصاله بما قبله وجوه ( أحدها ) أن معناه ليس عليك هداهم بمنع الصدقة عنهم لتحملهم به على الإيمان و هو نظير قوله « أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين » عن ابن عباس و سعيد بن جبير و على هذا
مجمع البيان ج : 2 ص : 664
شئت فيكون للتعميم و الأول أولى و مما جاء في الحديث في صدقة السر قوله صدقة السر يكون معناه الإباحة للتصدق عليهم بصدقة التطوع ( و ثانيها ) أن معناه ليس عليك هداهم بالحمل على النفقة في وجوه البر و سبل الخير عن الحسن و أبي علي الجبائي و تقديره ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل الثواب و الجنة و إنما عليك أن تهديهم إلى الإيمان بأن تدلهم عليه و هذا تسلية للنبي لأنه كان يغتم بترك قبولهم منه و امتناعهم عن الإيمان لعلمه بما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم فسلاه الله تعالى بهذا القول ( و ثالثها ) أن المراد ليس عليك أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم و أنذرتهم و بلغتهم ما أمرت بتبليغه و نظيره إن عليك إلا البلاغ و ليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان و الطاعة لأنه ما بعث إلا لذلك « و لكن الله يهدي من يشاء » إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه أنه يصلح باللطف أي بلطف الله بزيادة الهدى و التوفيق لمن يشاء عن الزجاج و أبي القاسم البلخي و أكثر أهل العلم و قيل معناه يهدي إلى طريق الجنة عن الجبائي « و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم » أي ما تنفقوا في وجوه البر من مال فلأنفسكم ثوابه و الغرض فيه الترغيب في الإنفاق لأن الإنسان إذا علم أن منفعة إنفاقه عائدة إليه مختصة به كان أسمح بالإنفاق و أرغب فيه و أحرص عليه و بذلك يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي و مختصة به دون الله و معظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه و تختص به دون المعطى « و ما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله » أي إلا طلب رضوان الله و هذا إخبار من الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين المستجيبين لله و لرسوله أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى و قيل أن معناه النهي و إن كان ظاهره الخبر أي و لا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله و في ذكر الوجه هنا قولان ( أحدهما ) أن المراد به تحقيق الإضافة لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام أنه له و لغيره و ذلك أنك لما ذكرت الوجه و معناه النفس دل على أنك تصرف الوهم عن الاشتراك إلى تحقيق الاختصاص و كنت بذلك محققا للإضافة و مزيلا لإيهام الشركة ( و الثاني ) أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف في الذكر من فعلته له لأن وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر من غير تحقيق وجه أ لا ترى أنك تقول وجه الرأي و وجه الأمر و وجه الدليل فلا تريد تحقيق الوجه و إنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره و حسن بيانه « و ما تنفقوا من خير يوف إليكم » أي يوفر عليكم جزاؤه و ثوابه و التوفية إكمال الشيء و إنما حسن إليكم مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية و قيل معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة عن ابن عباس « و أنتم لا تظلمون » بمنع ثوابه و لا بنقصان جزائه كقوله آتت أكلها و لم تظلم منه شيئا أي لم تنقص .

مجمع البيان ج : 2 ص : 665
لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فى سبِيلِ اللَّهِ لا يَستَطِيعُونَ ضرْباً فى الأَرْضِ يحْسبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لا يَسئَلُونَ النَّاس إِلْحَافاً وَ مَا تُنفِقُوا مِنْ خَير فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ(273)

القراءة

قرأ حمزة و عاصم و أبو جعفر و ابن عامر يحسبهم بفتح السين كل القرآن و الباقون بكسرها .

اللغة

قال أبو زيد حسبت الشيء أحسبه و أحسبه حسبانا و حسبت الشيء أحسبه حسابا و حسابة و حسبانا و أحسبت الرجل إحسابا إذا أطعمته و سقيته حتى يشبع و يروى و تعطيه حتى يرضى و الإحصار المنع عن التصرف لمرض أو حاجة أو مخافة و الحصر هو منع الغير و ليس كالأول لأنه منع النفس و قد تقدم تفسيره عند قوله « فإن أحصرتم » و الضرب المشي في الأرض و السيماء العلامة التي يعرف بها الشيء و أصله الارتفاع لأنه علامة رفعت للظهور و منه السوم في البيع و هو الزيادة في مقدار الثمن للارتفاع فيه عن الحد و منه سوم الخسف للرفع فيه بتحميل ما يشق و منه سوم الماشية إرسالها في المرعى و التعفف ترك السؤال يقال عف عن الشيء و تعفف عنه إذا تركه و منه قول رؤبة :
فعف عن أسرارها بعد العسق ) أي تركها و الإلحاف الإلحاح في المسألة قال الزجاج معنى ألحف شمل بالمسالة و هو مستغن عنها و اللحاف من هذا اشتقاقه لأنه يشمل الإنسان في التغطية .

