جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج2 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



مجمع البيان ج : 2 ص : 605
قالت السماء فهطلت معناه فهطلت السماء و قلت برأسي كذا و قلت بيدي كذا و معناه أشرت برأسي و بيدي و ذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحا للفعل كالقول الذي هو تسمية و ما جرى مجراه مما كان يستفتح به الفعل صار معنى قالت السماء فهطلت أي استفتحت بالهطلان كذلك معناه هاهنا فاستفتح الله بإماتتهم ( و الثاني ) أن معناه أماتهم بقول سمعته الملائكة لضرب من العبرة ثم أحياهم الله بدعاء نبيهم حزقيل عن ابن عباس و قيل إنه شمعون من أنبياء بني إسرائيل « إن الله لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون » لما ذكر النعمة عليهم بما أراهم من الآية العظيمة في أنفسهم ليلتزموا سبيل الهدى و يجتنبوا طريق الردى ذكر بعده ما له عليهم من الأنعام و الإحسان مع ما هم عليه من الكفران و هذه الآية حجة على من أنكر عذاب القبر و الرجعة معا لأن إحياء أولئك مثل إحياء هؤلاء الذين أحياهم الله للاعتبار .

[ القصة ]


قيل إن اسم القرية التي خرجوا منها هربا من وبائها داوردان قبل واسط قال الكلبي و الضحاك و مقاتل أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا و كرهوا الموت فاعتلوا و قالوا إن الأرض التي نأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء فأرسل الله عليهم الموت فلما رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى الملك ذلك قال اللهم رب يعقوب و إله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك فأماتهم الله جميعا و أمات دوابهم و أتى عليه ثمانية أيام حتى انتفخت و أروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع و تركوهم فيها قالوا و أتى على ذلك مدة حتى بليت أجسادهم و عريت عظامهم و تقطعت أوصالهم فمر عليهم حزقيل و جعل يتفكر فيهم متعجبا منهم فأوحى إليه يا حزقيل تريد أن أريك آية و أريك كيف أحيي الموت قال نعم فأحياهم الله و قيل إنهم كانوا قوم حزقيل فأحياهم الله بعد ثمانية أيام و ذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى ثم قال يا رب كنت في قوم يحمدونك و يسبحونك و يقدسونك فبقيت وحيدا لا قوم لي فأوحى الله إليه قد جعلت حياتهم إليك فقال حزقيل أحيوا بإذن الله فعاشوا و سأل حمران بن أعين أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن هؤلاء القوم الذين « قال لهم الله موتوا ثم أحياهم » فقال أحياهم حتى نظر الناس إليهم ثم أماتهم أم ردهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور و أكلوا
مجمع البيان ج : 2 ص : 606
الطعام قال لا بل ردهم الله حتى سكنوا الدور و أكلوا الطعام و نكحوا النساء و مكثوا بذلك ما شاء الله ثم ماتوا ب آجالهم .
وَ قَتِلُوا فى سبِيلِ اللَّهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سمِيعٌ عَلِيمٌ(244)

المعنى

اختلف في المخاطب بقوله « و قاتلوا في سبيل الله » فقيل توجه الخطاب إلى الصحابة بعد ما ذكرهم بحال من فر من الموت فلم ينفعه الفرار يحرضهم على الجهاد لئلا يسلكوا في الفرار من الجهاد سبيل أولئك الذين فروا من الديار و قيل أنه خطاب للذين جرى ذكرهم على تقدير و قيل لهم قاتلوا في سبيل الله « و اعلموا أن الله سميع عليم » أي سميع لما يقول المنافق عليم بما يجنه فاحذروا حاله .
مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِض اللَّهَ قَرْضاً حَسناً فَيُضعِفَهُ لَهُ أَضعَافاً كثِيرَةً وَ اللَّهُ يَقْبِض وَ يَبْصط وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)

القراءة

« فيضاعفه » فيه أربع قراءات قرأ أبو عمرو و نافع و حمزة و الكسائي فيضاعفه بالألف و الرفع و قرأ عاصم الألف و النصب و قرأ ابن كثير و أبو جعفر فيضعفه بالتشديد و الرفع و قرأ ابن عامر و يعقوب بالتشديد و النصب و قرأ أبو عمرو و الكسائي و حمزة يبسط و بسطه : و في الأعراف أيضا بالسين و روي عنهم أيضا بالصاد و يعقوب و هشام بالسين و الباقون مختلف عنهم .

الحجة

قال أبو علي للرفع في قوله فيضاعفه وجهان ( أحدهما ) أن يعطفه على ما في الصلة و الآخر أن يستأنفه فأما النصب في « فيضاعفه » فالرفع أحسن منه أ لا ترى أن الاستفهام إنما هو عن فاعل الإقراض لا عن الإقراض و إذا كان كذلك لم يكن مثل قولك أ تقرضني فأشكرك لأن الاستفهام هاهنا عن الإقراض و وجه قول ابن عامر و عاصم في النصب من فاء « فيضاعفه » أنه حمل الكلام على المعنى و ذلك أنه لما كان المعنى أ يكون قرض حمل قوله « فيضاعفه » على ذلك كما أن من قرأ من يضلل الله فلا هادي له و يذرهم جزم قوله و يذرهم لما كان معنى قوله فلا هادي له لا يهده و نحو ذلك مما يحمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ كثير فأما القول في يضاعف و يضعف فكل واحد منهما في معنى الآخر و قوله
مجمع البيان ج : 2 ص : 607
« أضعافا » منصوب على الحال و تقديره فيكثره فإذا هي أضعاف فيكون حالا بعد الفراغ من الفعل و وجه قول من أبدل من السين الصاد في هذه المواضع التي ذكرت أن الطاء حرف مستعل يتصعد من مخرجها إلى الحنك و لم يتصعد السين تصعدها فكره التصعد عن التسفل فأبدل من السين حرفا في مخرجها في تصعد الطاء فتلأم الحرفان و صار كل واحد منهما وفق صاحبه في التصعد فزال في الإبدال ما كان يكره من التصعد عن التسفل و لو كان اجتماع الحرفين على عكس ما ذكرناه و هو أن يكون التصعد قبل التسفل لم يكره ذلك و لم يبدلوا أ لا ترى أنهم قالوا طسم الطريق و قسوت و قست فلم يكرهوا التسفل عن تصعد كما كرهوا بسط حتى قالوا بصط فأبدلوا فأما من لم يبدل السين في بسط و ترك السين فلأنه الأصل و لأن ما بين الحرفين من الخلاف يسير فاحتمل الخلاف لقلته .

اللغة

القرض هو قطع جزء من المال بالإعطاء على أن يرد بعينه أو يرد مثله بدلا منه و أصل القرض القطع بالمناب يقال قرض الشيء يقرض إذا قطعه بنابه و أقرض فلان فلانا إذا أعطاه ما يتجازاه منه و الاسم منه القرض و التضعيف و المضاعفة و الأضعاف بمعنى و هو الزيادة على أصل الشيء حتى يصير مثلين أو أكثر تقول ضعفت القوم أضعفهم ضعفا إذا كثرتهم فصرت مع أصحابك على الضعف منهم و ضعف الشيء مثله في المقدار إذا زيد عليه فكل واحد منهما ضعف و ضعف الشيء ضعفا و ضعفا و الضعف خلاف القوة و القبض خلاف البسط يقال قبضه يقبضه قبضا و القبض ضم الكف على الشيء و التقبض التشنج و تقبض عنه إذا اشمأز عنه لأنه ضم نفسه عن الانبساط إليه و قبض الإنسان إذا مات و الملك قابض الأرواح و بسط يبسط بسطا و البساط ما بسطته و البساط بفتح الباء الأرض الواسعة و كتب يبسط بالسين و بصطة بالصاد لأن القلب على الساكن أقوى منه على المتحرك .

المعنى

لما حث سبحانه على الجهاد و ذلك يكون بالنفس و المال و عقبه بالتلطف في الاستدعاء إلى أعمال البر و الإنفاق في سبيل الخير فقال « من ذا الذي يقرض الله » أي ينفق في سبيل الله و طاعته و المراد به الأمر و ليس هذا بقرض حاجة على ما ظنه اليهود فقال إنما يستقرض منا ربنا عن عوز فإنما هو فقير و نحن أغنياء بل سمى تعالى الإنفاق قرضا تلطفا للدعاء إلى فعله و تأكيدا للجزاء عليه فإن القرض يوجب الجزاء « قرضا حسنا » و القرض الحسن أن ينفق من حلال و لا يفسده بمن و لا أذى و قيل هو أن يكون محتسبا طيبا به نفسه عن الواقدي و قيل هو أن يكون حسن الموقع عند الإنفاق فلا يكون خسيسا
مجمع البيان ج : 2 ص : 608
و الأولى أن يكون جامعا لهذه الأمور كلها فلا تنافي بينها « فيضاعفه له أضعافا كثيرة » أي فيزيده له أي يعطيه ما لا يعلمه إلا الله و هو مثل قوله تعالى « و يؤت من لدنه أجرا عظيما » عن الحسن و السدي و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال لما نزلت هذه الآية من جاء بالحسنة فله خير منها قال رسول الله رب زدني فأنزل الله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فقال رسول الله رب زدني فأنزل الله سبحانه « من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة » و الكثير عند الله لا يحصى « و الله يقبض و يبسط » معناه و الله يقبض الرزق عن أقوام بأن يقتره عليهم و يبسط الرزق على أقوام بأن يوسعه عليهم عن الحسن و ابن زيد و قيل معناه يقبض الصدقات و يبسط الجزاء عليها عاجلا أو آجلا أو كلاهما عن الأصم و الزجاج و قيل يقبض الرزق بموت واحد و يبسط لوارثه « و إليه ترجعون » و هذا تأكيد للجزاء قال الكلبي في سبب نزول هذه الآية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة فقال أبو الدحداح الأنصاري و اسمه عمرو بن الدحداح يا رسول الله إن لي حديقتين إن تصدقت بإحداهما فإن لي مثليها في الجنة قال نعم قال و أم الدحداح معي قال نعم قال و الصبية معي قال نعم فتصدق بأفضل حديقتيه فدفعها إلى رسول الله فنزلت الآية فضاعف الله له صدقته ألفي ألف و ذلك قوله « أضعافا كثيرة » قال فرجع أبو الدحداح فوجد أم الدحداح و الصبية في الحديقة التي جعلها صدقة فقام على باب الحديقة و تحرج أن يدخلها فنادى يا أم الدحداح قالت لبيك يا أبا الدحداح قال إني قد جعلت حديقتي هذه صدقة و اشتريت مثليها في الجنة و أم الدحداح معي و الصبية معي قالت بارك الله لك فيما شريت و فيما اشتريت فخرجوا منها و أسلموا الحديقة إلى النبي فقال النبي كم نخلة متدل عذوقها لأبي الدحداح في الجنة .
أَ لَمْ تَرَ إِلى الْمَلا مِن بَنى إِسرءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إِذْ قَالُوا لِنَبىّ لَّهُمُ ابْعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَتِلْ فى سبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسيْتُمْ إِن كتِب عَلَيْكمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَتِلُوا قَالُوا وَ مَا لَنَا أَلا نُقَتِلَ فى سبِيلِ اللَّهِ وَ قَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَ أَبْنَائنَا فَلَمَّا كُتِب عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمُ بِالظلِمِينَ(246)

مجمع البيان ج : 2 ص : 609

القراءة

قرأ نافع وحده عسيتم بكسر السين و الباقون بفتحها .

