جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج1 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>



مجمع البيان ج : 1 ص : 336

الذي في أيديهم وراء ظهورهم فقال « و اتبعوا ما تتلوا الشياطين » و اختلف في المعنى بقوله « و اتبعوا » على ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنهم اليهود الذين كانوا على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن الربيع و ابن إسحاق و السدي ( و ثانيها ) أنهم اليهود الذين كانوا في زمن سليمان عن ابن عباس و ابن جريج ( و ثالثها ) أن المراد به الجميع لأن متبعي السحر لم يزالوا منذ عهد سليمان إلى أن بعث محمد (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و روي عن الربيع أن اليهود سألوا محمدا (صلى الله عليه وآله وسلّم) زمانا عن التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه فيخصمهم فلما رأوا ذلك قالوا هذا أعلم بما أنزل علينا منا و أنهم سألوه عن السحر و خاصموه به فأنزل الله تعالى « و اتبعوا ما تتلوا الشياطين » الآية أي اقتدوا بما كانت تتلو الشياطين أي تتبع و تعمل به عن ابن عباس و قيل معناه تقرأ عن عطا و قتادة و قيل معناه تكذب عن أبي مسلم يقال تلا عليه إذا كذب قال سبحانه و تعالى و يقولون على الله الكذب أ تقولون على الله ما لا تعلمون فإذا صدق قيل تلا عنه و إذا أبهم جاز الأمران و اختلف في قوله « الشياطين » فقيل هم شياطين الجن لأنه المستفاد من إطلاق هذه اللفظة و قيل هم شياطين الإنس المتمردون في الضلالة كما قال جرير :
أيام يدعونني الشيطان من غزلي
و كن يهوينني إذ كنت شيطانا و قيل هم شياطين الجن و الإنس و قوله « على ملك سليمان » قيل معناه في ملك سليمان كقول أبي النجم :
فهي على الأفق كعين الأحول ) أي في الأفق ثم إن هذا يحتمل معنيين ( أحدهما ) في عهد ملك سليمان ( و الثاني ) في نفس ملك سليمان كما يقال فلان يطعن في ملك فلان و في نفس فلان و قيل معناه على عهد ملك سليمان و قال أبو مسلم معناه ما كانت تكذب الشياطين على ملك سليمان و على ما أنزل على الملكين و أما قوله « و ما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر » بين بهذا أن ما كانت تتلوه الشياطين و تأثره و ترويه كان كفرا إذ برأ سليمان (عليه السلام) منه و لم يبين سبحانه بقوله « ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان » أنها أي شيء كانت تتلو الشياطين ثم لم يبين بقوله سبحانه « و ما كفر سليمان » أن ذلك الكفر أي نوع من أنواع الكفر حتى قال « و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر » فبين سبحانه أن ذلك الكفر كان من نوع السحر فإن اليهود أضافوا إلى سليمان السحر و زعموا أن ملكه كان به فبرأه الله منه و هو قول ابن عباس و ابن جبير و قتادة و اختلف في السبب الذي لأجله أضافت اليهود السحر إلى سليمان (عليه السلام) فقيل إن سليمان كان قد جمع كتب السحرة و وضعها في خزانته و قيل كتمها تحت كرسيه لئلا

مجمع البيان ج : 1 ص : 337
يطلع عليها الناس و لا يعلموا بها فلما مات سليمان استخرجت السحرة تلك الكتب و قالوا إنما تم ملك سليمان بالسحر و به سخر الإنس و الجن و الطير و زينوا السحر في أعين الناس بالنسبة إلى سليمان (عليه السلام) و شاع ذلك في اليهود و قبلوه لعداوتهم لسليمان عن السدي و روي العياشي بإسناده عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لما هلك سليمان وضع إبليس السحر ثم كتبه في كتاب و اطواه و كتب على ظهره هذا ما وضع آصف بن برخيا من ملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا و كذا فليقل كذا و كذا ثم دفنه تحت السرير ثم استثاره لهم فقال الكافرون ما كان يغلبنا سليمان إلا بهذا و قال المؤمنون هو عبد الله و نبيه فقال الله في كتابه « و اتبعوا ما تتلوا الشياطين » الآية و في قوله « و لكن الشياطين كفروا » ثلاثة أقوال ( أحدها ) أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر و ( ثانيها ) أنهم كفروا بما نسبوا إلى سليمان من السحر ( و ثالثها ) أنهم سحروا فعبر عن السحر بالكفر و في قوله « يعلمون الناس السحر » قولان ( أحدهما ) أنهم ألقوا السحر إليهم فتعلموه ( و الثاني ) أنهم دلوهم على استخراجه من تحت الكرسي فتعلموه و قوله « و ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت » فيه وجوه .