الإعراب

العامل في قوله « للفقراء » محذوف و تقديره النفقة للفقراء و قد تقدم ما يدل عليه و قال بعضهم هو مردود على اللام الأولى من قوله « و ما تنفقوا من خير فلأنفسكم » قال علي بن عيسى و هذا لا يجوز لأن بدل الشيء من غيره لا يكون إلا و المعنى يشتمل عليه و ليس كذلك ذكر النفس هاهنا لأن الإنفاق لها من حيث هو عائد إليها و للفقراء من حيث هو واصل إليهم و ليس من باب و لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة و لا يجوز أن يكون العامل فيه تنفقوا لأنه لا
مجمع البيان ج : 2 ص : 666
يفصل بين العامل و المعمول فيه بالأجنبي كما لا يجوز كانت زيدا الحمى تأخذه « لا يستطيعون ضربا » جملة في موضع الحال من أحصروا و ضربا مفعول يستطيع « يحسبهم الجاهل » في موضع الحال أيضا و ذو الحال الفقراء و إلحافا مصدر وضع موضع الحال من يسألون أي لا يسألون ملحفين و يجوز أن يكون مصدرا لأن الإلحاف سؤال على صفة .

النزول

قال أبو جعفر (عليه السلام) نزلت الآية في أصحاب الصفة و كذلك رواه الكلبي عن ابن عباس و هم نحو من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة و لا عشائر يأوون إليهم فجعلوا أنفسهم في المسجد و قالوا نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله فحث الله الناس عليهم و كان الرجل إذا أكل و عنده فضل أتاهم به إذا أمسى .

المعنى

لما أمر سبحانه بالنفقة و رغب فيها بأبلغ وجوه الترغيب و بين ما يكمل ثوابها عقب ذلك ببيان أفضل الفقراء الذين هم مصرف الصدقات فقال « للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله » معناه النفقة المذكورة في هذه الآية و ما قبلها للفقراء الذين حبسوا و منعوا في طاعة الله أي منعوا أنفسهم من التصرف في التجارة للمعاش إما لخوف العدو من الكفار و إما للمرض و الفقر و إما للإقبال على العبادة و قوله « في سبيل الله » يدل على أنهم حبسوا أنفسهم عن التقلب لاشتغالهم بالعبادة و الطاعة « لا يستطيعون ضربا » أي ذهابا و تصرفا « في الأرض » لبعض ما ذكرناه من المعاني و قيل لمنع أنفسهم من التصرف في التجارة أي ألزموا أنفسهم الجهاد في سبيل الله فلا يقع منهم التصرف لغيره و ليس معناه أنهم لا يقدرون عليه كما يقال أمرني الأمير بالمقام في هذا الموضع فلا أستطيع أن أبرح منه أي لا أبرح منه لإلزامي نفسي طاعة الأمير « يحسبهم الجاهل » أي يظنهم الجاهل بحالهم و باطن أمورهم « أغنياء من التعفف » أي الامتناع من السؤال و التجمل في اللباس و الستر لما هم فيه من الفقر و سوء الحال طلبا لرضوان الله و طمعا في جزيل ثوابه « تعرفهم بسيماهم » أي تعرف حالهم بالنظر إلى وجوههم لما يرى من علامة الفقر عن السدي و الربيع و قيل لما يرى من التخشع و الخضوع الذي هو شعار الصالحين عن مجاهد « لا يسألون الناس إلحافا » قيل معناه أنهم لا يسألون الناس أصلا و ليس معناه أنهم يسألون من غير إلحاف عن ابن عباس و هو قول الفراء و الزجاج و أكثر أرباب المعاني و في الآية ما يدل عليه و هو قوله « يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف » في المسألة و لو كانوا يسألون لم يكن يحسبهم الجاهل أغنياء لأن السؤال في الظاهر يدل على الفقر و قوله أيضا « تعرفهم بسيماهم » و لو سألوا لعرفوا بالسؤال قالوا و إنما هو كقولك ما رأيت مثله و أنت لم ترد أن له
مجمع البيان ج : 2 ص : 667
مثلا ما رأيته و إنما تريد أنه ليس له مثل فيرى فمعناه لم يكن سؤال فيكون إلحاح كقول الأعشى :
لا يغمز الساق من أين و من نصب
و لا يعض على شرسوفه الصفر و معناه ليس بساقها أين و لا نصب فيغمزها ليس أن هناك أينا و لا يغمز و في الحديث أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده و يكره البؤس و التباؤس و يحب الحليم المتعفف من عباده و يبغض الفاحش البذيء السائل الملحف و عنه (عليه السلام) قال إن الله كره لكم ثلاثا قيل و قال ، و كثرة السؤال ، و إضاعة المال ، و نهي عن عقوق الأمهات و وأد البنات و عن منع و هات و قال (عليه السلام) الأيدي ثلاث فيد الله العليا و يد المعطي التي تليه و يد السائل السفلى إلى يوم القيامة و من سأل و له ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا أو خموشا أو خدوشا في وجهه قيل و ما غناه قال خمسون درهما أو عدلها من الذهب « و ما تنفقوا من خير » من مال و قيل معناه في وجوه الخير « فإن الله به عليم » أي يجازيكم عليه .
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِالَّيْلِ وَ النَّهَارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(274)

