جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج2 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>


مجمع البيان ج : 2 ص : 672
يحب كل كفار أثيم » الكفار فعال من الكفر و هو المقيم عليه المستمسك به المعتاد له و معناه و الله يبغض كل كفار لنعمته باستجلال الربا منهمك في غوايته متماد في إثمه بأكله و إنما لم يقل كل كافر لأنه إذا استحل الربا صار كافرا لأنه إذا كثر أكله للربا مع الاستحلال فقد ضم كفرا إلى كفر و إذا استحل الربا و لم يعقد عقد الربا لم يلحقه من المندمة ما يلحق من جمع بين الأمرين فالجامع بين الأمرين يستدعي من غضب الله ما لا يستدعيه أحد الأمرين و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره .
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ وَ أَقَامُوا الصلَوةَ وَ ءَاتَوُا الزَّكوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ(277)

المعنى

هذه الآية ظاهرة المعنى و قد مر تفسيرها فيما مضى و إنما جمع بين هذه الخصال لا لأن الثواب لا يستحق على كل واحدة منها إذ لو كان كذلك لكان فيه تصغير من كل واحدة منها و لكن جمع بينها للترغيب في الأعمال الصالحة و التفخيم لأمرها و التعظيم لشأنها أو لبيان أن الجمع بين هذه الخصال أعظم أجرا من الأفراد بواحدة منها و نظيره قوله سبحانه و الذين لا يدعون مع الله إلها آخر و لا يقتلون النفس التي حرم الله الآية فجمع بين هذه الخصال في الوعيد ليبين أن الوعيد يستحق بكل واحدة منها و للتحذير عن كل خصلة منها لأن من المعلوم أن من دعا مع الله إلها آخر لا يحتاج إلى شرط عمل آخر في استحقاق الوعيد إذ لو كان الوعيد إنما يستحق بمجموع تلك الخصال لكان فيه تسهيل لكل واحد منها و قد ذكرنا أن أمثال هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس من أفعال الجوارح و لا مشتملا عليها إذ لو كان كذلك لما صار لعطفها عليه معنى لأن الشيء لا يعطف على نفسه فإن قالوا إن ذلك يجري مجرى قوله « الذين كفروا و صدوا عن سبيل الله » « و الذين كفروا و كذبوا ب آياتنا » فنقول إن الخلاف هاهنا كالخلاف هناك لأن التكذيب عندنا ليس بالكفر نفسه و إنما هو دلالة على الكفر و كذلك الصد عن سبيل الله و استدل بهذه الآية و أمثالها في بطلان التحابط لأنه تعالى ضمن الثواب بنفس هذه الخصال و لم يشترط أن لا يؤتى بما يحبطها فإن قالوا لا بد من هذا الشرط كما أن الوعيد على الكفر لا بد أن يكون مشروطا بارتفاع التوبة فالجواب أن التوبة إنما صارت شرطا هناك لمكان إجماع المسلمين
مجمع البيان ج : 2 ص : 673
لا لأن التوبة مسقطة للعقاب و إنما وعد الله تعالى بإسقاط العقاب عندها تفضلا منه سبحانه و لا إجماع على ما ادعوه من الشرط في آيات الوعد فبان الفرق بين الأمرين .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْب مِّنَ اللَّهِ وَ رَسولِهِ وَ إِن تُبْتُمْ فَلَكمْ رُءُوس أَمْوَلِكمْ لا تَظلِمُونَ وَ لا تُظلَمُونَ(279)

القراءة

قرأ عاصم برواية أبي بكر غير ابن غالب و البرجمي و حمزة فأذنوا بالمد و كسر الذال و الباقون « فأذنوا » .
و قرىء في الشواذ لا تظلمون و لا تظلمون .

الحجة

قال سيبويه آذنت أعلمت و أذنت و التأذين النداء و التصويت بالإعلام قال و بعض العرب يجري آذنت مجرى أذنت الذي معناه التصويت و النداء قال أبو عبيدة آذنتك بحرب فأذنت به تأذن إذنا أي علمت فمن قرأ « فأذنوا بحرب من الله » فقصر فالمعنى اعلموا بحرب من الله و المعنى أنكم في امتناعكم من وضع ذلك حرب من الله و رسوله و من قرأ فأذنوا فتقديره فاعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب فالمفعول محذوف على قوله و إذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة ففي أمرهم بإعلام ما يعلمون هم أيضا أنهم حرب إن لم يمتنعوا عما نهوا عنه و ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم فهو في الإبلاغ آكد .

الإعراب

« إن كنتم مؤمنين » جواب الشرط محذوف تقديره إن كنتم مؤمنين فذروا ما بقي من الربا و موضع « لا تظلمون » نصب على الحال من لكم و التقدير فلكم رءوس أموالكم غير ظالمين و لا مظلومين .

النزول

روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أن الوليد بن المغيرة كان يربي في الجاهلية و قد بقي له بقايا على ثقيف فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم فنزلت الآية و قال السدي و عكرمة نزلت في بقية من الربا كانت للعباس و خالد بن الوليد و كانا
مجمع البيان ج : 2 ص : 674
شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ناس من ثقيف فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله هذه الآية فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع و أول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب و كل دم من دم الجاهلية موضوع و أول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مرضعا في بني ليث فقتله هذيل و قال مقاتل نزلت في أربعة إخوة من ثقيف مسعود و عبد ياليل و حبيب و ربيعة و هم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي و كانوا يداينون بني المغيرة و كانوا يربون فلما ظهر النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) على الطائف و صالح ثقيفا أسلم هؤلاء الإخوة الأربعة فطلبوا رباهم من بني المغيرة و اختصموا إلى عتاب بن أسيد عامل رسول الله على مكة فكتب عتاب إلى النبي بالقصة فأنزل الله الآية .

المعنى

ثم بين سبحانه حكم ما بقي من الربا فقال « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله » في أمر الربا و في جميع ما نهاكم عنه « و ذروا ما بقي من الربا » أي و اتركوا ما بقي من الربا فلا تأخذوه و اقتصروا على رءوس أموالكم و قوله « إن كنتم مؤمنين » معناه من كان مؤمنا فهذا حكمه فأما من ليس بمؤمن فإنه يكون حربا و قيل معناه إن كنتم مؤمنين بتحريم الربا مصدقين به و بما فيه من المفسدة التي يعلمها الله « فإن لم تفعلوا » أي فإن لم تقبلوا أمر الله و لم تنقادوا له و لم تتركوا بقية الربا بعد نزول الآية بتركه « فأذنوا بحرب من الله و رسوله » أي فأيقنوا و اعلموا بقتال من الله و رسوله و المعنى أيقنوا أنكم تستحقون القتل في الدنيا و النار في الآخرة لمخالفة أمر الله و رسوله و من قرأ فأذنوا فمعناه فاعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب و معنى الحرب عداوة الله و عداوة رسوله و هذا إخبار بعظم المعصية و روي عن ابن عباس و قتادة و الربيع أن من عامل بالربا استتابه الإمام فإن تاب و إلا قتله و قال الصادق آكل الربا يؤدب بعد البينة فإن عاد أدب و إن عاد قتل « و إن تبتم » من استحلال الربا و أقررتم بتحريمه « فلكم رءوس أموالكم » دون الزيادة « لا تظلمون » بأخذ الزيادة على رأس المال « و لا تظلمون » بالنقصان من رأس المال .
وَ إِن كانَ ذُو عُسرَة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسرَة وَ أَن تَصدَّقُوا خَيرٌ لَّكمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(280)

القراءة

قرأ أبو جعفر عسرة بضم السين و الباقون « عسرة » بإسكانها و هما لغتان و قرأ
مجمع البيان ج : 2 ص : 675
زيد عن يعقوب ميسرة بضم السين مضافا إلى الهاء و روي ذلك عن مجاهد و قرأ عاصم تصدقوا بتخفيف الصاد و الباقون بتشديدها و قد تقدم الكلام في مثله فإن الأصل في القراءتين تتصدقوا فخفف في إحداهما بحذف إحدى التاءين و في الأخرى بالإدغام .

اللغة

النظرة التأخير و هو اسم قام مقام الإنظار مثل أخرة يقال بعته بأخرة و بنظرة أي بنسيئة و رأيت فلانا بأخرة الناس أي في آخرهم و الميسرة و الميسور بمعنى اليسار و الغنى و السعة و ما روي من قراءة من قرأ إلى ميسرة فلم يجزه البصريون لأن مفعل لا يجيء في الآحاد إلا بالتاء و قد جاء في الجمع قال جميل :
بثين الزمي لا إن لا إن لزمته
على كثرة الواشين أي معون و روي :
أبلغ النعمان عني مالكا
أنه قد طال حبسي و انتظاري و الأول جمع معونة و م آلك جمع مألكة و هي الرسالة و مثل هذا الذي نقل لا يتعد به سيبويه فربما أطلق القول و قال ليس في الكلام كذا و إن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان .

الإعراب

كان هذه هي التامة و هي التي تتم بفاعلها و يكتفي به و تقديره و إن وقع ذو عسرة و قيل هي ناقصة محذوفة الخبر و تقديره و إن كان ذو عسرة غريما لكم و كان يجوز لو قرىء و إن كان ذا عسرة أي و إن كان الذي عليه الدين ذا عسرة و روي ذلك في الشواذ عن أبي فنظرة مرفوعة لأنها خبر مبتدإ محذوف و الفاء فيه للجزاء و تقديره فالذي تعاملونه به نظرة « و أن تصدقوا » في موضع رفع بأنه مبتدأ و خبره « خير لكم » .

المعنى

لما أمر سبحانه بأخذ رأس المال من الموسر بين بعده حال المعسر فقال « و إن كان ذو عسرة » معناه و إن وقع في غرمائكم ذو عسرة و يجوز أن يكون تقديره و إن كان غريما لكم ذو عسرة « فنظرة » أي فالذي تعاملونه به نظرة « إلى ميسرة » أي إلى وقت اليسار أي فالواجب نظرة صيغة الخبر و المراد به الأمر أي فانظروه إلى وقت يساره و اختلف في حد الإعسار فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال هو إذا لم يقدر على ما يفضل من قوته و قوت عياله على الاقتصاد و قال أبو علي الجبائي هو التعذر بالإعدام أو بكساد المتاع
مجمع البيان ج : 2 ص : 676
أو نحوه و اختلف في وجوب إنظار المعسر على ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه واجب في كل دين عن ابن عباس و الضحاك و الحسن و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد الله ( و ثانيها ) أنه واجب في دين الربا خاصة عن شريح و إبراهيم النخعي ( و ثالثها ) أنه واجب في دين الربا بالآية و في كل دين بالقياس عليه و قال الباقر (عليه السلام) « إلى ميسرة » معناه إلى أن يبلغ خبره الإمام فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في المعروف « و أن تصدقوا خير لكم » معناه و أن تتصدقوا على المعسر بما عليه من الدين خير لكم « إن كنتم تعلمون » الخير من الشر و تميزون ما لكم عما عليكم و مما جاء في معنى الآية من الحديث قوله (عليه السلام) من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله و روي بريدة عنه أنه قال من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة و في هذه الآية دلالة على أن الإنسان إن علم أن غريمه معسر حرم عليه حبسه و ملازمته و مطالبته بما له عليه و إنما يجب عليه إنظاره انتظارا لليسارة و إن الصدقة برأس المال على المعسر خير و أفضل من انتظار يسره و روي عن ابن عباس و ابن عمر آخر ما نزلت من القرآن آي الربا .
وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفى كلُّ نَفْس مَّا كسبَت وَ هُمْ لا يُظلَمُونَ(281)

القراءة

قرأ أبو عمرو و يعقوب بفتح التاء و الباقون بضمها .

الحجة

حجة أبي عمرو قوله إن إلينا إيابهم فأضاف المصدر إلى الفاعل فهذا بمنزلة ترجعون و آب مثل رجع و من حجته قوله و إنا إليه راجعون فإلينا مرجعهم .

الإعراب

يوما منصوب لأنه مفعول به و لا ينتصب على الظرف لأنه ليس المعنى اتقوا في هذا اليوم و قوله « ترجعون فيه إلى الله » جملة في موضع نصب بكونه صفة لقوله « يوما » و « توفي كل نفس ما كسبت » في موضع نصب بأنه عطف على صفة يوم إلا أنه حذف منه فيه لدلالة الأول عليه .

النزول

هذا آخر آية نزلت من القرآن و قال جبرائيل ضعها في رأس الثمانين و المائتين من البقرة عن ابن عباس و السدي قال المفسرون لما نزلت هذه الآية إنك ميت
مجمع البيان ج : 2 ص : 677
و إنهم ميتون قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليتني أعلم متى يكون ذلك فأنزل الله تعالى سورة النصر إذا جاء نصر الله و الفتح فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يسكت بين التكبير و القراءة بعد نزول هذه السورة فيقول سبحان الله و بحمده و أستغفر الله و أتوب إليه فقيل له إنك لم تكن تقوله قبل هذا فقال أما إن نفسي نعيت إلي ثم بكى بكاء شديدا فقيل يا رسول الله أ و تبكي من الموت و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر قال فأين هول المطلع و أين ضيق القبر و ظلمة اللحد و أين القيامة و الأهوال فعاش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعد نزول هذه السورة عاما تاما ثم نزلت لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه إلى آخر السورة و هذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن فعاش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعدها ستة أشهر ثم لما خرج رسول الله إلى حجة الوداع نزلت عليه في الطريق يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم إلى آخرها فسميت آية الصيف ثم نزل عليه و هو واقف بعرفة اليوم أكملت لكم دينكم الآية فعاش بعدها إحدى و ثمانين يوما ثم نزلت عليه آيات الربا ثم نزلت بعدها « و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله » و هي آخر آية نزلت من السماء فعاش رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بعدها إحدى و عشرين يوما و قال ابن جريج تسع ليال و قال سعيد بن جبير و مقاتل سبع ليال ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول حين بزغت الشمس و روي أصحابنا لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة و لسنة واحدة من ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان بنفسي هو (صلى الله عليه وآله وسلّم) حيا و ميتا .

المعنى

ثم حذر سبحانه المكلفين من بعد ما تقدم من ذكر آي الحدود و الأحكام فقال « و اتقوا يوما » معناه و احذروا يوما و اخشوا يوما « ترجعون فيه إلى الله » تردون جميعا إلى جزاء الله و يقال إلى ملك الله لنفعكم و ضركم دون غيره ممن ملكه إياه في دار الدنيا و هو المراد بكل ما في القرآن من هذا اللفظ لأن الله سبحانه لا يغيب عن أحد و لا يغيب أحد عن علمه و ملكه و سلطانه و يدل عليه قوله و هو معكم أينما كنتم و ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم و إنما خص يوم القيامة بهذه الصفة لأن الناس إذا حشروا انقطع أمرهم و بطل ملكهم و لا يبقى لواحد منهم أمر و لا نهي كما قال سبحانه لمن الملك اليوم لله الواحد القهار « ثم توفى كل نفس ما كسبت » قيل فيه وجهان أحدهما توفي جزاء ما كسبت من الأعمال و الثاني توفى ما كسبت من الثواب و العقاب لأن الكسب على وجهين كسب العبد لفعله و كسبه لما ليس من فعله كما يكسب المال « و هم لا يظلمون » معناه لا ينقصون ما يستحقونه من الثواب و لا يزاد عليهم ما يستحقونه من العقاب .

مجمع البيان ج : 2 ص : 678
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْن إِلى أَجَل مُّسمًّى فَاكتُبُوهُ وَ لْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كاتِب بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْب كاتِبٌ أَن يَكْتُب كمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكتُب وَ لْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَس مِنْهُ شيْئاً فَإِن كانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سفِيهاً أَوْ ضعِيفاً أَوْ لا يَستَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ استَشهِدُوا شهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَ لا يَأْب الشهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَ لا تَسئَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صغِيراً أَوْ كبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسط عِندَ اللَّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشهَدَةِ وَ أَدْنى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَن تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكمْ فَلَيْس عَلَيْكمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَ أَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَ لا يُضارَّ كاتِبٌ وَ لا شهِيدٌ وَ إِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ ُسوقُ بِكمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ يُعَلِّمُكمُ اللَّهُ وَ اللَّهُ بِكلِّ شىْء عَلِيمٌ(282)

القراءة

قرأ حمزة وحده إن تضل بكسر الهمزة و الباقون بفتحها و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و قتيبة فتذكر بالتخفيف و النصب و قرأ حمزة فتذكر بالتشديد و الرفع و قرأ الباقون « فتذكر » بالتشديد و النصب و قرأ عاصم وحده « تجارة حاضرة » بالنصب و قرأ الباقون بالرفع و قرأ أبو جعفر
مجمع البيان ج : 2 ص : 679
و لا يضار بتشديد الراء و تسكينها و الباقون « لا يضار » بالنصب و التشديد .