( أحدها ) أن المراد أن الشياطين يعلمون الناس السحر و الذي أنزل على الملكين و إنما أنزل على الملكين وصف السحر و ماهيته و كيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك و يعرفاه الناس فيجتنبوه غير أن الشياطين لما عرفوه استعملوه و إن كان المؤمنون إذا عرفوه اجتنبوه و انتفعوا بالاطلاع على كيفيته ( و ثانيها ) أن يكون المراد على ما ذكرناه قبل من أن معناه و اتبعوا ما كذبت به الشياطين على ملك سليمان و على ما أنزل على الملكين أي معهما و على ألسنتهما كما قال سبحانه ما وعدتنا على رسلك أي معهم و على ألسنتهم ( و ثالثها ) أن يكون ما بمعنى النفي و المراد و ما كفر سليمان و لا أنزل الله السحر على الملكين و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت و ماروت و يكون قوله ببابل هاروت و ماروت من المؤخر الذي معناه التقديم و يكون في هذا التأويل هاروت و ماروت رجلين من جملة الناس و يكون الملكان اللذان نفى عنهما السحر جبرئيل و ميكائيل (عليهماالسلام) لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تدعي أن الله عز و جل أنزل السحر على لسان جبرائيل و ميكائيل على سليمان فأكذبهم الله في ذلك و يجوز أن يكون هاروت و ماروت يرجعان إلى الشياطين كأنه قال و لكن الشياطين هاروت و ماروت كفروا و يسوغ ذلك كما ساغ في قوله و كنا لحكمهم شاهدين يعني لحكم داود و سليمان و يكون على هذا قوله « و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة » راجعا إلى هاروت و ماروت و معنى قولهما إنما نحن فتنة
مجمع البيان ج : 1 ص : 338
« فلا تكفر » يكون علي طريق الاستهزاء و التماجن لا على سبيل النصيحة و التحذير و يجوز على هذا التأويل أيضا الذي يتضمن النفي و الجحد أن يكون هاروت و ماروت اسمين للملكين و نفى عنهما إنزال السحر و يكون قوله « و ما يعلمان » راجعا إلى قبيلتين من الجن و الإنس أو إلى شياطين الجن و الإنس فيحسن التثنية لهذا و روي هذا التأويل في حمل ما على النفي عن ابن عباس و غيره من المفسرين و حكي عنه أيضا أنه كان يقرأ على الملكين بكسر اللام و يقول متى كان العلجان ملكين إنما كانا ملكين و على هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله « و ما يعلمان من أحد » إليهما و يمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر و إن لم يحمل قوله « و ما أنزل على الملكين » على الجحد و النفي و هو أن يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ما تتلوه الشياطين و تدعيه على ملك سليمان و اتبعوا ما أنزل على الملكين من السحر و لا يكون الإنزال مضافا إلى الله تعالى و إن أطلق لأنه جل و عز لا ينزل السحر بل يكون أنزله إليهما بعض الضلال و يكون معنى أنزل و إن كان من الأرض حمل إليهما لا من السماء أنه أتي به من نجود البلاد و أعاليها فإن من هبط من النجد إلى الغور يقال نزل و اختلف في