الإعراب

« سرا و علانية » حالان من ينفقون و تقديره مسرين و معلنين فهما اسمان وضعا موضع المصدر « عند ربهم » ظرف مكان و العامل فيه ما يتعلق به اللام من لهم .

النزول

قال ابن عباس نزلت الآية في علي (عليه السلام) كانت معه أربعة دراهم فتصدق بواحد نهارا و بواحد ليلا و بواحد سرا و بواحد علانية و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و أبي جعفر (عليه السلام) و روي عن أبي ذر و الأوزاعي أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل الله و قيل هي عامة في كل من أنفق ماله في طاعة الله على هذه الصفة و على هذا فإنا نقول الآية نزلت في علي (عليه السلام) و حكمها سائر في كل من فعل مثل فعله و له فضل السبق إلى ذلك .

المعنى

ثم بين سبحانه كيفية الإنفاق و ثوابه فقال « الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سرا و علانية » في هذه الحالات أي ينفقون على الدوام لأن هذه الأوقات معينة
مجمع البيان ج : 2 ص : 668
للصدقات و لا وقت لها سواها « فلهم أجرهم عند ربهم » أتى بالفاء ليدل على أن الجزاء إنما هو من أجل الإنفاق في طاعة الله و لا يجوز أن يقال زيد فله درهم لأنه ليس فيه معنى الجزاء « و لا خوف عليهم » من أهوال يوم القيامة و أفزاعها « و لا هم يحزنون » فيها و قيل لا خوف من فوت الأجر و نقصانه عليهم و لا هم يحزنون على ذلك .
الَّذِينَ يَأْكلُونَ الرِّبَوا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطهُ الشيْطنُ مِنَ الْمَس ذَلِك بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَوا وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَوا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سلَف وَ أَمْرُهُ إِلى اللَّهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(275)

اللغة

أصل الربا الزيادة من قولهم ربا الشيء يربو إذا زاد و الربا هو الزيادة على رأس المال و أربى الرجل إذا عامل في الربا و منه الحديث من أجبى فقد أربى و أصل التخبط الخبط و هو الضرب على غير استواء خبطته أخبطه خبطا و الخبط ضرب البعير الأرض بيده و التخبط أيضا بمعناه يقال تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه و يقال للذي يتصرف في أمر و لا يهتدي فيه هو يخبط خبط عشواء قال زهير :
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته و من تخطىء يعمر فيهرم و التخبط المس بالجنون و التخبل لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش و الخباط داء كالجنون لأنه اضطراب في العقل يقال به خبطة من جنون و يقال بفلان مس و ألس و أولق أي جنون و السلوف التقدم يقال سلف يسلف سلوفا و منه الأمم السالفة أي الماضية و السالفة أعلى العنق و الإسلاف الإعطاء قبل الاستحقاق يقال أسلفته إسلافا ، و سلافة الخمر صفوها لأنه أول ما يخرج من عصيرها و العود الرجوع و عيادة المريض
مجمع البيان ج : 2 ص : 669
المصير إليه ليعرف خبره و العود من العيدان لأنه يعود إذا قطع و منه العود الذي يتبخر به و المعاد كل شيء إليه المصير و الآخرة معاد الناس و العادة تكرر الشيء مرة بعد مرة و العيد كل يوم مجمع عظيم لأنه يعود في السنة أو الأسبوع و العائدة الصلة لأنها تعود بالنفع على صاحبها .