الحجة

الوجه في قراءة حمزة إن تضل إحداهما بكسر الهمزة و هو أنه جعل أن للجزاء و الفاء في قوله « فتذكر » جواب الجزاء و موضع الشرط و جزائه رفع بكونهما وصفا للمنكورين و هما المرأتان في قوله « فرجل و امرأتان » فقوله « رجل و امرأتان » خبر مبتدإ محذوف و تقديره فمن يشهد رجل و امرأتان و يجوز أن يكون رجل مرتفعا بالابتداء و امرأتان معطوفتان عليه و خبر الابتداء محذوف و تقديره فرجل و امرأتان يشهدون و قوله « ممن ترضون من الشهداء » فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم رجل و امرأتان و لا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المتقدم ذكرهما لاختلاف إعراب الموصوفين أ لا ترى أن شهيدين منصوبان و رجل و امرأتان إعرابها الرفع فإذا كان كذلك علمت أن الوصف الذي هو ظرف إنما هو وصف لقوله « فرجل و امرأتان » دون من تقدم ذكرهما من الشهيدين و الشرط و جزاؤه وصف لقوله « و امرأتان » لأن الشرط جملة يوصف بها كما يوصل بها في نحو قوله الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و اللام التي هي في قوله « أن تضل » فيمن جعل أن جزاء في موضع جزم و إنما حركت بالفتح لالتقاء الساكنين و لو كسرت للكسرة قبلها لكان جائزا في القياس و أما قوله « فتذكر » فقياس قول سيبويه في قوله تعالى و من عاد فينتقم الله منه و الآي التي تلاها معها أن يكون بعد الفاء في « فتذكر » مبتدأ محذوف و لو أظهرته لكان فهما تذكر إحداهما الأخرى فالذكر العائد إلى المبتدأ المحذوف الضمير في قوله « إحداهما » و أما الأصل في تذكر فهو من الذكر الذي هو ضد النسيان و ذكرت فعل يتعدى إلى مفعول واحد فإذا نقلته بالهمز أو ضعفت العين منه تعدى إلى مفعول آخر و ذلك نحو فرحته و أفرحته فمن قرأ « فتذكر » كان ممن جعل بالتضعيف و من قرأ فتذكر كان ممن نقل بالهمزة و كلاهما سايغ و المفعول الثاني في قوله « فتذكر إحداهما الأخرى » محذوف و المعنى فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها و أما قراءة الأكثرين و هو « أن تضل » بفتح الألف فإن يتعلق فيها بفعل مضمر دل عليه هذا الكلام و ذلك أحد ثلاثة أشياء الأول هو أن قوله « فإن لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان » يدل على قولك و استشهدوا رجلا و امرأتين و على هذا فتقديره فليشهد رجل و امرأتان فتعلق أن إنما هو بهذا الفعل و الثاني ما قاله أبو الحسن و هو أن تقديره فليكن رجل و امرأتان و على هذا فيكون معناه فليحدث شهادة رجل و امرأتين حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه و الثالث أن يضمر خبر المبتدأ الذي هو فرجل و امرأتان أي فرجل و امرأتان يشهدون فيكون يشهدون العامل في أن و موضع إضماره فيمن فتح الهمزة من أن تضل قبل أن و فيمن كسر أن بعد انقضاء الشرط بجزائه و أما موضع أن هذه فنصب و تقديره لأن تضل
مجمع البيان ج : 2 ص : 680
إحداهما فتذكر فإن قيل فإن الشهادة إنما وقعت للذكر و الحفظ لا للضلال الذي هو النسيان فجوابه أن سيبويه قد قال أمر بالإشهاد لأن تذكر إحداهما الأخرى و إنما ذكر أن تضل لأنه سبب الإذكار كما يقال القائل أعددته أن يميل الحائط فأدعمه و هو لا يطلب بذلك ميلان الحائط و لكنه أخبر بعلة الدعم و سببه و قوله فتذكر أو « فتذكر » بالنصب معطوف على الفعل المنصوب بأن و أما قراءة من قرأ إلا أن تكون تجارة حاضرة بالرفع فالوجه فيها أن يكون كان بمعنى وقع و حدث فكأنه قال أ أن تقع تجارة حاضرة مثل قوله و إن كان ذو عسرة و أما من نصب « تجارة حاضرة » فيكون على خبر كان و لم يخل اسم كان من أحد شيئين أحدهما أن يكون ما يقتضيه الكلام من الإشهاد و الارتهان قد علم من فحواه التبايع فأضمر التبايع لدلالة الحال عليه كما يقال إذا كان غدا فأتني و الآخر أن يكون أضمر التجارة فكأنه قال إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة و مثل ذلك قول الشاعر :
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي
إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا أي إذا كان اليوم يوما و أما قوله « لا يضار » ففيه قولان ( أحدهما ) أن أصله لا يضارر فأدغمت الراء في الراء و فتحت لالتقاء الساكنين فيكون معناه لا يكتب الكاتب إلا بالحق و لا يشهد الشاهد إلا بالحق ( الثاني ) أن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى فأدغمت فيكون المعنى لا يدع الكاتب على وجه يضر به و كذلك الشاهد و الأول أبين و أما قراءة أبي جعفر بتسكين الراء مع التشديد ففيه نظر و وجهه أنه أجري الوصل مجرى الوقت كقولهم ( ببازل وجنا أو عيهل ) و قد تقدم أمثاله .

اللغة

تقول داينت الرجل مداينة إذا عاملته بدين أخذت منه أو أعطيته و تداين القوم أو الرجلان بمعناه قال الشاعر :
داينت أروى و الديون تقضي
فمطلت بعضا و أدت بعضا و يقال دنت و أدنت إذا اقترضت و أدنت إذا أقرضت قال :
أدان و أنبأه الأولون
بأن المدان مليء وفي و الإملال و الإملاء يقال أمل عليه و أملى عليه بمعنى و البخس النقص ظلما يقال
مجمع البيان ج : 2 ص : 681
بخسه حقه يبخسه بخسا و ثمن بخس ناقص عن حقه و البخس فقوء العين لأنه إدخال نقص على صاحبها و السفيه الجاهل و أصل السفه الخفة قال الشاعر :
تخاف أن تسفه أحلامنا
فتخمل الدهر مع الخامل و إنما سمي الجاهل بالسفيه لخفة عقله و تقول من الإباء أبي يأبى و لم يأت مثله في اللغة لأن فعل يفعل لا يأتي إلا أن يكون في موضع العين من الفعل أو اللام حرف من حروف الحلق و القول فيه أن الألف من أبى أشبهت الهمزة فجاء يفعل منه مفتوحا لهذه العلة و الضلال أصله الهلاك تقول العرب ضل الماء في اللبن و منه قوله إن المجرمين في ضلال و سعر و قيل أصله الذهاب بحيث لا يوجد و قيل و منه أ إذا ضللنا في الأرض و السأم الملل يقال سئم يسأم ساما إذا مل من الشيء و ضجر منه قال زهير :
سئمت تكاليف الحياة و من يعش
ثمانين حولا لا أبا لك يسأم و أقسط أي أعدل و القسط العدل يقال أقسط إذا عدل و قسط يقسط قسوطا إذا جار و القسط الحصة .