بابل فقيل هي بابل العراق لأنه تبلبلت بها الألسن عن ابن مسعود و قيل هي بابل دماوند عن السدي و قيل هي نصيبين إلى رأس العين و هاروت و ماروت قيل هما رجلان على ما تقدم بيانه و قيل هما ملكان من الملائكة أهبطهما الله إلى الأرض على صورة الإنس لئلا ينفر الناس منهما إذا كانا على صورة الملائكة و اختلف في سبب هبوطهما فقيل إن الله أهبطهما ليأمرا بالدين و ينهيا عن السحر و يفرقا بينه و بين المعجز لأن السحر كان كثيرا في ذلك الوقت ثم اختلف في ذلك فقال قوم كانا يعلمان الناس كيفية السحر و ينهيان عن فعله ليكون النهي بعد العلم فإن من لا يعرف الشيء لا يمكنه اجتنابه و قال آخرون لم يكن لهما تعليم السحر لما في ذلك من الإغراء بفعله و إنما اهبطا لمجرد النهي إذ كان السحر فاشيا و قيل أيضا في سبب هبوطهما إن الملائكة تعجبت من معاصي بني آدم مع كثرة نعم الله عليهم فقال طائفة منهم يا ربنا أ ما تغضب مما يعمل خلقك في أرضك و مما يفترون عليك من الكذب و الزور و يرتكبونه من المعاصي و قد نهيتهم عنها و هم في قبضتك و تحت قدرتك فأحب الله سبحانه أن يعرفهم ما من به عليهم من عجيب
مجمع البيان ج : 1 ص : 339
خلقهم و ما طبعهم عليه من الطاعة و عصمهم به من الذنوب فقال لهم اندبوا منكم ملكين حتى أهبطهما إلى الأرض و اجعل فيهما من طبائع المطعم و المشرب و الشهوة و الحرص و الأمل مثل ما جعلت في ولد آدم ثم اختبرهما في الطاعة لي قال فندبوا لذلك هاروت و ماروت و كانا من أشد الملائكة قولا في العيب لولد آدم و استجرار عتب الله عليهم قال فأوحى الله إليهما أن اهبطا إلى الأرض فقد جعلت فيكما من طبائع المطعم و المشرب و الشهوة و الحرص و الأمل مثل ما جعلت في ولد آدم و أنظر أن لا تشركا بي شيئا و لا تقتلا النفس التي حرم الله قتلها و لا تزنيا و لا تشربا الخمر ثم أهبطهما إلى الأرض على صورة البشر و لباسهم فرفع لهما بناء مشرف فأقبلا نحوه فإذا امرأة جميلة حسناء أقبلت نحوهما فوقعت في قلوبهما موقعا شديدا ثم إنهما ذكرا ما نهيا عنه من الزنا فمضيا ثم حركتهما الشهوة فرجعا إليها فراوداها عن نفسها فقالت إن لي دينا أدين به و لست أقدر في ديني على أن أجيبكما إلى ما تريدان إلا أن تدخلا في ديني فقالا و ما دينك فقالت لي إله من عبده و سجد له كان لي السبيل إلى أن أجيبه إلى كل ما سألني قالا و ما إلهك قالت هذا الصنم قال فائتمرا بينهما فغلبتهما الشهوة التي جعلت فيهما فقالا لها نجيبك إلى ما سألت قالت فدونكما فاشربا الخمر فإنه قربان لكما عنده و به تصلان إلى ما تريدان فقالا هذه ثلاث خصال قد نهانا ربنا عنها الشرك و الزنا و شرب الخمر فائتموا بينهما ثم قالا لها ما أعظم البلية بك قد أجبناك قال فشربا الخمر و سجدا للصنم ثم راوداها عن نفسها فلما تهيأت لهما دخل عليهما سائل يسأل فلما رأياه فزعا منه فقال لهما إنكما لمريبان قد خلوتما بهذه المرأة الحسناء إنكما