الحجة

المشهور في عسيت فتح السين و وجه قراءة نافع أنهم قالوا هو عس بذلك و ما عساه و أعس به حكاه ابن الأعرابي و هذا يقوي قراءة نافع لأن عس مثل حر و شج و قد جاء فعل و فعل مثل نقم و نقم و ورت بك زنادي و وريت فكذلك عست و عسيت فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن تقول عسي زيد مثل رضي فإن قاله فهو قياس قوله و إن لم يقله فسائغ له أن يأخذ باللغتين معا و يستعمل إحداهما في موضع و الأخرى في موضع آخر كما فعل ذلك غيره .

اللغة

الملأ الجماعة الأشراف من الناس و روي أن رجلا من الأنصار قال يوم بدر إن قتلنا الأعاجيز صلعا فقال النبي أولئك الملأ من قريش لو رأيتهم في أنديتهم لهبتهم و لو أمروك لأطعتهم و لاحتقرت فعالك عند فعالهم و ملأت الإناء أترعته لأنه يجتمع فيه ما لا يكون مزيد عليه و مالأت الرجل عاونته و تمالئوا على ذلك إذا تعاونوا و ملأ الرجل ملاءة فهو ملي بالأمر إذا أمكنه القيام به و الملأ الخلق لأن جميع أفعال صاحبه يجري عليه يقال أحسنوا أملاءكم أي أخلاقكم قال :
تنادوا يأل بهثة إذ رأونا
فقلنا أحسني ملأ جهينا و أصل الباب الاجتماع فيما لا يحتمل المزيد و إنما سمي الأشراف ملأ لأنه لا مزيد على شرفهم و قيل لأن هيبتهم تملأ الصدور و الملأ مقصورا المتسع من الأرض قال الشاعر :
ألا غنياني و ارفعا الصوت بالملأ
فإن الملأ عندي تريد المدى بعدا .

الإعراب

« من بني إسرائيل » الجار و المجرور في محل النصب على الحال و العامل فيه تر و ذو الحال الملأ و « من بعد موسى » في موضع الحال أيضا و هو حال بعد حال أو حال من الضمير في الجار و المجرور قبله و قوله « نقاتل » جزم على الجواب للمسألة التي هي على لفظ الأمر أي إن تبعث لنا ملكا نقاتل و لو كان بالياء لجاز الرفع على أن يكون صفة للملك قال الزجاج و الرفع في نقاتل بعيد يجوز على معنى فإنا نقاتل في سبيل الله و كثير من
مجمع البيان ج : 2 ص : 610
النحويين لا يجيز الرفع فيه و قوله « ألا تقاتلوا » في موضع نصب لأنه خبر عسى و قوله « و ما لنا ألا نقاتل » قال أبو الحسن الأخفش فيه و في قوله ما لكم ألا تأكلوا إن أن زائدة كأنه قال ما لنا لا نقاتل و ما لكم لا تأكلون كقوله ما لكم لا تنطقون و ما لك لا تأمنا وقع الفعل المنفي موقع الحال كما وقع الموجب موقعه في قولك ما لك تفعل و قد يقال أيضا في نحو ذلك أن المعنى و ما لنا في أن لا نقاتل و ما لكم في أن لا تأكلوا فكأنه حمل الآية على وجهين قال أبو علي و القول الثاني أوضح و يكون أن مع حرف في موضع نصب الحال كقوله تعالى « فما لهم عن التذكرة معرضين » و نحو ذلك ثم حذف الجار و سد أن و صلتها ذلك المسد و الحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه و مثله في وقوع الظرف موقع الحال قول أبو ذؤيب :
يعثرن في حد الظباة كأنما
كسيت برود بني يزيد الأذرع و هذا كما يقال خرجت في الثياب أي خرجت لابسا و وجه ثالث ذكره المبرد و هو أن يكون ما جحدوا و تقديره و ما لنا نترك القتال و على الوجهين الأولين يكون ما استفهاما و قد أخرجنا جملة في موضع الحال و تقديره و ما لنا ألا نقاتل مخرجين من ديارنا و ذو الحال الضمير في ألا نقاتل و قليلا منصوب على الاستثناء من الموجب .

المعنى

لما قدم تعالى ذكر الجهاد عقبه بذكر القصة المشهورة في بني إسرائيل تضمنت شرح ما نالهم في قعودهم عنه تحذيرا من سلوك طريقهم فيه « أ لم تر » أي أ لم ينته علمك يا محمد « إلى الملأ » أي جماعة الأشراف « من بني إسرائيل من بعد موسى » أي من بعد وفاته « إذ قالوا لنبي لهم » اختلف في ذلك النبي فقيل اسمه شمعون سمته أمه بذلك لأن أمه دعت إلى الله أن يرزقها غلاما فسمع الله دعاءها فيه و هو شمعون بن صفية من ولد لاوي بن يعقوب عن السدي و قيل هو يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب عن قتادة و قيل هو إشمويل و هو بالعربية إسماعيل عن أكثر المفسرين و هو المروي عن أبي جعفر « ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله » اختلف في سبب سؤالهم ذلك فقيل كان سبب سؤالهم ذلك استذلال الجبابرة لهم لما ظهروا على بني إسرائيل و غلبوهم على كثير من ديارهم و سبوا كثيرا من ذراريهم بعد أن كانت الخطايا قد كثرت في بني إسرائيل
مجمع البيان ج : 2 ص : 611
و عظمت فيهم الأحداث و نسوا عهد الله تعالى و لم يكن لهم نبي يدبر أمرهم فبعث الله إليهم إشمويل نبيا فقالوا له إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك عن الربيع و الكلبي و قيل أرادوا قتال العمالقة فسألوا ملكا يكون أميرا عليهم تنتظم به كلمتهم و يجتمع أمرهم و يستقيم حالهم في جهاد عدوهم عن السدي و قيل بعث الله إشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من أمر جالوت و العمالقة ما كان فقالوا لإشمويل ابعث لنا ملكا عن وهب و قال أبو عبد الله كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود و النبي يقيم له أمره و ينبئه بالخبر من عند ربه فأجابهم نبيهم ف « قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال » أي لعلكم إن فرض عليكم المحاربة مع ذلك الملك « ألا تقاتلوا » أن لا تفوا بما تقولون و تجنبوا فلا تقاتلوا و إنما سألهم عن ذلك ليعرف ما عندهم من الحرص على القتال و هذا كأخذ العهد عليهم و معنى عسيتم قاربتم فإذا قلت عسيت أن أفعل كذا فمعناه قاربت فعله « قالوا » يعني قال الملأ « و ما لنا ألا نقاتل في سبيل الله » معناه و أي شيء لنا في ترك القتال و قيل معناه ليس لنا ترك القتال « و قد أخرجنا » لفظه عام و معناه خاص أي قد أخرج بعضنا « من ديارنا و أبنائنا » أوطاننا و أهالينا بالسبي و القهر على نواحينا و المعنى أنهم أجابوا نبيهم بأن قالوا إنما كنا لا نرغب في القتال إذ كنا أعزاء لا يظهر علينا عدونا فأما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا بد من الجهاد « فلما كتب عليهم القتال » فيه حذف تقديره فسأل النبي الله تعالى أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه أعداءهم فسمع الله دعوته و أجاب مسألته فبعث لهم ملكا و كتب عليهم القتال أي فرض فلما كتب عليهم القتال « تولوا » أي أعرضوا عن القيام به و ضيعوا أمر الله « إلا قليلا منهم » و هم الذين عبروا النهر على ما نبينه من بعد « و الله عليم بالظالمين » هذا تهديد لمن يتولى عن القتال لأنهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله .
وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَث لَكمْ طالُوت مَلِكاً قَالُوا أَنى يَكُونُ لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا وَ نحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْت سعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصطفَاهُ عَلَيْكمْ وَ زَادَهُ بَسطةً فى الْعِلْمِ وَ الْجِسمِ وَ اللَّهُ يُؤْتى مُلْكهُ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ(247)

مجمع البيان ج : 2 ص : 612

اللغة

اصطفاه اختاره و استصفاه بمعناه و أصله اصتفاه إلا أن التاء أبدلت طاء لأن التاء من مخرج الطاء و الطاء مطبقة كما أن الصاد مطبقة فأبدلوها منها ليسهل النطق بها بعد الصاد و البسطة الفضيلة في الجسم و المال و الجسم حده الطويل العريض العميق بدلالة قولهم جسم جسامة أي ضخم و هذا جسيم أي ضخيم و هذا أجسم من هذا إذا زاد عليه في الطول و العرض و العمق و قيل الجسم هو المؤلف و قيل هو القائم بنفسه و الصحيح الأول .

الإعراب

طالوت و جالوت و داود لا تنصرف لأنها أسماء أعجمية و فيها سببان التعريف و العجمة فأما جاموس فلو سميت رجلا به لانصرف و إن كان أعجميا لأنه قد تمكن في العربية لأنك تدخل عليه الألف و اللام فتقول الجاموس ملكا نصب على الحال العامل فيه بعث و ذو الحال طالوت و أني في موضع نصب لأنه خبر يكون و الملك اسمه و له في موضع الحال و ذو الحال الملك تقديره و أنى يكون له الملك يستقر له علينا و يجوز أن يكون كان هنا تامة فيتعلق اللام بكون و أنى في موضع نصب على الحال من يكون و علينا يتعلق بالملك « و نحن أحق » في محل النصب على الحال أيضا تقديره أنى يكون له أن يملك علينا و نحن أحق منه بالملك « و لم يؤت سعة » في محل الحال أيضا عطف على نحن أحق و العامل فيه الملك و ذو الحال الضمير في أن يملك و تقديره أن يملك علينا غير مؤتي سعة مالية .