المعنى

لما أمر سبحانه بإنظار المعسر و تأجيل دينه عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤجلة و عقود المداينة فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا الله و رسوله « إذا تداينتم » أي تعاملتم و داين بعضكم بعضا « بدين » قيل فيه قولان ( أحدهما ) أنه على وجه التأكيد و تمكين المعنى في النفس كقوله تعالى و لا طائر يطير بجناحيه ( و الآخر ) أنه إنما قال بدين لأن تداينتم قد يكون بمعنى تجازيتم من الدين الذي هو الجزاء و قد يكون بمعنى تعاملتم بدين فقيده بالدين لتخليص اللفظ من الاشتراك « إلى أجل مسمى » أي وقت مذكور معلوم بالتسمية قال ابن عباس إن الآية وردت في السلم خاصة و كان يقول أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم و أنزل فيه أطول آية من كتابه و تلا هذه الآية و ظاهر الآية يقع على كل دين مؤجل سلما كان أو غيره و عليه المفسرون و الفقهاء « فاكتبوه » معناه فاكتبوا الدين في صك لئلا يقع فيه نسيان أو جحود و ليكون ذلك توثقة للحق و نظرا للذي له الحق و للذي عليه الحق و للشهود فوجه النظر للذي له الحق أن يكون حقه موثقا بالصك و الشهود فلا يضيع حقه و وجه النظر للذي عليه الحق أن يكون أبعد به من الجحود فلا يستوجب النقمة و العقوبة وجه النظر للشهود أنه إذا كتب بخطه كان ذلك أقوم للشهادة و أبعد من
مجمع البيان ج : 2 ص : 682
السهو و أقرب إلى الذكر و اختلف في هذا الأمر فقيل هو مندوب إليه عن أبي سعيد الخدري و الحسن و الشعبي و هو الأصح و عليه الأكثر و قيل هو فرض عن الربيع و كعب و يدل على صحة القول الأول قوله فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اوتمن أمانته و المفهوم من هذا الظاهر فإن ائتمنه على ماله أن يأتمنه عليه ثم بين كيفية الكتابة فقال « و ليكتب بينكم كاتب بالعدل » يعني و ليكتب كتاب المداينة أو البيع بين المتعاقدين كاتب بالقسط و الإنصاف و الحق لا يزيد فيه و لا ينقص منه في صفة و لا مقدار و لا يستبدل و لا يكتب شيئا يضر بأحدهما إلا بعلمه « و لا يأب كاتب » أي و لا يمتنع كاتب من « أن يكتب » الصك على الوجه المأمور به « كما علمه الله » من الكتابة بالعدل و قيل كما فضله الله تعالى بتعليمه إياه فلا يبخل على غيره بالكتابة و اختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا فقيل هي فرض على الكفاية كالجهاد و نحوه عن الشعبي و جماعة من المفسرين و اختاره الرماني و الجبائي و جوز الجبائي أن يأخذ الكاتب و الشاهد الأجرة على ذلك قال الشيخ أبو جعفر الطوسي و عندنا لا يجوز ذلك و الورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين و يكون الكتاب في يده لأنه له و قيل واجب على الكاتب أن يكتب في حال فراغه عن السدي و قيل واجب عليه أن يكتب إذا أمر عن مجاهد و عطا و قيل إن ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر بصاحب الدين إن امتنع فإذا كان كذلك فهو فريضة و إن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره عن الحسن و قيل كان واجبا ثم نسخ بقوله « و لا يضار كاتب و لا شهيد » عن الضحاك « فليكتب » أمر للكاتب أي فليكتب الصك على الوجه المأمور به و كانت الكتبة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فيهم قلة فلذلك أكد بقوله « فليكتب » إذ الجمع بين الأمر بالشيء و النهي عن تركه أدعى إلى فعله من الاقتصار على أحدهما ثم بين سبحانه كيفية الإملاء على الكاتب فقال سبحانه « و ليملل الذي عليه الحق » يعني المديون يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه فليكتب « و ليتق الله ربه » أي الذي عليه الحق في الإملاء « و لا يبخس » أي و لا ينقص « منه » أي من الحق « شيئا » لا من قدره و لا من صفته ثم بين الله تعالى حال من لا يصح منه الإملاء فقال « فإن كان الذي عليه الحق سفيها » أي جاهلا بالإملاء عن مجاهد و قيل صغيرا طفلا عن السدي و الضحاك و قيل عاجزا أحمق عن ابن زيد « أو ضعيفا » أي ضعيف العقل من عته أو جنون و قيل شيخا خرفا « أو لا يستطيع أن يمل هو » أي مجنونا و قيل عييا أخرس عن ابن عباس و قيل الأقرب أن يحمل على ثلاث صفات لكيلا يؤدي إلى التكرار ثم اختلف في ذلك فقيل السفيه المجنون و الضعيف الصغير و من لا يستطيع أن يمل الأخرس و نحوه ثم يدخل
مجمع البيان ج : 2 ص : 683
في كل واحد من هو في معناه و قيل السفيه المبذر و الضعيف الصبي المراهق و من لا يستطيع أن يمل المجنون عن القاضي « فليملل وليه بالعدل » قيل معناه فليملل ولي الذي عليه الحق إذا عجز عن الإملاء بنفسه عن الضحاك و ابن زيد و قيل معناه ولي الحق و هو الذي له الحق عن ابن عباس لأنه أعلم بدينه فيملي بالحق و العدل ثم أمر سبحانه بالإشهاد فقال « و استشهدوا شهيدين من رجالكم » يعني اطلبوا الشهود و أشهدوا على المكتوب رجلين من رجالكم أي من أهل دينكم و قال مجاهد معناه من الأحرار العالمين البالغين المسلمين دون العبيد و الكفار و الحرية ليست بشرط عندنا في قبول الشهادة و إنما اشترط الإسلام مع العدالة و به قال شريح و الليثي و أبو ثور و قيل هذا أمر للقضاة بأن يلتمسوا عند القضاء بالحق شهيدين من المدعي عند إنكار المدعي عليه فيكون السين في الحالتين سين السؤال و الطلب « فإن لم يكونا رجلين » يعني فإن لم يكن الشهيدان رجلين « فرجل و امرأتان » أي فليكن رجل و امرأتان أو فليشهد رجل و امرأتان « ممن ترضون من الشهداء » عدالته و هذا يدل على أن العدالة شرط في الشهود و يدل أيضا على أنا لم نتعبد بإشهاد مرضيين على الإطلاق لقوله « ممن ترضون » و لم يقل من المرضيين لأنه لا طريق لنا إلى معرفة من هو مرضي عند الله تعالى و إنما تعبدنا بإشهاد من هو مرضي عندنا في الظاهر و هو من نرضى دينه و أمانته و نعرفه بالستر و الصلاح « أن تضل إحداهما » أي تنسى إحدى المرأتين « فتذكر إحداهما الأخرى » قيل هو من الذكر الذي هو ضد النسيان عن الربيع و السدي و الضحاك و أكثر المفسرين و التقدير فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها و من قرأ فتذكر بالتخفيف من الإذكار فهو بهذا المعنى أيضا أي يقول لها هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا و بحضرتنا فلان أو فلانة حتى تذكر الشهادة و هذا لأن النسيان يغلب على النساء أكثر مما يغلب على الرجال و قيل هو من الذكر أي يجعلها كذكر من الرجال عن سفيان بن عيينة و الأول أقوى فإن قيل لم كرر لفظة إحداهما و هلا قال فتذكرها الأخرى فجوابه على وجهين ( أحدهما ) أنه إنما كرر ليكون الفاعل مقدما على المفعول و لو قال فتذكرها الأخرى لكان قد فصل بين الفعل و الفاعل بالمفعول و ذلك مكروه ( و الثاني ) ما قاله حسين بن علي المغربي إن معناه إن تضل إحدى الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر إحدى المرأتين الأخرى لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى و يؤيد ذلك أنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالا و يقال ضلت الشهادة إذا ضاعت كما قال سبحانه قالوا ضلوا عنا أي ضاعوا منا ثم خاطب سبحانه الشهود فقال « و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا » و في معناه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أن معناه و لا يمتنع الشهداء إذا دعوا لإقامة الشهادة عن مجاهد و عطا و سعيد بن جبير
مجمع البيان ج : 2 ص : 684
و هذا إذا كانوا عالمين بالشهادة على وجه لا يرتابون فيه و لم يخافوا من أدائها ضررا ( و الثاني ) أن معناه إذا دعوا لإثبات الشهادة و تحملها عن قتادة و الربيع ( و الثالث ) أن معناه إذا دعوا إلى إثبات الشهادة و إلى إقامتها عن ابن عباس و الحسن و عن أبي عبد الله (عليه السلام) و هو أولى لأنه أعم فائدة « و لا تسئموا » أي و لا تضجروا و لا تملوا « أن تكتبوا » أي تكتبوا الحق « صغيرا » كان الحق « أو كبيرا » و قيل إن هذا خطاب للشاهد و معناه لا تملوا أن تكتبوا الشهادة على الحق « إلى أجله » أي إلى أجل الدين و قيل معناه إلى أجل الشاهد أي إلى الوقت الذي تجوز فيه الشهادة و الأول أقوى « ذلكم » الكتاب أو كتابة الشهادة و الصك « أقسط » أي أعدل « عند الله » لأنه سبحانه أمر به و اتباع أمره أعدل من تركه « و أقوم للشهادة » أي أصوب للشهادة و أبعد من الزيادة و النقصان و السهو و الغلط و النسيان و قيل معناه أحفظ للشهادة مأخوذ من القيام على الشيء بمعنى الحفظ « و أدنى ألا ترتابوا » أي أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق و الأجل « إلا أن تكون تجارة » معناه إلا أن تقع تجارة أي مداينة و مبايعة حاضرة حالة يدا بيد و من قرأ بالنصب فمعناه إلا أن تكون التجارة تجارة « حاضرة تديرونها بينكم » أي تتناقلونها من يد إلى يد نقدا لا نسيئة « فليس عليكم جناح » أي حرج و ضيق « ألا تكتبوها » و معناه فليس عليكم إثم في ترك كتابتها لأن الكتابة للوثيقة و لا يحتاج إلى الوثيقة إلا في النسيئة دون النقد « و أشهدوا إذا تبايعتم » أي و أشهدوا الشهود على بيعكم إذا تبايعتم و هذا أمر على الاستحباب و الندب عن الحسن و جميع الفقهاء .
و قال أصحاب الظاهر الإشهاد فرض في التبايع « و لا يضار كاتب و لا شهيد » أصله يضارر بكسر الراء الأولى عن الحسن و قتادة و عطا و ابن زيد فيكون النهي للكاتب و الشاهد عن المضارة فعلى هذا فمعنى المضارة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه و يشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة و قيل الأصل فيه لا يضارر بفتح الراء الأولى عن ابن مسعود و مجاهد فيكون معناه لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر و لا يتفرغ إليها و لا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى إلى إثبات الشهادة و إقامتها في حال عذر و لا يعنف عليهما قال الزجاج و الأول أبين لقوله « و إن تفعلوا فإنه فسوق بكم » فالفاسق أشبه بغير العدل و بمن حرف الكتاب منه بالذي دعا شاهدا ليشهد أو دعا كاتبا ليكتب و هو مشغول و قال غيره معناه و إن تفعلوا مضارة الكاتب و الشهيد فإن المضارة في الكتابة و الشهادة فسوق بكم أي خروج عما أمر الله سبحانه به « و اتقوا الله » فيما أمركم به و نهاكم عنه « و يعلمكم الله » ما تحتاجون إليه من أمور دينكم « و الله بكل شيء عليم » أي عليم بذلك و بكل ما سواه من المعلومات و ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره أن في البقرة خمسمائة حكم و في
مجمع البيان ج : 2 ص : 685
هذه الآية خاصة خمسة عشر حكما .
* وَ إِن كُنتُمْ عَلى سفَر وَ لَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهَنٌ مَّقْبُوضةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَ لا تَكْتُمُوا الشهَدَةَ وَ مَن يَكتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(283)