لرجلا سوء و خرج عنهما فقالت لهما بادرا إلى هذا الرجل فاقتلاه قبل أن يفضحكما و يفضحني ثم دونكما فاقضيا حاجتكما و أنتما مطمئنان آمنان قال فقاما إلى الرجل فأدركاه فقتلاه ثم رجعا إليها فلم يرياها و بدت لهما سوآتهما و نزع عنهما رياشهما و سقط في أيديهما فأوحى الله تعالى إليهما إنما أهبطتكما إلى الأرض ساعة من نهار فعصيتماني بأربع معاص قد نهيتكما عنها و تقدمت إليكما فيها فلم تراقباني و لم تستحيا مني و قد كنتما أشد من ينقم على أهل الأرض من المعاصي فاختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة قال فاختارا عذاب الدنيا فكانا يعلمان الناس السحر بأرض بابل ثم لما علما الناس رفعا من الأرض إلى الهواء فهما معذبان منكسان معلقان في الهواء إلى يوم القيامة هذا الخبر رواه العياشي مرفوعا إلى أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و من قال بعصمة الملائكة (عليهم السلام) لم يجز هذا الوجه و قوله « و ما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر » يعني الملكين ما يعلمان أحدا و العرب تستعمل لفظة علم بمعنى أعلم أي لا يعرفان
مجمع البيان ج : 1 ص : 340
صفات السحر و كيفيته حتى يقلا أي الأبعد أن يقولا إنما فتنة أي محنة لأن الفتنة بمعنى المحنة و الاختبار و الابتلاء و إنما كانا محنة من حيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه و يمتنعوا من مواقعته و هم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه و يرتكبوه فقالا لمن يطلعانه على ذلك لا تكفر باستعماله و لا تعدل عن الغرض في إلقائه إليك فإنه إنما ألقي إليك لتجتنبه لا لتفعله و لا يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفرا و معصية كما أن من عرف الزنا لم يأثم بأنه عرفه و إنما يأثم بالعمل و قيل إن المراد به نفي تعليمهما السحر و التقدير و لا يعلمان أحدا السحر فيقولان إنما نحن فتنة فعلى هذا يكون تعليم السحر من الشياطين و النهي عنه من الملكين و قوله « فلا تكفر » يعني به أحد ثلاثة أشياء ( أحدها ) فلا تكفر بالعمل بالسحر ( و الثاني ) فلا تكفر بتعلم السحر و يكون مما امتحن الله عز و جل بالملكين الناس في ذلك الوقت و جعل المحنة في الكفر و الإيمان أن يقبل القابل تعلم السحر فيكون بتعلمه كافرا و بتركه التعلم مؤمنا لأن السحر كان قد كثر و هذا ممكن أن يمتحن الله به كما امتحن بالنهر في قوله فمن شرب منه فليس مني ( و الثالث ) فلا نكفر بكليهما و قوله « فيتعلمون منهما » أي من هاروت و ماروت و قيل من السحر و الكفر و قيل أراد بدلا مما علماهم و يكون المعنى أنهم يعدلون عما علمهم الملكان من النهي عن السحر إلى فعله و استعماله كما يقال ليت لنا من كذا و كذا أي بدلا منه و كقول الشاعر :
جمعت من الخيرات و طبا و علبة
و صرا لإخلاف المزممة البزل
و من كل أخلاق الكرام نميمة
و سعيا على الجار المجاور بالمحل .