المعنى

« و قال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا » أي جعله ملكا و كان طالوت من ولد بنيامين بن يعقوب و لم يكن من سبط النبوة و لا من سبط المملكة و سمي طالوت لطوله و يقال كان سقاء و قيل كان خرنبدجا و قيل كان دباغا و كانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب و كانت المملكة في سبط يهوذا بن يعقوب و قيل في سبط يوسف و قوله « ملكا » يعني أميرا على الجيش عن مجاهد و قيل بعثه نبيا بعد أن جعله ملكا « قالوا أنى يكون له الملك علينا » أي من أين له الملك و هذا أول اعتراضهم إذ أنكروا ملكه « و نحن أحق » أي أولى « بالملك منه » لأنا من سبط النبوة و المملكة و أوتينا المال « و لم يؤت سعة من المال » أي لم يعط ما يتملك به الناس و هو المال إذ لا بد للملك من المال يحصل به المماليك و قيل معناه و لم يؤت سعة من المال فيشرف به و يجبر نقصا لو كان فيه حتى يساوي أهل الأنساب فأعلمهم الله أنه أعرف بوجوه الحكمة منهم فإن المقصود في الملك و الرئاسة هو العلم و الشجاعة و أخبرهم بذلك عن لسان نبيهم
مجمع البيان ج : 2 ص : 613
« قال إن الله اصطفاه » أي اختاره « عليكم » عن ابن عباس « و زاده بسطة » أي فضيلة و سعة « في العلم و الجسم » و كان أعلم بني إسرائيل في وقته و أجملهم و أتمهم و أعظمهم جسما و أقواهم شجاعة و قيل كان إذا قام الرجل فبسط يده رافعا لها نال رأسه قال وهب كان ذلك فيه قبل الملك و زاده ذلك بعد الملك « و الله يؤتي ملكه من يشاء » أي لا تنكروا ملكه و إن لم يكن من أهل بيت الملك فإن الله سبحانه مالك الملك يؤتي الملك من يشاء « و الله واسع » قيل في معناه ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنه واسع الفضل فحذف كما يقال فلان كبير أي كبير القدر ( و الثاني ) أن الواسع بمعنى الموسع أي يوسع على من يشاء من نعمه كما جاء أليم بمعنى مؤلم و سميع بمعنى مسمع ( و الثالث ) أن معناه ذو سعة نحو عيشة راضية أي ذات رضا و رجل تأمر أي ذو تمر و لابن أي ذو لبن و قوله « عليم » أي عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل و المملكة إما للاستصلاح و إما للامتحان و في هذه الآية دلالة على أن الملك قد يضاف إليه سبحانه و ذلك بأن ينصب الملك للتدبير و يعطيه آلات الملك و يأمر الخلق بالانقياد له فعند ذلك يجوز أن يقال بعثه الله سبحانه ملكا و إن لم يكن في البعثة كالأنبياء و يقال في ملكه أيضا أنه من جهة الله سبحانه لأن تصرفه صادر عن إذنه و فيها دلالة أيضا على أن الملك ليس بواجب أن يكون وراثة و إنما يكون بحسب ما يعلمه الله من المصلحة و فيها دلالة على أن من شرط الإمام أن يكون أعلم من رعيته و أكمل و أفضل في خصال الفضل و الشجاعة لأن الله علل تقديم طالوت عليهم بكونه أعلم و أقوى فلو لا أن ذلك شرط لم يكن له معنى .
وَ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكهِ أَن يَأْتِيَكمُ التَّابُوت فِيهِ سكينَةٌ مِّن رَّبِّكمْ وَ بَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَك ءَالُ مُوسى وَ ءَالُ هَرُونَ تحْمِلُهُ الْمَلَئكَةُ إِنَّ فى ذَلِك لاَيَةً لَّكمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(248)

اللغة

التابوت بالتاء لغة جمهور العرب و التابوه بالهاء لغة الأنصار و السكينة مصدر وقع موقع الاسم نحو القضية و البقية و العزيمة و أخذ من السكون .

الإعراب

موضع أن يأتيكم رفع المعنى أن آية ملكه إتيان التابوت إياكم « فيه سكينة من ربكم » مبتدأ و خبر في موضع النصب على الحال من التابوت مما ترك الجار و المجرور في موضع الصفة لبقية .

مجمع البيان ج : 2 ص : 614

المعنى

« و قال لهم نبيهم إن آية ملكه » أي علامة تمليك الله إياه و حجة صحة ملكه « أن يأتيكم التابوت » و في هذا دليل على أنهم قالوا لرسولهم إن كان ملكه بأمر من الله و من عنده فأتنا بعلامة تدل على ذلك فأجابهم بهذا و روى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر أن التابوت كان الذي أنزله الله على أم موسى فوضعت فيه ابنها و ألقته في البحر و كان في بني إسرائيل معظما يتبركون به فلما حضر موسى الوفاة وضع فيه الألواح و درعه و ما كان عنده من آثار النبوة و أودعه عند وصيه يوشع بن نون فلم يزل التابوت بينهم و بنو إسرائيل في عز و شرف ما دام فيهم حتى استخفوا به و كان الصبيان يلعبون به في الطرقات فلما عملوا المعاصي و استخفوا به رفعه الله عنهم فلما سألوا نبيهم أن يبعث إليهم ملكا بعث الله لهم طالوت و رد عليهم التابوت و قيل كان في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة غلبوهم عليه لما مرج أمر بني إسرائيل و حدث فيهم الأحداث ثم انتزعه الله من أيديهم و رده على بني إسرائيل تحمله الملائكة عن ابن العباس و وهب و روي ذلك عن أبي عبد الله و قيل كان التابوت الذي أنزله الله على آدم فيه صور الأنبياء فتوارثه أولاد آدم و كان في بني إسرائيل يستفتحون به على عدوهم و قال قتادة و كان في برية التيه خلفه هناك يوشع بن نون فحملته الملائكة إلى بني إسرائيل و قيل كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين عليه صفائح الذهب و كان من شمشار و كانوا يقدمونه في الحروب و يجعلونه أمام جندهم فإذا سمع من جوفه أنين زف التابوت أي سار و كان الناس يسيرون خلفه فإذا سكن الأنين و خمد فوقف الناس بوقوفه « فيه سكينة من ربكم » قيل في التابوت نفسه و قيل فيما في التابوت و اختلف في السكينة فقيل إن السكينة التي كانت فيه ريح هفافه من الجنة لها وجه كوجه الإنسان عن علي (عليه السلام) و قيل كان له جناحان و رأس كرأس الهرة من الزبرجد و الزمرد عن مجاهد و روي ذلك في أخبارنا و قيل كان فيه آية يسكنون إليها عن عطا و قيل روح من الله يكلمهم بالبيان عند وقوع الاختلاف عن وهب « و بقية مما ترك آل موسى و آل هارون » قيل إنها عصا موسى و رضاض الألواح عن ابن عباس و قتادة و السدي و هو المروي عن أبي جعفر الصادق و قيل هي التوراة و شيء من ثياب موسى عن الحسن و قيل كان فيه أيضا لوحان من التوراة و قفيز من المن الذي كان ينزل عليهم و نعلا موسى و عمامة هارون و عصاه هذه أقوال أهل التفسير في السكينة و البقية و الظاهر أن السكينة أمنة و طمأنينة جعلها الله فيه ليسكن إليه بنو إسرائيل و البقية جائز أن يكون بقية من العلم أو شيء من علامات الأنبياء و جائز أن يتضمنها جميعا على ما قاله الزجاج و قيل أراد ب آل موسى و آل هارون موسى و هارون على نبينا و عليهما السلام يعني مما ترك موسى و هارون تقول العرب
مجمع البيان ج : 2 ص : 615
آل فلان يريدون نفسه أنشد أبو عبيدة :
فلا تبك ميتا بعد ميت أحبه
علي و عباس و آل أبي بكر يريد أبا بكر نفسه و قال جميل :
بثينة من آل النساء و إنما
يكن لأدنى لا وصال لغائب أي من النساء « تحمله الملائكة » قيل حملته الملائكة بين السماء و الأرض حتى رآه بنو إسرائيل عيانا عن ابن عباس و الحسن و قيل لما غلب الأعداء على التابوت أدخلوه بيت الأصنام فأصبحت أصنامهم منكبة فأخرجوه و وضعوه ناحية من المدينة فأخذهم وجع في أعناقهم و كل موضع وضعوه فيه ظهر فيه بلاء و موت و وباء فأشير عليهم بأن يخرجوا التابوت فأجمع رأيهم على أن يأتوا به و يحملوه على عجلة و يشدوها على ثورين ففعلوا ذلك و أرسلوا الثورين فجاءت الملائكة و ساقوا الثورين إلى بني إسرائيل فعلى هذا يكون معنى « تحمله الملائكة » تسوقه كما تقول حملت متاعي إلى مكة و معناه كنت سببا لحمله إلى مكة « إن في ذلك لآية لكم » أي في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله سبحانه ملك طالوت عليكم « إن كنتم مؤمنين » مصدقين و لا يجوز أن يكون على تثبيت الإيمان لهم لأنهم كفروا حين ردوا على نبيهم و قيل إن كنتم مؤمنين كما تزعمون .
فَلَمَّا فَصلَ طالُوت بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَر فَمَن شرِب مِنْهُ فَلَيْس مِنى وَ مَن لَّمْ يَطعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنى إِلا مَنِ اغْتَرَف غُرْفَةَ بِيَدِهِ فَشرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوت وَ جُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُوا اللَّهِ كم مِّن فِئَة قَلِيلَة غَلَبَت فِئَةً كثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصبرِينَ(249)

مجمع البيان ج : 2 ص : 616

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو و أهل المدينة غرفة بالفتح و الباقون بالضم .

الحجة

قال أبو علي من فتح الغين عدى الفعل إلى المصدر و المفعول في قوله محذوف و المعنى إلا من اغترف ماء غرفة و من ضم الغين عدى الفعل إلى المفعول به و لم يعده إلى المصدر لأن الغرفة العين المغترفة فهو بمنزلة إلا من اغترف ماء و البغداديون يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر و يعملونها كما يعملون المصادر فيقولون عجبت من دهنك لحيتك و قد جاء من العرب ما يدل عليه و هو قول الشاعر :
و بعد عطائك المائة الرتاعا ) و أشياء غير هذا فعلى هذا يجوز أن ينصب الغرفة نصب الغرفة و قد قال سيبويه في نحو الجلسة و الركبة أنه قد يستغني بها عن المصادر أو قال تقع مواقعها و هذا كالمقارب لقولهم و لو قيل أن الضم هنا أوجه لقوله « فشربوا منه » و المشروب منه و المشروب منه الغرفة لكان قولا .