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو فرهن على وزن فعل و الباقون « فرهان » على وزن فعال .

الحجة

قال أبو علي الرهن مصدر و لما نقل فسمي به كسر كما تكسر الأسماء و جمع على بناءين من أبنية الجموع و هو فعل و فعال و كلاهما من أبنية الكثير و قد يخفف العين من رهن كما خفف في رسل و كتب و مثل رهن و رهن سقف و سقف و قال الأعشى :
آليت لا أعطيه من أبنائنا
رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا .

اللغة

يقال رهنت عند الرجل رهنا و رهنته رهنا و أنا أرهنه إذا وضعته عنده و رهنته ضيعة و قالوا أرهنته أيضا و فعلت فيه أكثر قال :
يراهنني فيرهنني بنيه
و أرهنه بني بما أقول قال الأصمعي من روى بيت ابن همام :
فلما خشيت أظافيرهم
نجوت و أرهنتهم مالكا فقد أخطأ إنما الرواية و أرهنهم مالكا كما تقول وثبت إليه و أصك عينه و نهضت إليه و أخذ بشعره و تقول أرهنت لهم الطعام أي أدمته لهم و أرهيته بمعناه و الطعام راهن و رآه و قد أرهنت في ثمن السلعة إذا أسلفت فيه قال ( عيدية أرهنت فيها الدنانير ) و أما قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لا يغلق الرهن فمعناه أن يقول الراهن أن جئتك بفكاكه إلى شهر و إلا فهو لك
مجمع البيان ج : 2 ص : 686

بالدين فهذا باطل بلا خلاف .

المعنى

ثم ذكر سبحانه حكم الوثيقة بالرهن عند عدم الوثيقة بالإشهاد فقال « و إن كنتم » أيها المتداينون المتبايعون « على سفر » أي مسافرين « و لم تجدوا كاتبا » للصك و لا شهودا تشهدونهم « فرهان مقبوضة » تقديره فالوثيقة رهن فيكون رهن خبر مبتدإ محذوف و يجوز أن يكون التقدير فرهان مقبوضة يقوم مقام الوثيقة بالصك و الشهود و القبض شرط في صحة الرهن فإن لم يقبض لم ينعقد الرهن بالإجماع « فإن أمن بعضكم بعضا » أي فإن أمن صاحب الحق الذي عليه الحق و وثق به و ائتمنه على حقه و لم يستوثق منه بصك و لا رهن « فليؤد الذي اؤتمن » أي الذي عليه الحق « أمانته » بأن لا يجحد حقه و لا يبخس منه شيئا و يؤديه إليه وافيا وقت محله من غير مطل و لا تسويف و أراد بقوله « أمانته » أي ما اوتمن فيه فهو مصدر بمعنى المفعول « و ليتق الله ربه » معناه و ليتق الذي عليه الحق عقوبة الله ربه فيما اؤتمن عليه بجحوده أو النقصان منه « و لا تكتموا الشهادة » يعني بعد تحملها و هو خطاب للشهود و نهي لهم عن كتمان الشهادة إذا دعوا إليها « و من يكتمها » أي و من يكتم الشهادة مع علمه بالمشهود به و عدم ارتيابه فيه و تمكنه من أدائها من غير ضرر بعد ما دعي إلى إقامتها « فإنه آثم قلبه » أضاف الإثم إلى القلب و إن كان الآثم هو الجملة لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب لأن العزم على الكتمان إنما يقع بالقلب و لأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم كما أن إضافة الإيمان إلى القلب أبلغ في المدح قال تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان « و الله بما تعملون » أي ما تسرونه و تكتمونه « عليم » و روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال لا ينقضي كلام شاهد زور من بين يدي الحاكم حتى يتبوأ مقعده من النار و كذلك من كتم الشهادة و في قوله تعالى « فإن أمن بعضكم بعضا » دلالة على أن الإشهاد و الكتابة في المداينة ليسا بواجبين و إنما هو على سبيل الاحتياط و تضمنت هذه الآية و ما قبلها من بدائع لطف الله تعالى و نظره لعباده في أمر معاشهم و معادهم و تعليمهم ما لا يسعهم جهله ما فيه بصيرة لمن تبصر و كفاية لمن تفكر .

مجمع البيان ج : 2 ص : 687
لِّلَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ إِن تُبْدُوا مَا فى أَنفُسِكمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ وَ يُعَذِّب مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(284)

القراءة

قرأ ابن عامر و عاصم و أبو جعفر و يعقوب « فيغفر » « و يعذب » بالرفع و قرأ الباقون بالجزم فيهما .

الحجة

قال أبو علي وجه قول من جزم أنه اتبعه ما قبله و لم يقطعه منه و هذا أشبه بما عليه كلامهم أ لا ترى أنهم يطلبون المشاكلة و يلزمونها فمن ذلك إن ما كان معطوفا على جملة من فعل و فاعل و اشتغل عن الاسم الذي من الجملة التي يعطف عليها الفعل يختار فيه النصب و لو لم يكن قبله الفعل و الفاعل لاختاروا الرفع و على هذا ما جاء في التنزيل نحو قوله و كلا ضربنا له الأمثال و قوله فريقا هدى و فريقا حق عليهم الضلالة فكذلك ينبغي أن يكون الجزم أحسن ليكون مشاكلا لما قبله في اللفظ و هذا النحو من طلبهم المشاكلة كثير و من لم يجزم قطعه من الأول و قطعه منه على أحد وجهين إما أن يجعل الفعل خبرا لمبتدء محذوف و إما أن يعطف جملة من فعل و فاعل على ما تقدمها .