الإعراب

« كما يقوم » الكاف في محل النصب على المصدر و الموصول حرف تقديره « لا يقومون » إلا مثل قيام « الذي يتخبطه الشيطان » و « من المس » يتعلق بيتخبط و من للتبيين .

المعنى

لما حث الله تعالى على الإنفاق و بين ما يحصل للمنفق من الأجر العاجل و الآجل عقبه بذكر الربا الذي ظنه الجاهل زيادة في المال و هو في الحقيقة محق في المال فقال « الذين يأكلون الربا » في الدنيا « لا يقومون » يوم القيامة « إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس » معناه إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون فيكون ذلك أمارة لأهل الموقف على أنهم أكلة الربا عن ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير و قتادة و مجاهد و قيل إن هذا على وجه التشبيه لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة و لكن من غلب عليه المرة السود أو ضعف عقله ربما يخيل الشيطان إليه أمورا هائلة و يوسوس إليه فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله و نسب ذلك إلى الشيطان مجازا لما كان ذلك عند وسوسته عن أبي علي الجبائي و قيل يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس دون بعض عن أبي الهذيل و ابن الإخشيد قالا لأن الظاهر من القرآن يشهد به و ليس في العقل ما يمنع منه و لا يمنع الله تعالى الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس و عقوبة لبعضهم على ذنب ألم به و لم يتب منه كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه و يأخذ ماله و لا يمنعه الله تعالى منه و يكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به فيعرف بها صاحبها و على كل مطيع من طاعته أمارة تليق به فيعرف بها صاحبها و ذلك معنى قوله تعالى « فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس و لا جان » و قال النبي في شهداء أحد زملوهم بدمائهم و ثيابهم و قال (عليه السلام) يبعث أمتي يوم القيامة من قبورهم غرا محجلين من آثار الوضوء و روي عنه (عليه السلام) أنه لما قال أسري بي إلى السماء رأيت رجالا بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء أكلة الربا و رواه أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لما أسري بي إلى السماء رأيت أقواما يريد أحدهم أن
مجمع البيان ج : 2 ص : 670
يقوم و لا يقدر عليه من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبرائيل قال هؤلاء « الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس » و إذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوا و عشيا يقولون ربنا متى تقوم الساعة و الوعيد في الآية متوجه إلى كل من أربى و إن لم يأكله و لكنه تعالى نبه بذكر الأكل على سائر وجوه الانتفاع بمال الربا و إنما خص الأكل لأنه معظم المقاصد من المال و نظيره قوله « و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل » و قوله « إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما » الآية و المراد بالأكل في الموضعين سائر وجوه الانتفاع دون حقيقة الأكل « ذلك » أي ذلك العقاب لهم « بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا » معناه بسبب قولهم إنما البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه الربا قال ابن عباس كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه فطالبه به قال المطلوب منه له زدني في الأجل و أزيدك في المال فيتراضيان عليه و يعملان به فإذا قيل لهم هذا ربا قالوا هما سواء يعنون بذلك أن الزيادة في الثمن حال البيع و الزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء فذمهم الله به و ألحق الوعيد بهم و خطأهم في ذلك بقوله « و أحل الله البيع و حرم الربا » أي أحل الله البيع الذي لا ربا فيه و حرم البيع الذي فيه الربا و الفرق بينهما أن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين و في الآخر لأجل البيع و أيضا فإن البيع بدل البدل لأن الثمن فيه بدل المثمن و الربا زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في الجنس و المنصوص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) تحريم التفاضل في ستة أشياء الذهب و الفضة و الحنطة و الشعير و التمر و الملح و قيل الزبيب قال (عليه السلام) إلا مثلا بمثل يدا بيد من زاد و استزاد فقد أربى لا خلاف في حصول الربا في هذه الأشياء الستة و في غيرها خلاف بين الفقهاء و هو مقيس عليها عندهم و عندنا أن الربا لا يكون إلا فيما يكال أو يوزن و أما علة تحريم الربا فقد قيل هي أن فيه تعطيل المعايش و الإجلاب و المتاجر إذا وجد المربى من يعطيه دراهم و فضلا بدراهم و قال الصادق (عليه السلام) إنما شدد في تحريم الربا لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا أو رفدا « فمن جاءه موعظة من ربه » معناه فمن جاءه زجر و نهي و تذكير من ربه « فانتهى » أي فانزجر و تذكر و اعتبر « فله ما سلف » معناه فله ما أخذ و أكل من الربا قبل النهي لا يلزمه رده قال الباقر (عليه السلام) من أدرك الإسلام و تاب مما كان عمله في الجاهلية وضع الله عنه ما سلف و قال السدي معناه له ما أكل و ليس عليه رد ما سلف فأما ما لم يقبض بعد فلا يجوز له أخذه و له رأس المال و قوله « جاءه موعظة » و قال في موضع آخر « قد جاءتكم موعظة » لأن تأنيثه غير حقيقي فإن الموعظة و الوعظ بمعنى واحد « و أمره إلى الله » معناه و أمره بعد مجيء الموعظة و التحريم و الانتهاء إلى الله إن شاء
مجمع البيان ج : 2 ص : 671
عصمه عن أكله و ثبته في انتهاءه عنه و إن شاء خذله و قيل معناه و أمره في حكم الآخرة إلى الله تعالى إن لم يتب و هو غير مستحل له إن شاء عذبه بعدله و إن شاء عفا عنه بفضله و قيل معناه أمره إلى الله فلا يؤاخذه بما سلف من الربا « و من عاد » إلى أكل الربا بعد التحريم و قال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من أن البيع مثل الربا « فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون » لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للربا فلهذا توعد بعذاب الأبد و لا خلاف بين الفقهاء إن الربا محرم في النقد و النسيئة و قال بعض من تقدم لا ربا إلا في النسيئة و أما أهل الجاهلية فإنهم كانوا يربون بتأخير الدين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه و لا خلاف في تحريمه و مما جاء في الحديث في الربا ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في الربا خمسة آكله و موكلة و شاهديه و كاتبه و عنه (عليه السلام) قال إذا أراد الله بقرية هلاكا ظهر فيهم الربا و عنه (عليه السلام) قال الربا سبعون بابا أهونها عند الله كالذي ينكح أمه و روي جميل بن دراج عن أبي عبد الله قال درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام .
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَوا وَ يُرْبى الصدَقَتِ وَ اللَّهُ لا يُحِب كلَّ كَفَّار أَثِيم(276)