اللغة

الفصل القطع و فصل بالجنود أي سار بهم و قطعهم عن موضعهم و فصل الصبي فصالا قطعه عن اللبن و الجنود جمع جند و جند الجنود أي جمعهم و في الحديث الأرواح جنود مجندة و أصل الباب الجند الغليظ من الأرض يقال طعم الماء كما يقال طعم الطعام و أنشدوا :
فإن شئت حرمت النساء سواكم
و إن شئت لم أطعم نقاخا و لا بردا أراد لم أذق و النقاخ العذب و غرف الماء يغرف غرفا و اغترف بمعنى و المغرفة الآلة التي يغرف بها و غرب غروف كبير و المجاوزة من الجواز يقال جاز الشيء يجوزه إذا قطعه و أجازه إجازة إذا استصوبه و الشيء يجوز إذا لم يمنع منه دليل و جوز الشيء وسطه مشبه بمجاز الطريق و هو وسطه الذي يجاز فيه و قيل إن اشتقاق الجوزاء منه لأنها تعترض جوز السماء و المجاز في الكلام لأنه خروج عن الأصل إلى ما يجوز في الاستعمال و أصل الباب الجواز و هو المرور من غير شيء يصدر منه التجاوز عن الذنب لأنه المرور عليه بالصفح و الطاقة القوة يقال أطقت الشيء إطاقة و طاقة و طوقا مثل أطعته إطاعة و طوعا و الفئة الطائفة من الناس و الجمع فئون و فئات و لا يجوز في عدة إلا عدات لأن نقص عدة من أوله و ليس كذلك فئة و ما نقص من أوله يجري في الباب على اطراد بمنزلة غير المنقوص و أما فئة و مائة و عزة فإن النقص فيه على غير اطراد و تقول فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته و انفاء
مجمع البيان ج : 2 ص : 617
الشيء انفياء إذا انقطع و أصل الباب القطع و منه الفئة لأنهم قطعة من الناس .

الإعراب

قوله « بيده » من فتح فاء غرفة جاز أن يتعلق بالمصدر عنده و جاز أن يعلقه بالفعل أيضا و من أعمل الغرفة إعمال المصدر جاز أن يتعلق الباء بها في قوله و كلا الأمرين مذهب و « من اغترف » في موضع نصب بالاستثناء و كم خبرية و هي في موضع رفع بالابتداء .

المعنى

« فلما فصل طالوت بالجنود » في الكلام حذف لدلالة ما بقي عليه و هو فأتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها فصدقوا و انقادوا لطالوت فلما فصل طالوت أي خرج من مكانه و قطع الطريق بالجنود أي العساكر و اختلف في عددهم فقيل كانوا ثمانين ألف مقاتل عن السدي و قيل سبعين ألفا عن مقاتل و ذلك أنهم لما رأوا التابوت أيقنوا بالنصر فبادروا إلى الجهاد « قال » يعني طالوت « إن الله مبتليكم بنهر » أي مختبركم و ممتحنكم و معنى الابتلاء هاهنا تمييز الصادق عن الكاذب في قوله عن الحسن و كان سبب ابتلائهم بالنهر شكايتهم قلة الماء و خوف التلف من العطش عن وهب و قيل إنما ابتلوا بذلك ليصبروا عليه فيكثر ثوابهم و يستحقوا به النصر على عدوهم و ليتعودوا الصبر على الشدائد فيصبروا عند المحاربة و لا ينهزموا و اختلف في النهر الذي ابتلوا به فقيل هو نهر بين الأردن و فلسطين عن قتادة و الربيع و قيل هو نهر فلسطين عن ابن عباس و السدي و قوله « فمن شرب منه » الهاء كناية عن النهر في اللفظ و هو في المعنى للماء و يقال شربت من نهر كذا و يراد به الماء « فليس مني » معناه ليس من أهل ولايتي و ليس من أصحابي و ممن يتبعني « و من لم يطعمه » أي و من لم يطعم من ذلك الماء « فإنه مني » أي من أهل ولايتي و أوليائي و هو من الطعم الذي هو ما يؤديه الذوق أي لم يجد طعمه لا من الطعام و الطعم يوجد في الماء و في الطعام جميعا « إلا من اغترف غرفة بيده » إلا من أخذ الماء مرة واحدة باليد و من قرأ بالضم فمعناه إلا من شرب مقدار ملء كفه « فشربوا منه » أي شربوا كلهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم قيل إن الذين شربوا منه غرفة كانوا ثلاث مائة و بضعة عشر رجلا عن الحسن و قتادة و جماعة و قيل أربعة آلاف رجل و نافق ستة و سبعون ألفا ثم نافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة و بضعة عشر عن السدي و قيل من استكثر من ذلك الماء عطش و من لم يشرب إلا غرفة روي و ذهب عطشه و رد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر « فلما جاوزه هو و الذين آمنوا معه » معناه فلما تخطى النهر طالوت و المؤمنون معه و هم أصحابه و روي عن البراء بن عازب و قتادة و الحسن أنه إنما جاوز معه المؤمنون خاصة كانوا مثل عدد أهل بدر و قيل بل جاوز المؤمنون و الكافرون إلا أن الكافرين انعزلوا و بقي المؤمنون على عدد أهل بدر عن ابن عباس و السدي و هذا أقوى
مجمع البيان ج : 2 ص : 618
لقوله سبحانه « فلما جاوزه هو و الذين آمنوا معه » فلما رأوا كثرة جنود جالوت « قالوا » أي قال الكفار منهم « لا طاقة لنا اليوم بجالوت و جنوده » فقال المؤمنون حينئذ الذين عددهم عدة أهل بدر « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله » قال أبو القاسم البلخي و يجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين غير أن بعضهم أشد إيقانا و أقوى اعتقادا و هم الذين قالوا « كم من فئة قليلة » إلى آخره « قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله » أي راجعون إلى الله و إلى جزائه قيل في يظنون ثلاثة أقوال ( أحدها ) إن معنى يظنون يستيقنون عن السدي كقول دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج
سراتهم في الفارسي المسرد أي أيقنوا ( و الثاني ) إن معناه يحدثون نفوسهم و هو أصل الظن لأن حديث النفس بالشيء قد يكون مع الشك و قد يكون مع العلم إلا أنه قد كثر على ما كان مع الشك ( و الثالث ) يظنون أنهم ملاقوا الله بالقتل في تلك الوقعة « كم من فئة » أي فرقة « قليلة غلبت فئة كثيرة » أي قهرت فرقة كثيرة « بإذن الله » أي بنصره عن الحسن لأنه إذا أذن الله في القتال نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه « و الله مع الصابرين » بالنصرة لهم على أعدائهم .
وَ لَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوت وَ جُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صبراً وَ ثَبِّت أَقْدَامَنَا وَ انصرْنَا عَلى الْقَوْمِ الْكفِرِينَ(250)

اللغة

البروز أصله الظهور و منه البراز و هي الأرض الفضاء و رجل برز و امرأة برزة أي ذو عفة و فضل لظهور ذلك منهما و الإفراغ الصب للسيال على جهة إخلاء المكان منه يقال فرغ يفرغ فراغا و أفرغ إفراغا و أصبح فؤاد أم موسى فارغا أي خاليا من الصبر و أصل الفراغ الخلو و التثبيت تمكين الشيء في مكانه للزومه إياه و قد يقال ثبته بمعنى حكم بوجوده و رجل ثبت المقام إذا كان شجاعا لا يبرح موقفه ، و طعنه فأثبت فيه الرمح أي نفذ فيه لأنه يلزم فيه و أثبت حجته أي أقامها و رجل ثبت أي ثقة مأمون فيما روي و النصر هو المعونة على العدو و يكون ذلك بأشياء منها بزيادة القوة و منها بالرعب عن الملاقاة و منها
مجمع البيان ج : 2 ص : 619
بالاطلاع على العورة و منها بتخيل الكثرة و منها باختلاف الكلمة و الفرق بين النصر و اللطف إن كل نصر من الله فهو لطف و ليس كل لطف نصرا لأن اللطف يكون في أخذ طاعة بدلا من معصية و قد يكون في فعل طاعة من النوافل و النصر فعل الله و الصبر من فعل العبد لأنه يجازى عليه و هو حبس النفس عما تنازع إليه من الفعل و هو هاهنا حبسها عما تنازع إليه من الفرار من القتال .

المعنى

« و لما برزوا » أي ظهر طالوت و المؤمنون معه لمحاربة جالوت « و جنوده قالوا ربنا أفرغ » أي أصب علينا صبرا أي وفقنا للصبر على الجهاد و شبهة بتفريغ الإناء من جهة أنه نهاية ما توجبه الحكمة كما أنه نهاية ما في الواحد من الآنية « و ثبت أقدامنا » أي وفقنا للثبوت على الأمر « و انصرنا » أعنا « على » جهاد « القوم الكافرين » قوم جالوت .
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت وَ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك وَ الحِْكمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بَعْضهُم بِبَعْض لَّفَسدَتِ الأَرْض وَ لَكنَّ اللَّهَ ذُو فَضل عَلى الْعَلَمِينَ(251)

القراءة

قرأ أبو جعفر و نافع و يعقوب دفاع الله بالألف و في الحج مثله و قرأ الباقون بغير ألف .

الحجة

قال أبو علي دفاع يحتمل أمرين أحدهما أن يكون مصدر الفعل كالكتاب و اللقاء و نحو ذلك الثاني أن يكون مصدرا لفاعل و يدل عليه قراءة من قرأ أن الله يدافع عن الذين آمنوا و كان معنى دفع و دافع سواء أ لا ترى إلى قوله :
و لقد حرصت بأن أدافع عنهم
فإذا المنية أقبلت لا تدفع كان المعنى حرصت بأن أدفع عنهم المنية و المنية لا تدفع فوضع أدافع موضع أدفع فإذا كان كذلك فيدفع و يدافع متقاربان .

اللغة

الهزم الدفع يقال هزم القوم في الحرب يهزمهم هزما إذا دفعهم بالقتال
مجمع البيان ج : 2 ص : 620

هربا منه فانهزموا انهزاما و تهزم السقاء إذا يبس فتصدع لاندفاع بعضه عن بعض و الاهتزام الذبح يقال اهتزم شاتك قبل أن تهزم فتهلك لدفع ضياعها بتذكيتها و أصل الدفع الصرف عن الشيء و الدفاع السيل و الدفعة اندفاع الشيء جملة .