المعنى

« لله ما في السموات و ما في الأرض » اللام لام الملك أي له تصريف السموات و الأرض و ما فيهما و تدبيرهما لقدرته على ذلك و لأنه الذي أبدعهما و أنشأهما فجميع ذلك ملكه و ما ملكه يصرفه كما يشاء « و إن تبدوا ما في أنفسكم » و تعلنوه أي تظهروا ما في أنفسكم من الطاعة و المعصية « أو تخفوه » أي تكتموه « يحاسبكم به الله » أي يعلم الله ذلك فيجازيكم عليه و قيل معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها فإن الله يعلم ذلك و يجازيكم به عن ابن عباس و جماعة و قيل إنها عامة في الأحكام التي تقدم ذكرها في السورة خوفهم الله سبحانه من العمل بخلافها و قال قوم إن هذه الآية منسوخة بقوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها و رووا في ذلك خبرا ضعيفا و هذا لا يصح لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز فكيف ينسخ و إنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر و النهي من الاعتقادات و الإرادات و غير ذلك مما هو مستور عنا فأما ما لا يدخل في التكليف من الوساوس و الهواجس و ما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر فخارج عنه لدلالة العقل و لقوله (صلى الله عليه وآله وسلّم) تجوز لهذه الأمة عن نسيانها و ما حدثت به أنفسها فعلى هذا يجوز أن تكون الآية الثانية بينت للأولى و أزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه و ظن أن ما يخطر بالبال أو تتحدث به النفس مما لا يتعلق بالتكليف فإن الله يؤاخذ به و الأمر بخلاف ذلك و قوله « فيغفر لمن يشاء » أي يغفر لمن يشاء منهم رحمة و فضلا « و يعذب من يشاء » منهم ممن يستحق العقاب عدلا « و الله على كل شيء قدير » من المغفرة و العذاب عن ابن عباس و لفظ الآية
مجمع البيان ج : 2 ص : 688
عام في جميع الأشياء و القول فيما يخطر بالبال من المعاصي أن الله تعالى لا يؤاخذ به و إنما يؤاخذ بما يعزم الإنسان و يعقد قلبه عليه مع إمكان التحفظ عنه فيصير من أفعال القلب فيجازيه به كما يجازيه بأفعال الجوارح و إنما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية لأنه لم يباشرها و هذا بخلاف العزم على الطاعة فإن العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه ذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الأخبار أن المنتظر للصلاة في الصلاة ما دام ينتظرها و هذا من لطائف نعم الله تعالى على عباده .

النظم

ذكر في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه ( أحدها ) أنه لما فرغ من بيان الشرائع ختم السورة بالتوحيد و الموعظة و الإقرار بالجزاء ( و الثاني ) أنه لما قال و الله بكل شيء عليم اتبعه بأنه لا يخفى عليه شيء لأن له ملك السموات و الأرض عن أبي مسلم ( و الثالث ) أنه لما أمر بهذه الوثائق بين أنه إنما يعتد بها لأمر يرجع إلى المكلفين لا لأمر يرجع إليه فإن له ما في السموات و ما في الأرض .
ءَامَنَ الرَّسولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ مَلَئكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسلِهِ لا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَد مِّن رُّسلِهِ وَ قَالُوا سمِعْنَا وَ أَطعْنَا غُفْرَانَك رَبَّنَا وَ إِلَيْك الْمَصِيرُ(285)

القراءة

قرأ أهل الكوفة غير عاصم و كتابه و الباقون « و كتبه » على الجمع و قرأ يعقوب لا يفرق بالياء و الباقون بالنون .

الحجة

من قرأ كتابه على الواحد ففيه وجهان ( أحدهما ) أنه بمعنى القرآن ( و الثاني ) أنه بمعنى الجنس فيوافق القراءة الأخرى على الجمع و قد جاء المضاف من الأسماء بمعنى الكثرة نحو قوله و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها و في الحديث منعت العراق درهمها و قفيزها فهذا يراد به الكثرة كما يراد بما فيه لام التعريف و الاختيار فيه الجمع ليشاكل ما قبله و ما بعده و لأن أكثر القراء عليه و من قرأ لا يفرق فعلى تقدير لا يفرق الرسول أو كل لا يفرق و النون على تقدير و قالوا لا نفرق كقوله و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا و سمعنا أي و يقولون ربنا أبصرنا .

مجمع البيان ج : 2 ص : 689

الإعراب

« غفرانك » نصب على أنه بدل من الفعل المأخوذ منه فكأنه قيل اللهم اغفر لنا غفرانك و استغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء فصار بدلا عنه معاقبا له .

المعنى

لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة و الزكاة و أحكام الشرع و أخبار الأنبياء ختم السورة بذكر تعظيمه و تصديق نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) بجميع ذلك فقال « آمن الرسول » أي صدق محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) « بما أنزل إليه من ربه » من الأحكام المذكورة في السورة و غيرها « و المؤمنون كل » أي كل واحد منهم « آمن بالله » أي صدق بإثباته و صفاته و نفي التشبيه عنه و تنزيهه عما لا يليق به « و ملائكته » أي و بملائكته و بأنهم معصومون مطهرون « و كتبه » أي و بأن القرآن و جميع ما أنزل من الكتب حق و صدق « و رسله » و بجميع أنبيائه « لا نفرق بين أحد من رسله » أي و يقولون لا نفرق بين أحد من رسل الله في الإيمان بأن نؤمن ببعض و نكفر ببعض كما فعله أهل الكتاب من اليهود و النصارى « و قالوا سمعنا و أطعنا » معناه سمعنا قولك و أطعنا أمرك إذا جعلته راجعا إلى الله أو سمعنا قوله و أطعنا أمره إذا جعلته راجعا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قيل معناه سمعنا قول الله و قول الرسول سماع القائلين المطيعين و ذلك خلاف ما أخبر الله تعالى عن الكفار حيث قالوا سمعنا و عصينا « غفرانك ربنا » أي يقولون يا ربنا اغفر لنا و قيل معناه يقولون نسألك غفرانك « و إليك المصير » معناه إلى جزائك المصير فجعل مصيرهم إلى جزائه مصيرا إليه كقول إبراهيم إني ذاهب إلى ربي سيهدين و معناه إلى ثواب ربي أو إلى ما أمرني به ربي و هذا هو إقرار بالبعث و النشور .
لا يُكلِّف اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسعَهَا لَهَا مَا كَسبَت وَ عَلَيهَا مَا اكْتَسبَت رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطأْنَا رَبَّنَا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَ لا تُحَمِّلْنَا مَا لا طاقَةَ لَنَا بِهِ وَ اعْف عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا أَنت مَوْلَانَا فَانصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ(286)

مجمع البيان ج : 2 ص : 690

اللغة

الوسع ما دون الطاقة و يسمى ذلك وسعا بمعنى أنه يسع الإنسان و لا يضيق عنه و أخطأنا أي كسبنا خطيئة و قال أبو عبيدة أخطأ و خطىء لغتان و الفرق بين أخطأ و خطىء أن أخطأ قد يكون على وجه الإثم و غير الإثم فأما خطىء فالإثم لا غير قال الشاعر :
و الناس يلحون الأمير إذا هم
خطئوا الصواب و لا يلام المرشد و الإصر في اللغة الثقل قال النابغة :
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم
و الحامل الأصر عنهم بعد ما غرقوا و كل ما عطفك على شيء من عهد أو رحم فهو أصر و جمعه آصار و يقال أصره يأصره إصرا و الاسم الأصر قال النابغة :
يا ابن الحواضن و الحاضنات
أ تنقض إصرك حالا فحالا أي عهدك و الآصرة صلة الرحم للعطف لها قال الكميت :
نضحت آديم الود بيني و بينهم
ب آصرة الأرحام لو تتبلل .