اللغة

المحق نقصان الشيء حالا بعد حال يقال محقه الله يمحقه محقا فانمحق و امتحق أي هلك و تلف بذهابه حالا بعد حال و المحاق آخر الشهر لانمحاق الهلال فيه و الأثيم المتمادي في الإثم و الآثم الفاعل للإثم .

المعنى

ثم أكد سبحانه ما تقدم بقول « يمحق الله » أي ينقص الله « الربا » حالا بعد حال إلى أن يتلف المال كله و قال ابن عباس معناه يهلكه و يذهب ببركته و قيل للصادق (عليه السلام) و قد يرى الرجل يربي فيكثر ماله فقال يمحق الله دينه و إن كثر ماله و قال أبو القاسم البلخي يمحقه الله في الدنيا بسقوط عدالته و الحكم بفسقه و التسمية بالفسق « و يربي الصدقات » أي و ينمي الصدقات و يزيدها بأن يثمر المال في نفسه في العاجل و بالأجر عليه و الثواب في الأجل و ذلك بحسب الانتفاع بها و حسن النية فيها و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال أن الله تعالى يقبل الصدقات و لا يقبل منها إلا الطيب و يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد و النكتة في الآية أن المربي إنما يطلب بالربى زيادة المال و مانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال فبين الله سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء و إن الصدقة سبب النماء دون النقصان « و الله لا

<<        الفهرس        >>