المعنى

ثم ذكر سبحانه تمام القصة فقال « فهزموهم » و لا بد من حذف هنا كأنه لما قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا قال فاستجاب لهم ربهم فهزموهم بنصره أي دفعوهم و كسروهم لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصرة دليل على معنى الإجابة و معنى هزموهم سببوا لهزيمتهم بأن فعلوا ما ألجأهم إليها فعلى هذا يكون حقيقة و قال أبو علي الجبائي ذلك مجاز لأنهم لم يفعلوا هزيمتهم كما يقال أخرجه من منزله إذا ألجأه إلى الخروج و لم يفعل خروجه و الصحيح الأول و قوله « بإذن الله » أي بأمر الله و قيل بعلم الله « و قتل داود جالوت » .

[القصة]


و كان من قصة داود على ما رواه علي بن إبراهيم بن هاشم عن الصادق (عليه السلام) أن الله أوحى إلى نبيهم أن جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى و هو رجل من ولد لاوي بن يعقوب و اسمه داود بن أيشا راع و كان لأيشا عشرة بنين أصغرهم داود فلما بعث الله طالوت إلى بني إسرائيل و جمعهم لحرب جالوت بعث إلى أيشا بأن أحضر ولدك فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده فألبسه درع موسى فمنهم من طالت عليه و منهم من قصرت عنه فقال لأيشا هل خلفت من ولدك أحدا قال نعم أصغرهم تركته في الغنم يرعاها فبعث إليه فجاء به فلما دعي أقبل و معه مقلاع قال فنادته ثلاث صخرات في طريقه يا داود خذني فأخذها في مخلاته و كان حجر الفيروزج و كان داود شديد البطش شجاعا قويا في بدنه فلما جاء إلى طالوت ألبسه درع موسى فاستوت عليه قال فجاء داود فوقف حذاء جالوت و كان جالوت على الفيل و على رأسه التاج و في جبهته ياقوتة تلمع نورا و جنوده بين يديه فأخذ داود حجرا من تلك الأحجار فرمى به في ميمنة جالوت و وقع عليهم فانهزموا و أخذ حجرا آخر فرمى به في ميسرة جالوت فانهزموا و رمى بالثالث إلى جالوت فأصاب موضع الياقوتة في جبهته و وصلت إلى دماغه و وقع إلى الأرض ميتا و قيل إن جالوت طلب البراز فخرج إليه داود فرماه بحجر من مقلاع فوقع بين عينيه و خرج من قفاه و أصاب جماعة كثيرة من أهل عسكره فقتلهم و انهزم القوم عن آخرهم عن وهب و غيره من المفسرين « و آتاه الله الملك » أي و أعطاه الملك بعد قتل داود جالوت بسبع سنين عن الضحاك « و الحكمة » قيل النبوة و لم يكن نبيا قبل قتل جالوت فجمع الله له الملك و النبوة عند موت طالوت في
مجمع البيان ج : 2 ص : 621
حالة واحدة لأنه لا يجوز أن يترأس من ليس بنبي لأنه قلب ما توجبه الحكمة لأن النبي يوثق بظاهره و باطنه و لا يخبر إلا بحق و لا يدعو إلا إلى حق فليس كذلك من ليس بنبي عن الحسن و قيل يجوز ذلك إذا كان يفعل ما يفعل بأمره و مشورته « و علمه مما يشاء » معناه و علمه أمور الدين و ما شاء من أمور الدنيا منها صنعة الدروع فإنه كان يلين له الحديد كالشمع و قيل الزبور و الحكم بين الناس و كلام الطير و النمل و قيل الصوت الطيب و الألحان « و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض » قيل فيه ثلاثة أقوال ( أحدها ) لو لا دفع الله بجنود المسلمين الكفار و معرتهم لغلبوا و خربوا البلاد عن ابن عباس و مجاهد ( و الثاني ) معناه يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك عن علي و قتادة و جماعة من المفسرين و مثله ما رواه جميل عن أبي عبد الله قال إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي منهم و لو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا و إن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي منهم و لو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا و إن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج منهم و لو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا و قريب من معناه ما روي عن النبي أنه قال لو لا عباد الله ركع و صبيان رضع و بهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا و روى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده و ولد ولده و أهل دويرته و دويرات حوله و لا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم ( و الثالث ) أن في معنى قول الحسن ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن لأن من يمتنع عن الفساد لخوف السلطان أكثر ممن يمتنع منه لأجل الوعد و الوعيد الذي في القرآن « و لكن الله ذو فضل على العالمين » أي ذو نعمة عليهم في دينهم و دنياهم .
تِلْك ءَايَت اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ وَ إِنَّك لَمِنَ الْمُرْسلِينَ(252)

اللغة

التلاوة ذكر الكلمة بعد الكلمة من غير فاصلة لأن التالي للشيء يليه من غير فصل بغيره و أصل التلو إيقاع الشيء بعد الشيء الذي يليه و الحق هو وقوع الشيء موقعه الذي هو له من غير تغيير عنه بما لا يجوز فيه و الرسالة تحميل جملة من الكلام لها فائدة إلى المقصود بالدلالة .

الإعراب

نتلوها جملة في موضع الحال و العامل فيه معنى الإشارة في تلك و ذو الحال آيات الله أي متلوة عليك و الباء في بالحق يتعلق بنتلو أيضا .

مجمع البيان ج : 2 ص : 622

المعنى

« تلك » إشارة إلى ما تقدم ذكره من إماتة ألوف من الناس دفعة واحدة و إحيائهم دفعة واحدة بدعاء نبيهم و من تمليك طالوت و هو من أهل الخمول الذي لا ينقاد لمثله الناس لما جعل الله له من الآية علما على تمليكه و نصرة أصحاب طالوت مع قلة عددهم و ضعفهم على جالوت و أصحابه مع قوتهم و شوكتهم « آيات الله » أي دلالات الله على قدرته « نتلوها عليك » نقرؤها عليك يا محمد « بالحق » بالصدق و قيل يقرأها جبريل عليك « بالحق » بأمرنا « و إنك لمن المرسلين » معناه و إنك لمن المرسلين بدلالة إخبارك بهذه الآيات مع أنك لم تشاهدها و لم تخالط أهلها و لا تعلم ذلك مع عدم المشاهدة و مخالطة أهلها إلا بوحي من جهة الله و الله لا يوحي إلا إلى أنبيائه .
* تِلْك الرُّسلُ فَضلْنَا بَعْضهُمْ عَلى بَعْض مِّنْهُم مَّن كلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضهُمْ دَرَجَت وَ ءَاتَيْنَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ وَ أَيَّدْنَهُ بِرُوح الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَت وَ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهُم مَّنْ ءَامَنَ وَ مِنهُم مَّن كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ(253)

الإعراب

درجات منصوب على الحال و العامل فيه رفع و ذو الحال بعضهم و تقديره رفع بعضهم ذوي درجات فحذف المضاف و يجوز أن يكون حالا بعد الفراغ من الفعل تقديره و رفع بعضهم فإذا هم ذوو درجات و يجوز أن يكون ظرف مكان و يجوز أن يكون اسما وضع موضع المصدر تقديره و رفع بعضهم رفعا .

المعنى

« تلك » بمعنى أولئك إلا أنه أراد به الإشارة إلى الجماعة فأتى بلفظ الإفراد الذي يكون للمؤنث المفرد كما يقال القوم خرجت أي أولئك الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء في الكتاب « فضلنا بعضهم على بعض » إنما ذكر الله تفضيل بعض الرسل على بعض لأمور ( أحدها ) لأن لا يغلط غالط فيسوي بينهم في الفضل كما استووا في الرسالة ( و ثانيها ) أن يبين أن تفضيل محمد عليهم كتفضيل من مضى من الأنبياء بعضهم
مجمع البيان ج : 2 ص : 623
على بعض ( و ثالثها ) أن الفضيلة قد تكون بعد أداء الفريضة و هذه الفضيلة المذكورة هاهنا هي ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة نحو كلامه لموسى بلا سفير و كإرساله محمدا إلى الكافة من الجن و الإنس و قيل أراد التفضيل في الآخرة لتفاضلهم في الأعمال و تحمل الأثقال و قيل بالشرائع فمنهم من شرع و منهم من لم يشرع و الفرق بين الابتداء بالفضيلة و بين المحاباة أن المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما يوجبه الشهوة دون الحكمة و ليس كذلك الابتداء بالفضيلة لأنه قد يكون للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير و أدى إلى حرمان الثواب للجميع فمن حسن النظر لهذا الإنسان تفضيل غيره عليه إذا كان في ذلك مصلحة له فهذا وجه تدعو إليه الحكمة و ليس كالوجه الأول الذي إنما تدعو إليه الشهوة « منهم من كلم الله » أي كلمة الله و هو موسى « و رفع بعضهم درجات » قال مجاهد أراد به محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) فإنه تعالى فضله على جميع أنبيائه بأن بعثه إلى جميع المكلفين من الجن و الإنس و بأن أعطاه جميع الآيات التي أعطاها من قبله من الأنبياء و بان خصه بالقرآن الذي لم يعطه غيره و هو المعجزة القائمة إلى يوم القيامة بخلاف سائر المعجزات فإنها قد مضت و انقضت و بأن جعله خاتم النبيين و الحكمة تقتضي تأخير أشراف الرسل لأعظم الأمور « و آتينا عيسى بن مريم البينات » أي الدلالات كإبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى و الإخبار عما كانوا يأكلونه و يدخرونه في بيوتهم « و أيدناه بروح القدس » قد مر تفسيره في الآية الخامسة و الثمانين من هذه السورة « و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم » أي من بعد الرسل و قال قتادة و الربيع من بعد موسى و عيسى و أتى بلفظ الجمع لأن ذكرهما يغني عن ذكر المتبعين لهما كما يقال خرج الأمير فنكوا في العدو نكاية عظيمة معناه و لو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الأنبياء بأن يلجئهم إلى الإيمان و يمنعهم عن الكفر إلا أنه لم يلجئهم إلى ذلك لأن التكليف لا يحسن مع الضرورة و الإلجاء و الجزاء لا يحسن إلا مع التخلية و الاختيار عن الحسن و قيل معناه لو شاء الله ما أمرهم بالقتال « من بعد ما جاءتهم البينات » من بعد وضوح الحجة فإن المقصد من بعثة الرسل قد حصل بإيمان من آمن قبل القتال « و لكن اختلفوا فمنهم من آمن » بتوفيق الله و لطفه و حسن اختياره « و منهم من كفر » بسوء اختياره « و لو شاء الله ما اقتتلوا » كرر ذلك تأكيدا و تنبيها و قيل الأول مشيئة الإكراه أي لو شاء الله اضطرهم إلى حال يرتفع معها التكليف و الثاني الأمر للمؤمنين بالكف عن قتالهم « و لكن الله يفعل ما يريد » ما تقتضيه المصلحة و توجبه الحكمة .