المعنى

ثم بين سبحانه أنه فيما أمر و نهى لا يكلف إلا دون الطاقة فقال « لا يكلف الله نفسا إلا وسعها » أي لا يأمر و لا ينهى أحدا إلا ما هو له مستطيع و قيل إن معنى قوله « إلا وسعها » إلا يسرها دون عسرها و لم يكلفها طاقتها و لو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها عن سفيان بن عيينة و هذا قول حسن و في هذا دلالة على بطلان قول المجبرة في تجويز تكليف العبد ما لا يطيقه لأن الوسع هو ما يتسع له قدرة الإنسان و هو فوق المجهود و استفراغ القدرة و قال بعضهم إن معناه إلا ما يسعها و يحل لها و هذا خطأ لأن من قال لعبده لا آمرك إلا بما أطلق لك أن تفعله لكان ذلك غيا منه و خطأ لأن نفس أمره إطلاق فكأنه قال لا أطلق لك و لا أمرك إلا بما أمرك و قوله « لها ما كسبت » معناه لها ثواب ما كسبت من الطاعات « و عليها » جزاء « ما اكتسبت » من السيئات و يجوز أيضا أن يسمى الثواب و العقاب كسبا من حيث حصلا بكسبه « ربنا لا تؤاخذنا » قيل تقديره قولوا ربنا على جهة التعليم للدعاء عن الحسن و قيل تقديره يقولون ربنا على جهة الحكاية و الثناء « إن نسينا أو أخطأنا » قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن المراد بنسينا تركنا كقوله تعالى « نسوا الله فنسيهم » أي
مجمع البيان ج : 2 ص : 691
تركوا طاعته فتركهم من ثوابه و قوله « و تنسون أنفسكم » و منه قول الشاعر :
و لم أك عند الجود للجود قاليا
و لا كنت يوم الروع للطعن ناسيا أي تاركا و المراد بأخطانا أذنبنا لأن المعاصي توصف بالخطأ من حيث أنها ضد الصواب و إن كان فاعلها متعمدا فكأنه تعالى أمرهم أن يستغفروا مما تركوه من الواجبات و مما فعلوه من المقبحات ( و الثاني ) معنى قوله « إن نسينا » إن تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر و الغفلة عن الواجب أو أخطأنا أي تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ و يحسن الدعاء بذلك كما يحسن الاعتذار منه ( و الثالث ) أن معناه لا تؤاخذنا أن نسينا أي إن لم نفعل فعلا يجب فعله على سبيل السهو و الغفلة أو أخطأنا أي فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد و يحسن هذا في الدعاء على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى و إظهار الفقر إلى مسألته و الاستعانة به و إن كان مأمونا منه المؤأخذة بمثله و يجري ذلك مجرى قوله فيما بعد « و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به » على أحد الأجوبة و قوله رب احكم بالحق و قد تقدم ذكر أمثاله ( و الرابع ) ما روي عن ابن عباس و عطاء أن معناه لا تعاقبنا إن عصينا جاهلين أو متعمدين و قوله « ربنا لا تحمل علينا إصرا » قيل فيه وجهان ( أحدهما ) أن معناه لا تحمل علينا عملا نعجز عن القيام به و لا تعذبنا بتركه و نقضه عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و الربيع و السدي ( و الثاني ) أن معناه لا تحمل علينا ثقلا عن الربيع و مالك و عطاء يعني لا تشدد الأمر علينا « كما حملته على الذين من قبلنا » أي على الأمم الماضية و القرون الخالية لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها و حرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام كما قال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم و أخذ عليهم من العهود و المواثيق و كلفوا من أنواع التكاليف ما لم يكلف هذه الأمة تخفيفا عنها « ربنا و لا تحملنا ما لا طاقة لنا به » قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف و الامتحان مثل قتل النفس عند التوبة و قد يقول الرجل لأمر يصعب عليه إني لا أطيقه ( و الثاني ) أن معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا و آجلا ( و الثالث ) أنه على سبيل التعبد و إن كان تعالى لا يكلف و لا يحمل أحدا ما لا يطيقه كما ذكرنا قبل « و اعف عنا » ذنوبنا « و اغفر لنا » خطايانا أي استرها « و ارحمنا » بإنعامك علينا في الدنيا و العفو
مجمع البيان ج : 2 ص : 692
في الآخرة و إدخال الجنة « أنت مولانا » أي ولينا و أولى بالتصرف فينا و ناصرنا « فانصرنا على القوم الكافرين » أي أعنا عليهم بالقهر لهم و الغلبة بالحجة عليهم و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن الله سبحانه قال عند كل فصل من هذا الدعاء فعلت و استجبت و لهذا استحب الإكثار من هذا الدعاء ففي الحديث المشهور عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه أي كفتا قيام ليلته و عن عبد الله بن مسعود قال لما أسري برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) انتهى به إلى سدرة المنتهى و أعطي ثلثا الصلوات الخمس و خواتيم سورة البقرة و غفر لمن لا يشرك بالله من أمته إلا المقحمات و عن ابن المنكدر رفعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال في آخر سورة البقرة آيات إنهن قرآن و إنهن دعاء و إنهن يرضين الرحمن و في تفسير الكلبي بإسناده ذكره عن ابن عباس قال بينا رسول الله إذ سمع نقيضا يعني صوتا فرفع رأسه فإذا باب من السماء قد فتح فنزل عليه ملك و قال إن الله يبشرك بنورين لم يعطهما نبيا قبلك فاتحة الكتاب و خواتيم سورة البقرة لا يقرأهما أحد إلا أعطيته حاجته و روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال كان الرجل إذا تعلم سورة البقرة جد فينا أي عظم .

مجمع البيان ج : 2 ص : 693
( 3 ) سورة آل عمران مدنية و آياتها مائتان ( 200 )
هي كلها مدنية عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و جميع المفسرين عدد آيها مائتان إلا آية شامي و مائتان في الباقين خلافها في سبع آيات عد الكوفي الم آية و الإنجيل الثانية آية و ترك و أنزل الفرقان و عد البصري و رسولا إلى بني إسرائيل آية و ترك الشامي التوراة و الإنجيل الأول و عد مقام إبراهيم هو و أبو جعفر و ترك أبو جعفر مما تحبون و عد أهل الحجاز حتى تنفقوا مما تحبون .

فضلها

روى أبي بن كعب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم ، ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه و ملائكته حتى تجب الشمس ، بريدة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) تعلموا سورة البقرة و سورة آل عمران فإنهما الزهراوان و أنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف .

مجمع البيان ج : 2 ص : 694

سورة آل عمران
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم(1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ(2) نَزَّلَ عَلَيْك الْكِتَب بِالْحَقِّ مُصدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيْهِ وَ أَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَ الانجِيلَ(3) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَ أَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِئَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شدِيدٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَام(4) إِنَّ اللَّهَ لا يخْفَى عَلَيْهِ شىْءٌ فى الأَرْضِ وَ لا فى السمَاءِ(5)
خمس آيات بلا خلاف إلا أن الكوفي عد « الم » آية و ترك « و أنزل الفرقان » و غيرهم بالعكس من ذلك .

القراءة

قرأ أبو جعفر و الأعشى و البرجمي عن أبي بكر عن عاصم الم الله بسكون الميم و قطع همزة الله و قرأ الباقون موصولا و بفتح الميم و روي في الشواذ عن عمر بن الخطاب و ابن مسعود و إبراهيم النخعي و الأعمش و عن زيد بن علي بن الحسين و عن جعفر بن محمد الصادق و عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) الحي القيام و روي عن الحسن الإنجيل بفتح الهمزة .

الحجة

قال أبو علي اتفاق الجميع على إسقاط الألف الموصولة في اسم الله تعالى دل على أن الميم ساكنة كما أن سائر حروف التهجي مبنية على الوقف فلما التقت الميم الساكنة و لام التعريف حركت الميم بالفتح للساكن الثالث الذي هو لام التعريف و الدليل على أن التحريك للساكن الثالث و هو مذهب سيبويه أن حروف التهجي يجتمع فيها الساكنان نحو حا ميم عين سين قاف و ذلك أنها مبنية على الوقف كما أن أسماء العدد كذلك فحركت الميم للساكن الثالث بالفتح كما حركت النون في قوله من الله بالفتح لالتقاء الساكنين و أما من قطع الألف فكأنه قدر الوقف على الميم و استأنف فقطع الهمزة لابتدائه بها و أما القيام فقد قال ابن جني أنه صفة على فيعال من قام يقوم و مثله من الصفة الغيداق و أصله من القيوام التقت الواو و الياء و سبقت الأولى بالسكون فقلبت الواو ياء و أدغم فيها الياء و قراءة الجماعة « القيوم » فيعول من هذا أيضا و أما الإنجيل بفتح الهمزة فمثال غير معروف النظير في كلامهم لأنه ليس في كلامهم أفعيل بفتح الهمزة و لو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج لكنه عندهم عربي و هو أفعيل من نجل ينجل إذا أثار و استخرج و منه نجل الرجل لولده لأنه استخرجهم من صلبه و من بطن امرأته قال الأعشى :
أنجب أزمان والداه به
إذ نجلاه فنعم ما نجلا أي أنجب والداه أزمان إذ نجلاه ففصل بين المضاف الذي هو أزمان و بين المضاف
مجمع البيان ج : 2 ص : 695
إليه الذي هو إذ كقولهم حينئذ و يومئذ بالفاعل و قيل له إنجيل لأن به يستخرج علم الحلال و الحرام كما قيل توراة و هي فوعلة من روي الزند إذا قدح و أصله و وراة فأبدلت الواو التي هي الفاء تاء كما قالوا التجاه و التخمة و التكلان و التراث من الوجه و الوخامة و الوكل و الوراثة فهي من وري الزند إذا ظهرت ناره و ذاك من نجل ينجل إذا استخرج لما في الكتابين من معرفة الحلال و الحرام و كما قيل لكتاب نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) الفرقان لأنه فرق بين الحق و الباطل فالمعاني كما ترى معتنقة و كلها الإظهار و الإبراز و الفرق بين الأشياء و قال علي بن عيسى النجل الأصل فكان الإنجيل أصل من أصول العلم و قال غيره النجل الفرع و منه قيل للولد نجل فكان الإنجيل فرع على التوراة يستخرج منها و قال ابن فضال هو من النجل و هو من السعة يقال عين نجلاء و طعنة نجلاء و كأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق على أهل التوراة و كل محتمل .

الإعراب

مصدقا نصب على الحال و قوله « من قبل » أي من قبل إنزال الكتاب فلما قطعه عن الإضافة بناه على الضم و موضع هدى نصب على الحال من التوراة و الإنجيل أي هاديين و يجوز أن يكون خبر مبتدإ محذوف تقديره هما هدى .

النزول

قال الكلبي و محمد بن إسحاق و الربيع بن أنس نزلت أوائل السورة إلى نيف و ثمانين آية في وفد نجران و كانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم و في الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم العاقب أمير القوم و صاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه و اسمه عبد المسيح و السيد ثمالهم و صاحب رحلهم و اسمه الأيهم و أبو حارثة بن علقمة أسقفهم و حبرهم و إمامهم و صاحب مدارسهم و كان قد شرف فيهم و درس كتبهم و كانت ملوك الروم قد شرفوه و مولوه و بنوا له الكنائس لعلمه و اجتهاده فقدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) المدينة و دخلوا مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب و أردية في جمال رجال بلحرث بن كعب يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ما رأينا وفدا مثلهم و قد حانت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس و قاموا فصلوا في مسجد رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقالت الصحابة يا رسول الله هذا في مسجدك فقال رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) دعوهم فصلوا إلى المشرق فتكلم السيد و العاقب رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أسلما قالا قد أسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا و عبادتكما الصليب و أكلكما الخنزير قالا إن لم يكن
مجمع البيان ج : 2 ص : 696
ولد الله فمن أبوه و خاصموه جميعا في عيسى فقال لهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أ لستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا و يشبه أباه قالوا بلى قال أ لستم تعلمون إن ربنا حي لا يموت و إن عيسى يأتي عليه الفناء قالوا بلى قال أ لستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء و يحفظه و يرزقه قالوا بلى قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال أ لستم تعلمون إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم قالوا لا قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء و ربنا لا يأكل و لا يشرب و لا يحدث قالوا بلى قال أ لستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذي الصبي ثم كان يطعم و يشرب و يحدث قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم فسكتوا فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع و ثمانين آية .

المعنى

إن الله تعالى لما ختم سورة البقرة بذكر التوحيد و الإيمان افتتح هذه السورة بالتوحيد و الإيمان أيضا فقال « الم » و قد ذكرنا الاختلاف فيه و في معناه و في محله في أول سورة البقرة « الله لا إله إلا هو الحي القيوم » و قد ذكرنا ما فيه في تفسير آية الكرسي و روي عن ابن عباس أنه قال « الحي القيوم » اسم الله الأعظم و هو الذي دعا به آصف بن برخيا صاحب سليمان (عليه السلام) في حمل عرش بلقيس من سبإ إلى سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه « نزل عليك » يا محمد « الكتاب » يعني القرآن « بالحق » فيه قولان ( أحدهما ) بالصدق في إخباره ( و الثاني ) بالحق أي بما توجبه الحكمة من الإرسال و هو حق من الوجهين « مصدقا لما بين يديه » أي لما قبله من كتاب و رسول عن مجاهد و قتادة و الربيع و جمع المفسرين و إنما قيل لما بين يديه لما قبله لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه و قيل في معنى مصدقا هاهنا قولان ( أحدهما ) أن معناه مصدقا لما بين يديه و ذلك لموافقته لما تقدم الخبر به و فيه دلالة على صحة نبوته (صلى الله عليه وآله وسلّم) من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا و هو من عند الله علام الغيوب ( و الثاني ) أن معناه أن يخبر بصدق الأنبياء و بما أتوا به من الكتب و لا يكون مصدقا للبعض و مكذبا للبعض « و أنزل التوراة » على موسى « و الإنجيل » على عيسى « من قبل » أي من قبل إنزال القرآن « هدى للناس » مفعول له أي دلالة و بيانا و قيل يعني به الكتب الثلاثة أي ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه و أهل كل زمان بما أنزل في زمانه و قيل إن « هدى للناس » حال من الكتاب أي هاديا للناس « و أنزل الفرقان » يعني به القرآن و إنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته و إن كانت لموصوف واحد لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة الأخرى فإن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق
مجمع البيان ج : 2 ص : 697
و الباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحج و غيره من الأحكام و ذلك كله في القرآن و وصفه بالكتاب يفيد أن من شأنه أن يكتب و روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال الفرقان هو كل آية محكمة في الكتاب و هو الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء و قيل المراد بالفرقان الهادلة الفاصلة بين الحق و الباطل عن أبي مسلم و قيل المراد به الحجة القاطعة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) على من حاجه في أمر عيسى و قيل المراد به النصر « إن الذين كفروا ب آيات الله » أي بحججه و دلالاته « لهم عذاب شديد » لما بين حججه الدالة على توحيده و صدق أنبيائه عقب ذلك بوعيد من خالف فيه و جحده ليتكامل به التكليف « و الله عزيز » أي قادر لا يتمكن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه و أصل العزة الامتناع و منه أرض عزاز أي منيعة السلوك لصعوبتها و منه يقال من عز بز أي من غلب سلب لأن الغالب ممتنع عن الضيم فالله تعالى عزيز أي ممتنع من حيث أنه قادر لنفسه لا يعجزه شيء « ذو انتقام » أي ذو قدرة على الانتقام من الكفار لا يتهيأ لأحد منعه و الانتقام مجازاة المسيء على إساءته « إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء » لما ذكر سبحانه الوعيد على الإخلال بمعرفته مع نصب الأدلة على توحيده و صدق أنبيائه اقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شيء فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته لأن المجازي لا تخفى عليه خافية فإن قيل لم قال « لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء » و لم يقل لا يخفى عليه شيء على وجه من الوجوه فيكون أشد مبالغة قلنا لأن الغرض أن يعلمنا أنه يعلم ما يستسر به في الأرض أو في السماء و الإفصاح بذكر ذلك أعظم في النفس و أهول في الصدر مع الدلالة على أنه عالم بكل شيء فإن قيل لم لم يقل أنه عالم بكل شيء في الأرض و السماء قلنا لأن الوصف بأنه لا يخفى عليه شيء يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه مع ما فيه من التصرف في العبارة و إنما لا يخفى عليه شيء لأنه عالم لنفسه فيجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما و ما يصح أن يكون معلوما لا نهاية له فلا يجوز أن يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه .
هُوَ الَّذِى يُصوِّرُكمْ فى الأَرْحَامِ كَيْف يَشاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الحَْكِيمُ(6)

اللغة

التصوير جعل الشيء على صورة لم يكن عليها و الصورة هيئة يكون عليها الشيء في التأليف و أصلها من صاره يصوره إذا أماله لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها و الفرق
مجمع البيان ج : 2 ص : 698

بين الصورة و الصيغة أن الصيغة عبارة عما وضع في اللغة ليدل على أمر من الأمور و ليس كذلك الصورة لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية و الأرحام جمع رحم و أصله الرحمة و ذلك لأنها مما يتراحم به و يتعاطف يقولون وصلتك رحم و المشيئة هي الإرادة .

الإعراب

كيف في موضع نصب على المصدر تقديره أي نوع يشاء و جملة يشاء في موضع الحال من يصور أي « يصوركم في الأرحام » أي يخلق صوركم في الأرحام شائيا مريدا أي نوع أراده .

المعنى

« هو الذي يصوركم » أي يخلق صوركم « في الأرحام كيف يشاء » على أي صورة شاء و على أي صفة شاء من ذكر أو أنثى أو صبيح أو دميم أو طويل أو قصير « لا إله إلا هو العزيز » في سلطانه « الحكيم » في أفعاله و دلت الآية على وحدانية الله و كمال قدرته و تمام حكمته حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة و ركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة و لا كلفة و قد تقرر في عقل كل عاقل إن العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة و يصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه و يصرفونه لم يقدروا على ذلك و لا وجدوا إليه سبيلا فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام فتبارك الله أحسن الخالقين و هذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد (عليهماالسلام) .
هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْك الْكِتَب مِنْهُ ءَايَتٌ محْكَمَتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَ أُخَرُ مُتَشبِهَتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشبَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَ الرَّسِخُونَ فى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كلُّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَ مَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُوا الأَلْبَبِ(7)

اللغة

المحكم مأخوذ من قولك 0 أحكمت الشيء إذا ثقفته و أتقنته و أم الكتاب أصله و مكة أم القرى و يقال لعلم الجيش أم و أصله أمهة و لذلك يجمع على أمهات و قد يقال أمات أيضا و المتشابه الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض أخذ من الشبه لأنه يشتبه به المراد و الزيغ الميل و إزاغة إمالة و التزايغ التمايل في الأسنان و الابتغاء الطلب و الفتنة أصلها

<<        الفهرس        >>