مجمع البيان ج : 2 ص : 624

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتىَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شفَعَةٌ وَ الْكَفِرُونَ هُمُ الظلِمُونَ(254)

القراءة

قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة بالفتح فيها أجمع و في سورة إبراهيم لا بيع فيه و لا خلال و في الطور لا لغو فيها و لا تأثيم و قرأ الباقون جميعها بالرفع .

الحجة

قال أبو علي أما من فتح بلا تنوين فإنه جعله جواب هل فيها من لغو أو تأثيم و من رفع جعله جواب أ فيها لغو أو تأثيم و قد ذكرنا صدرا من القول على النفي فيما تقدم و المعنيان متقاربان في أن النفي يراد به العموم و الكثرة في القراءتين يدل على ذلك قول أمية :
فلا لغو و لا تأثيم فيها أ لا ترى أنه يريد من نفي اللغو و إن كان قد رفعه ما يريد بنفي التأثيم الذي فتحه و لم ينونه فإن جعلت قوله فيها خبرا أضمرت للأول خبرا و إن جعلته صفة أضمرت لكل واحد من الاسمين خبرا .

اللغة

البيع هو استبدال المتاع بالثمن و البيع نقيض الشراء و البيع أيضا الشراء لأنه تارة عقد على الاستبدال بالثمن و تارة على الاستبدال بالمتاع و البيع الصفقة على إيجاب البيع و البيعة الصفقة على إيجاب الطاعة و البيعان البائع و المشتري و الخلة خالص المودة و الخلل الانفراج بين الشيئين و خللته بالخلال أخله خلالا إذا شككته به و اختلال الحال انحرافها بالفقر و الخليل الخالص المودة من الخلة لتخلل الأسرار بينهما و قيل لأنه يمتنع من الشوب في المودة بالنقيصة و الخليل أيضا المحتاج من الخلة و الخل معروف لتخلله بحدته و لطفه فيما ينساب فيه و الخل الرجل الخفيف الجسم و الخل الطريق في الرمل و في فلان خلة رائقة أي خصلة و الخلة جفن السيف و قد ذكرنا معنى الشفاعة عند قوله و لا يقبل منها شفاعة .

المعنى

لما قص الله سبحانه أخبار الأمم السابقة و ثبت رسالة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) عقبه بالحث على الطاعة فقال « يا أيها الذين آمنوا » أي صدقوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) فيما جاء به « أنفقوا مما رزقناكم » قيل أراد به الفرض كالزكاة و نحوها دون النفل لاقتران الوعيد به عن الحسن و لأن ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب و قيل يدخل فيه النفل و الفرض عن ابن جريج و اختاره البلخي و هو الأقوى لأنه أعم و لأن الآية ليس فيها وعيد على ترك النفقة و إنما فيها إخبار عن عظم أهوال يوم القيامة و شدائدها « من قبل أن يأتي يوم » أي يوم
مجمع البيان ج : 2 ص : 625
القيامة « لا بيع فيه » أي لا تجارة « و لا خلة » أي و لا صداقة لأنهم بالمعاصي يصيرون أعداء و قيل لأن شغله بنفسه يمنع من صداقة غيره و هذه كقوله الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين « و لا شفاعة » أي لغير المؤمنين مطلقا فأما المؤمنون فقد يشفع بعضهم لبعض و يشفع لهم أنبياؤهم كما قال سبحانه و لا يشفعون إلا لمن ارتضى و من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه « و الكافرون هم الظالمون » إنما ذم الله الكافر بالظلم و إن كان الكفر أعظم منه لأمرين ( أحدهما ) الدلالة على أن الكافر ضر نفسه بالخلود في النار فقد ظلم نفسه ( و الآخر ) أنه لما نفي البيع في ذلك اليوم و الخلة و الشفاعة و أخبر أنه قد حرم الكافر هذه الأمور قال و ليس ذلك بظلم منا بل الكافرون هم الظالمون لأنهم عملوا بأنفسهم ما استحقوا به حرمان هذه الأمور و وجه آخر في تخصيص الكافر بالظلم و هو إن ظلم الكافر هو غاية الظلم و ليس يبلغ ظلم المؤمنين لأنفسهم و غيرهم مبلغ ظلم الكافرين و نظيره قول القائل فلان هو الفقيه في البلد و فلان هو الفاضل و يراد به تقدمه على غيره فيما أضيف إليه .
اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَّهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِى يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطونَ بِشىْء مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ لا يَئُودُهُ حِفْظهُمَا وَ هُوَ الْعَلىُّ الْعَظِيمُ(255)
آيتان بصري و آية واحدة عند غيرهم عد البصري « الحي القيوم » آية .

فضل الآية

ذكر ابن انجويه الفسوي في كتاب الترغيب بإسناد متصل عن أبي بن كعب قال قال رسول الله يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم قلت « الله لا إله إلا هو الحي القيوم » قال فضرب في صدري ثم قال ليهنئك العلم و الذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية للسانا و شفتين تقدس الملك عند ساق العرش و روى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن عمر قال
مجمع البيان ج : 2 ص : 626
قال النبي من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة كان الذي يتولى قبض نفسه ذو الجلال و الإكرام و كان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى استشهد و بإسناده عن علي (عليه السلام) قال سمعت نبيكم على أعواد المنبر و هو يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت و لا يواظب عليها إلا صديق أو عابد و من قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه و جاره و جار جاره و عنه قال سمعت رسول الله يقول يا علي سيد البشر آدم و سيد العرب محمد و لا فخر و سيد الفرس سلمان و سيد الروم صهيب و سيد الحبشة بلال و سيد الجبال الطور و سيد الشجر السدر و سيد الشهور الأشهر الحرم و سيد الأيام يوم الجمعة و سيد الكلام القرآن و سيد القرآن البقرة و سيد البقرة آية الكرسي يا علي إن فيها لخمسين كلمة في كل كلمة خمسون بركة و روي عن عبد الله بن مسعود قال من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في كل ليلة في بيت لم يدخل ذلك البيت شيطان حتى يصبح أربع آيات من أولها و آية الكرسي و آيتين بعدها و خواتيمها و روي عن أبي جعفر الباقر قال من قرأ آية الكرسي مرة صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا و ألف مكروه من مكاره الآخرة أيسر مكروه الدنيا الفقر و أيسر مكروه الآخرة عذاب القبر و عن أبي عبد الله قال إن لكل شيء ذروة و ذروة القرآن آية الكرسي .

اللغة

الحي من كان على صفة لا يستحيل معها أن يكون قادرا عالما و إن شئت قلت هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدركات إذا وجدت و القيوم أصله قيووم على وزن فيعول إلا أن الياء و الواو إذا اجتمعتا و أولاهما ساكنة قلبت الواو ياء و أدغمت الياء في الياء قياسا مطردا و القيام أصله قيوام على وزن فيعال ففعل به ما ذكرناه قال أمية بن أبي الصلت :
لم يخلق السماء و النجوم
و الشمس معها قمر يعوم
قدرها المهيمن القيوم
و الحشر و الجنة و النعيم
إلا لأمر شأنه عظيم و السنة النوم الخفيف و هو النعاس قال عدي بن الرقاع :
و سنان أقصده النعاس فرنقت
في عينه سنة و ليس بنائم و هو مصدر وسن يوسن وسنا و سنة قال المفضل السنة في الرأس و النوم في القلب
مجمع البيان ج : 2 ص : 627
و النوم خلاف اليقظة يقال نام نوما و استنام إليه أي استأنس إليه و اطمأن إلى ناحيته و قال الليث يقال لكل من أحرز شيئا أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به و يقال وسع فلان الشيء يسعه سعة إذا احتمله و أطاقه و أمكنه القيام به و يقال لا يسعك هذا أي لا تطيقه و لا تحتمله الكرسي كل أصل يعتمد عليه قال الشاعر :
تحف بهم بيض الوجوه و عصبة
كراسي بالأحداث حين تنوب أي علماء بحوادث الأمور و قال آخر :
نحن الكراسي لا تعد هوازن
أفعالنا في النائبات و لا أسد و قال آخر :
ما لي بأمرك كرسي أكاتمه
و هل بكرسي علم الغيب مخلوق و كل شيء تراكب فقد تكارس و منه الكراسة لتراكب بعض ورقها على بعض و رجل كروس عظيم الرأس و يقال كرسي الملك من كذا و كذا أي ملكه مشبه بالكرسي المعروف و أصل الباب الكرسي تراكب الشيء بعضه على بعض و آده يؤوده أودا إذا أثقله و جهده و أدت العود أؤده أودا فأناد نحو عجته فانعاج و الآود و الأوداء على وزن الأعوج و العوجاء و المعنى واحد و الجمع الأود كالعوج و العلي أصله من العلو و هو سبحانه علي بالاقتدار و نفوذ السلطان و لا يقال رفيع بالاقتدار لأن الرفعة في المكان و العلو منقول إلى معنى الاقتدار يقال فلان علا على قرنه يعلو علوا فهو عال و علا بمعنى اقتدر و لا يقال ارتفع عليه بمعناه و لذلك يقال استعلى عليه بالحجة و لا يقال ارتفع عليه بالحجة و العلو بضم العين و كسرها خلاف السفل و علا في الأرض علوا تجبر و منه قوله إن فرعون علا في الأرض أي تجبر و الله تعالى العالي و المتعالي أي القادر القاهر لا يعجزه شيء و فلان من علية الناس أي من أشرافهم و العظيم معناه العظيم الشأن و قيل العظيم بمعنى المعظم كما قالوا في الخمر العتيق أي المعتقة و الأول أقوى .

الإعراب

الله رفع بالابتداء و ما بعده خبره و الكلام مخرجه مخرج النفي أي لا يصح إله سوى الله و حقيقته الإثبات لإله واحد هو الله فكأنه قيل الله هو الإله دون غيره و ارتفع هو في « لا إله إلا هو » على أحد وجهين ( أحدهما ) بالابتداء كأنه قال ما إله إلا الله ( و الثاني ) أن يكون بدلا كأنه قال ما إله ثابتا أو موجودا إلا الله و يجوز في العربية نصب
مجمع البيان ج : 2 ص : 628
الله في قول لا إله إلا الله على الاستثناء .

المعنى

لما قدم سبحانه ذكر الأمم و اختلافهم على أنبيائهم في التوحيد و غيره عقبه بذكر التوحيد فقال « الله » أي من يحق له العبادة لقدرته على أصول النعم و قد ذكرنا اختلاف الأقوال في أصله و في معناه في مفتتح سورة الفاتحة « لا إله إلا هو » أي لا أحد تحق له العبادة و يستحق الإلهية غيره « الحي » قد ذكرنا معناه « القيوم » القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداء و إيصال أرزاقهم إليهم كما قال « و ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها » عن قتادة و قيل القيوم هو العالم بالأمور من قولهم هذا يقوم بهذا الكتاب أي يعلم ما فيه و قيل معناه الدائم الوجود عن سعيد بن جبير و الضحاك و قيل معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها من حيث هو عالم بها عن الحسن و اللفظ لجميع هذه الوجوه محتمل « لا تأخذه سنة » أي نعاس « و لا نوم » ثقيل مزيل للقوة و قيل معناه لا يغفل عن الخلق و لا يسهو كما يقال للغافل أنت نائم و أنت وسنان « له ما في السماوات و ما في الأرض » معناه له ملك ما فيهما و له التصرف فيهما « من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه » هو استفهام معناه الإنكار و النفي أي لا يشفع يوم القيامة أحد لأحد إلا بإذنه و أمره و ذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم فأخبر الله سبحانه أن أحدا ممن له الشفاعة لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في ذلك و يأمره به « يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم » قيل فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه يعلم ما بين أيديهم ما مضى من الدنيا و ما خلفهم من الآخرة عن مجاهد و السدي ( و الثاني ) معناه يعلم الغيب الذي تقدمهم من قولك بين يديه أي قدامه و ما مضى فهو قدام الشيء فيحمل عليه على هذا التقدير لا إن هذا اللفظ حقيقة في الماضي « و ما خلفهم » يعني الغيب الذي يأتي بعدهم عن ابن جريج ( و الثالث ) أن « ما بين أيديهم » عبارة عما لم يأت كما يقال رمضان بين أيدينا « و ما خلفهم » عبارة عما مضى كما يقال في شوال قد خلفنا رمضان عن الضحاك « و لا يحيطون بشيء من علمه » معناه من معلومة كما يقال اللهم اغفر لنا علمك فينا أي معلومك فينا و يقال إذا ظهرت آية هذه قدرة الله أي مقدور الله و الإحاطة بالشيء علما أن يعلمه كما هو على الحقيقة « إلا بما شاء » يعني ما شاء أن يعلمهم و يطلعهم عليه « وسع كرسيه السماوات و الأرض » اختلف فيه على أقوال ( أحدها ) وسع علمه السماوات و الأرض عن ابن عباس و مجاهد و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و يقال للعلماء كراسي كما يقال أوتاد الأرض لأن بهم قوام الدين و الدنيا ( و ثانيها ) أن الكرسي هاهنا هو العرش عن الحسن و إنما سمي كرسيا لتركيب بعضه على بعض
مجمع البيان ج : 2 ص : 629
( و ثالثها ) أن المراد بالكرسي هاهنا الملك و السلطان و القدرة كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسيا أي عمادا يعمد به حتى لا يقع و لا يميل فيكون معناه أحاط قدرته بالسماوات و الأرض و ما فيهما ( و رابعها ) أن الكرسي سرير دون العرش و قد روي عن أبي عبد الله و قريب منه ما روي عن عطاء أنه قال ما السماوات و الأرض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة و ما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في فلاة و منهم من قال إن السماوات و الأرض جميعا على الكرسي و الكرسي تحت العرش كالعرش فوق السماء و روى الأصبغ بن نباتة أن عليا قال إن السماوات و الأرض و ما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي و له أربعة أملاك يحملونه بإذن الله ملك منهم في صورة الآدميين و هي أكرم الصور على الله و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق للآدميين و الملك الثاني في صورة الثور و هو سيد البهائم يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق للبهائم و الملك الثالث في صورة النسر و هو سيد الطيور و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع الطيور و الملك الرابع في صورة الأسد و هو سيد السباع و هو يدعو الله و يتضرع إليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع السباع قال و لم يكن في جميع الصور صورة أحسن من الثور و لا أشد انتصابا منه حتى اتخذ الملأ من بني إسرائيل العجل و عبدوه فخفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبدوا من دون الله بشيء يشبهه و تخوف أن ينزل الله به العذاب « و لا يؤوده حفظهما » أي لا يشق على الله و لا يثقله حفظ السماوات و الأرض و قيل الهاء في يؤوده يعود إلى الكرسي و هذا على قول من يقول أن السماوات و الأرض على الكرسي « و هو العلي » عن الأشباه و الأضداد و الأمثال و الأنداد و عن أمارات النقص و دلالات الحدث و قيل هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة و السلطان و الملك و علو الشأن و القهر و الاعتلاء و الجلال و الكبرياء « العظيم » أي العظيم الشأن القادر الذي لا يعجزه شيء و العالم الذي لا يخفى عليه شيء لا نهاية لمقدوراته و لا غاية لمعلوماته و روى علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسين بن خالد أنه قال قرأ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له ما في السماوات و ما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه .

مجمع البيان ج : 2 ص : 630
لا إِكْرَاهَ فى الدِّينِ قَد تَّبَينَ الرُّشدُ مِنَ الغَىِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطغُوتِ وَ يُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ استَمْسك بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصامَ لَهَا وَ اللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ(256)

اللغة

الرشد نقيض الغي و هو الرشد و الرشد و تقول غوي يغوى غيا و غواية إذا سلك طريق الهلاك و غوى إذا خاب قال الشاعر :
و من يلق خيرا يحمد الناس أمره
و من يغو لا يعدم على الغي لائما و غوي الفصيل يغوى غوى إذا قطع عن اللبن حتى يكاد يهلك و الطاغوت وزنها في الأصل فعلوت و هو مصدر مثل الرغبوت و الرهبوت و الرحموت و يدل على أنها مصدر وقوعها على الواحد و الجماعة بلفظ واحد و أصلها طغيوت لأنها من الياء يدل على ذلك قوله في طغيانهم يعمهون ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين فصارت طيغوت ثم قلبت الياء ألفا لتحركها و انفتاح ما قبلها فصار طاغوت فوزنها الآن بعد القلب فلعوت و جمع طاغوت طواغيت و طواغت و طواغ على حذف الزيادة و الطواغي على العوض من المحذوف و العروة عروة الدلو و نحوه لأنها متعلقة و عروت الرجل أعروه عروا إذا ألممت به متعلقا بسبب منه و اعتراه هم إذا تعلق به و عرته الحمى تعروه إذا علقت به فالأصل في الباب التعلق قال الأزهري العروة كل نبات له أصل ثابت كالشيح و القيصوم و غيره و به شبهت عرى الأشياء في لزومها و الوثقي تأنيث الأوثق و الانفصام و الانقطاع و الانصداع نظائر قال الأعشى :
و مبسمها من شتيت النبات
غير أكس و لا منفصم يقال فصمته فانفصم .

النزول

قيل نزلت الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له صبيح و كان يكرهه على الإسلام عن مجاهد و قيل نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين و كان له ابنان فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا و مضيا إلى الشام فأخبر أبو الحصين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) فأنزل الله تعالى « لا إكراه في الدين » فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أبعدهما الله هما أول من كفر فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله « فلا و ربك لا يؤمنون » الآية قال و كان هذا قبل أن يؤمر النبي بقتال أهل الكتاب ثم نسخ و أمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة عن السدي و هكذا قال ابن مسعود و ابن زيد أنها منسوخة
مجمع البيان ج : 2 ص : 631
ب آية السيف و قال الباقون هي محكمة و قيل كانت امرأة من الأنصار تكون مقلاتا فترضع أولاد اليهود فجاء الإسلام و فيهم جماعة منهم فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من الأنصار فقالوا يا رسول الله أبناؤنا و إخواننا فنزلت « لا إكراه في الدين » فقال خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم و إن اختاروهم فأجلوهم عن ابن عباس .

المعنى

لما تقدم ذكر اختلاف الأمم و أنه لو شاء الله لأكرههم على الدين ثم بين تعالى دين الحق و التوحيد عقبه بأن الحق قد ظهر و العبد قد خير إكراه بقوله « لا إكراه في الدين » و فيه عدة أقوال ( أحدها ) أنه في أهل الكتاب خاصة الذين يؤخذ منهم الجزية عن الحسن و قتادة و الضحاك ( و ثانيها ) أنه في جميع الكفار ثم نسخ كما تقدم ذكره عن السدي و غيره ( و ثالثها ) أن المراد لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرها لأنه إذا رضي بعد الحرب و صح إسلامه فليس بمكره عن الزجاج ( و رابعها ) أنها نزلت في قوم خاص من الأنصار كما ذكرناه في النزول عن ابن عباس و غيره ( و خامسها ) أن المراد ليس في الدين إكراه من الله و لكن العبد مخير فيه لأن ما هو دين في الحقيقة هو من أفعال القلوب إذا فعل لوجه وجوبه فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين فليس بدين حقيقة كما أن من أكره على كلمة الكفر لم يكن كافرا و المراد الدين المعروف و هو الإسلام و دين الله الذي ارتضاه « قد تبين الرشد من الغي » قد ظهر الإيمان من الكفر و الحق من الباطل بكثرة الحجج و الآيات الدالة عقلا و سمعا و المعجزات التي ظهرت على يد النبي « فمن يكفر بالطاغوت » فيه أقوال ( أحدها ) أنه الشيطان عن مجاهد و قتادة و هو المروي عن أبي عبد الله ( و ثانيها ) أنه الكاهن عن سعيد بن جبير ( و ثالثها ) أنه الساحر عن أبي العالية ( و رابعها ) أنه مردة الجن و الإنس و كلما يطغي ( و خامسها ) أنه الأصنام و ما عبد من دون الله و على الجملة فالمراد من كفر بما خالف أمر الله « و يؤمن بالله » أي يصدق بالله و بما جاءت به رسله « فقد استمسك » أي تمسك و اعتصم « بالعروة الوثقى » أي بالعصمة الوثيقة و عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا يحله شبهة و عن مجاهد هو الإيمان بالله و رسوله و جرى هذه مجرى المثل لحسن البيان بإخراج ما لا يقع به الإحساس إلى ما يقع به « لا انفصام لها » أي لا انقطاع لها يعني كما لا ينقطع أمر من تمسك بالعروة كذلك لا ينقطع أمر من تمسك بالإيمان « و الله سميع » لأقوالكم « عليم » بضمائركم .

مجمع البيان ج : 2 ص : 632
اللَّهُ وَلىُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظلُمَتِ إِلى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطغُوت يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلى الظلُمَتِ أُولَئك أَصحَب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ(257)

اللغة

الولي من الولي و هو القرب من غير فصل و هو الذي يكون أولى بالغير من غيره و أحق بتدبيره و منه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير و بالأمر و النهي و منه المولى من فوق لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة و ما به إليه الحاجة و منه المولى من أسفل لأنه يلي أمر المالك بالطاعة و منه المولى لابن العم لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة و منه ولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له و القيام عليه و الولي في الدين و غيره لأنه يلي أمره بالنصرة و المعونة كما توجبه الحكمة و المعاقدة فجميع هذه المواضع الأولى و الأحق ملحوظ فيها و ولى عن الشيء إذا أدبر عنه لأنه زال عن أن يليه بوجهه و استولى على الشيء إذا احتوى عليه لأنه وليه بالقهر و الله تعالى ولي المؤمنين على ثلاثة أوجه أحدها أنه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة و البرهان لهم في هدايتهم كقوله « و الذين اهتدوا زادهم هدى » و ثانيها أنه وليهم في نصرهم على عدوهم و إظهار دينهم على دين مخالفيهم و ثالثها أنه وليهم يتولاهم بالمثوبة على الطاعة و المجازاة على الأعمال الصالحة .

المعنى

لما ذكر سبحانه المؤمن و الكافر بين ولي كل واحد منهما فقال « الله ولي الذين آمنوا » أي نصيرهم و معينهم في كل ما بهم إليه الحاجة و ما فيه لهم الصلاح من أمور دينهم و دنياهم و آخرتهم « يخرجهم من الظلمات إلى النور » أي من ظلمات الضلالة و الكفر إلى نور الهدى و الإيمان لأن الضلال و الكفر في المنع من إدراك الحق كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات و وجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر و الضلال إلى نور الإيمان و الطاعة هو أنه هداهم إليه و نصب الأدلة لهم عليه و رغبهم فيه و فعل بهم من الألطاف ما يقوي به دواعيهم إلى فعله لأنا قد علمنا أنه لو لا هذه الأمور لم يخرجوا من الكفر إلى الإيمان فصح إضافة الإخراج إليه تعالى لكون هذه الأمور التي عددناها من جهة الله تعالى كما يصح من أحدنا إذا أشار إلى غيره بدخول بلد من البلدان و رغبة فيه و عرفه ما له فيه من الصلاح أن يقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني و أنا أخرجته من كذا و كذا « و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت » أي متولي أمورهم و أنصارهم الطاغوت و الطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع و هذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة قال الشاعر :
مجمع البيان ج : 2 ص : 633

بها جيف الحسرى فأما عظامها
فبيض و أما جلدها فصليب فجلدها في معنى جلودها و قال العباس بن مرداس :
فقلنا أسلموا و أنا أخوكم
فقد فرئت من الإحن الصدور و المراد به الشيطان عن ابن عباس و قيل رؤساء الضلالة عن مقاتل « يخرجونهم من النور إلى الظلمات » أي من نور الإيمان و الطاعة و الهدى إلى ظلمات الكفر و المعصية و الضلالة و أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت على ما تقدم ذكره من أنهم يغوونهم و يدعونهم إلى ذلك و يزينون فعله لهم فصح إضافته إليهم و هذا يدل على بطلان برهان قول من قال إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى بالمؤمن لأنه لو كان كذلك لاقتضت الإضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان و عندهم لا فرق بين الأمرين في أنهما من فعله تعالى عن ذلك و أيضا فلو كان الأمر على ما ظنوا لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين و ناصرا لهم على ما اقتضته الآية و الإيمان من فعله لا من فعلهم و لما كان خاذلا للكفار و مضيفا لولايتهم إلى الطاغوت و الكفر من فعله فيهم و لم يفصل بين الكافر و المؤمن و هو المتولي لفعل الأمرين فيهما و مثل هذا لا يخفى على منصف فإن قيل كيف يخرجونهم من النور و هم لم يدخلوا فيه قلنا قد ذكر فيه وجهان ( أحدهما ) أن ذلك يجري مجرى قول القائل أخرجني والدي من ميراثه فمنعه من الدخول فيه إخراج و مثله قوله في قصة يوسف إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله و لم يكن فيها قط و قوله و منكم من يرد إلى أرذل العمر و قال الشاعر :
فإن تكن الأيام أحسن مرة
إلى فقد عادت لهن ذنوب و لم يكن لها ذنوب قبل ذلك و الوجه الآخر أنه في قوم ارتدوا عن الإسلام عن مجاهد و الأول أقوى و قوله « أولئك أصحاب النار » إلى آخره قد مضى تفسيره .

مجمع البيان ج : 2 ص : 634
أَ لَمْ تَرَ إِلى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَهِيمَ فى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبىَ الَّذِى يُحْىِ وَ يُمِيت قَالَ أَنَا أُحْىِ وَ أُمِيت قَالَ إِبْرَهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتى بِالشمْسِ مِنَ الْمَشرِقِ فَأْتِ بهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِت الَّذِى كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يهْدِى الْقَوْمَ الظلِمِينَ(258)

القراءة

قرأ أهل المدينة أنا أحيي بإثبات الألف في أنا و المد إذا كان بعدها همزة مضمومة أو مفتوحة نحو أنا أخوك فإن كان بعدها همزة مكسورة نحو إن أنا إلا نذير حذفوا الألف إجماعا .

الحجة

الأصل في أنا الهمزة و النون و إنما يلحقها الألف في الوقف كما أن الهاء تلحق للوقف في مسلمونه و كما أن الهاء التي تلحق للوقف تسقط في الوصل كذلك هذه الألف تسقط في الوصل و قد جاءت ألف أنا مثبتة في الوصل في الشعر نحو قول الأعشى :
فكيف أنا و انتحال القوافي
بعد المشيب كفى ذاك عارا و قول الآخر :
أنا شيخ العشيرة فاعرفوني
حميدا قد تذريت السناما قال أبو علي و ما روي في إثبات الألف في أنا إذا كان بعد الألف همزة فإني لا أعلم بين الهمزة و غيرها من الحروف فصلا و لا شيئا يجب من أجله إثبات الألف التي حكمها أن تثبت في الوقف .

اللغة

في بهت أربع لغات بهت على وزن ظرف و بهت على وزن حذر و بهت على وزن ذهب و بهت على وزن ما لم يسم فاعله و هذا هو الأفصح و عليه القراءة يقال بهت الرجل يبهت بهتا إذا انقطع و تحير و يقال بهت الرجل أبهته بهتانا إذا قابلته بكذب فالبهت الحيرة عند استيلاء الحجة لأنها كالحيرة للمواجه بالكذب لأن تحير المكذب في مذهبه كتحير المكذوب عليه و منه قوله أ تأخذونه بهتانا كأنه قال أ تأخذونه ادعاء للكذب فيه .

الإعراب

« أ لم تر إلى الذي » إنما أدخلت إلى في الكلام للتعجب من حال الكافر المحاج بالباطل كما يقولون أ ما ترى إلى فلان كيف يصنع و منه معنى هل رأيت كفلان في
مجمع البيان ج : 2 ص : 635
صنيعه كذا فإنما دخلت إلى من بين حروف الجر لهذا المعنى لأنها لما كانت بمعنى الغاية و النهاية صار الكلام بمنزلة هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته ليدل على بعد وقوع مثله على التعجيب منه لأن التعجب إنما يكون مما استبهم سببه و لم تجر العادة به و قد صارت إلى هاهنا بمنزلة كاف التشبيه لما بينا من العلة إذ كان ما ندر مثله كالذي يبعد وقوعه .

المعنى

لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين و أن الكفار لا ولي لهم سوى الطاغوت تسلية لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) قص عليه بعده قصة إبراهيم و نمرود فقال « أ لم تر » يا محمد أي أ لم ينته علمك و رؤيتك « إلى الذي حاج إبراهيم » أي إلى من كان كالذي حاج فكأنه قال هل رأيت كالذي حاج أي خاصم و جادل إبراهيم و هو نمرود بن كنعان و هو أول من تجبر و ادعى الربوبية عن مجاهد و غيره و إنما أطلق لفظ المحاجة و إن كانت مجادلة بالباطل و لم تكن له فيه حجة لأن في زعمه أن له فيه حجة و اختلف في وقت هذه المحاجة فقيل عند كسر الأصنام قبل إلقائه في النار و جعلها عليه بردا و سلاما عن الصادق (عليه السلام) « في ربه » أي في رب إبراهيم الذي يدعو إلى توحيده و عبادته « أن آتاه الله الملك » أي لأن آتاه الله الملك الهاء من آتاه تعود إلى المحاج لإبراهيم أي أعطاه الله الملك و هو نعيم الدنيا و سعة المال فبطر الملك حمله على محاجة إبراهيم عن الحسن و الجبائي و الملك على هذا الوجه جائز أن ينعم الله تعالى به على كل أحد فأما الملك بتمليك الأمر و النهي و تدبير أمور الناس و إيجاب الطاعة على الخلق فلا يجوز أن يؤتيه الله إلا من يعلم أنه يدعو إلى الصلاح و السداد و الرشاد دون من يدعو إلى الكفر و الفساد و لا يصح منه لعلمه بالغيوب و السرائر تفويض الولاية إلى من هذا سبيله لما في ذلك من الاستفساد و قيل إن الهاء تعود إلى إبراهيم عن أبي القاسم البلخي و يسأل على هذا فيقال كيف يكون الملك لإبراهيم و الحبس و الإطلاق إلى نمرود و جوابه أن الحبس و الإطلاق و الأمر و النهي كان من جهة الله لإبراهيم و إنما كان نمرود يفعل ذلك على وجه القهر و الغلبة لا من جهة ولاية شرعية « إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي و يميت » في الكلام حذف و هو إذ قال له نمرود من ربك فقال ربي الذي يحيي و يميت بدأ بذكر الحياة لأنها أول نعمة ينعم الله بها على خلقه ثم يميتهم و هذا أيضا لا يقدر عليه إلا الله تعالى لأن الإماتة هي أن يخرج الروح من بدن الحي من غير جرح و لا نقص بنية و لا إحداث فعل يتصل بالبدن من جهته و هذا خارج عن قدرة البشر « قال أنا أحيي و أميت » أي فقال نمرود أنا أحيي بالتخلية من الحبس من وجب عليه القتل و أميت بالقتل من شئت ممن هو حي و هذا جهل من الكافر لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت أو

<<        الفهرس        >>