و قوله « ما يفرقون به بين المرء و زوجه » فيه وجوه ( أحدها ) أنهم يوجدون أحدهما على صاحبه و يبغضونه إليه فيؤدي ذلك إلى الفرقة عن قتادة ( و ثانيها ) أنه يغوون أحد الزوجين و يحملونه على الكفر و الشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجة الآخر المؤمن المقيم على دينه فيفرق بينهما اختلاف النحلة و تباين الملة ( و ثالثها ) أنهم يسعون بين الزوجين بالنميمة و الوشاية حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة و المباينة و قوله « و ما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله » أي لا يلحقون بغيرهم ضررا إلا بعلم الله فيكون على وجه التهديد و قيل معناه إلا بتخلية الله عن الحسن قال من شاء الله منعه فلا يضره السحر و من شاء خلى بينه و بينه فيضره و قوله « و يتعلمون ما يضرهم و لا ينفعهم » معناه يضرهم
مجمع البيان ج : 1 ص : 341
في الآخرة و لا ينفعهم و إن كان ينفعهم في الدنيا لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه و يرتكبوه لا أن يجتنبوه صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم و قوله « و لقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق » يعني اليهود الذين نبذوا كتاب وراء ظهورهم علموا لمن استبدل السحر بدين الله فالهاء في اشتراه كناية عن السحر عن قتادة و جماعة من المفسرين فما له في الآخرة من نصيب و قوله « و لبئس ما شروا به أنفسهم » يعني بئس ما باعوا به حظ أنفسهم حيث اختاروا التكسب بالسحر و قوله « لو كانوا يعلمون » بعد قوله « و لقد علموا » ذكر فيه وجوه ( أحدها ) أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا أو يكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبر تعالى عنهم بأنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم و الذين لم يعلموا هم الذين تعلموا السحر ( و ثانيها ) أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا إلا أنهم علموا شيئا و لم يعلموا غيره فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك و رضيه لنفسه على الجملة و لم يعلموا كنه ما يصيرون إليه من العقاب الدائم ( و ثالثها ) أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموا فكأنهم لم يعلموا كما قال كعب بن زهير يصف ذئبا و غرابا تبعاه ليصيبا من زاده :
إذا حضراني قلت لو تعلمانه
أ لم تعلما أني من الزاد مرمل فنفى عنهما العلم ثم أثبته و المعنى في نفيه العلم عنهما أنها لم يعملا بما علماه فكأنهما لم يعلماه و في هذه الآية دلالة على أن الأفعال تختلف باختلاف المقاصد و لذلك كان تعلم السحر لإزالة الشبهة و التحرز منه و اجتنابه إيمانا و لتصديقه و استعماله كفرا و اختلف في ماهية السحر على أقوال فقيل أنه ضرب من التخييل و صنعة من لطيف الصنائع و قد أمر الله تعالى بالتعوذ منه و جعل التحرز بكتابه وقاية منه و أنزل فيه سورة الفلق و هو قول الشيخ المفيد أبي عبد الله من أصحابنا و قيل أنه خدع و مخاريق و تمويهات لا حقيقة لها يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة و قيل أنه يمكن الساحر أن يقلب الإنسان حمارا و يقلبه من صورة إلى صورة و ينشىء الحيوان على وجه الاختراع و هذا لا يجوز و من صدق به فهو لا يعرف النبوة و لا يأمن أن تكون معجزات الأنبياء من هذا النوع و لو أن الساحر و المعزم قدرا على نفع أو ضر و علما الغيب لقدرا على إزالة الممالك و استخراج الكنوز من معادنها و الغلبة على البلدان بقتل الملوك من غير أن ينالهم مكروه و ضرر فلما رأيناهم أسوء الناس حالا و أكثرهم مكيدة و احتيالا علمنا أنهم لا يقدرون على شيء من
مجمع البيان ج : 1 ص : 342
ذلك فأما ما روي من الأخبار أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) سحر فكان يرى أنه فعل ما لم يفعله و أنه لم يفعله ما فعله فأخبار مفتعلة لا يلتفت إليها و قد قال الله سبحانه و تعالى حكاية عن الكفار إن تتبعون إلا رجلا مسحورا فلو كان للسحر عمل فيه لكان الكفار صادقين في مقالهم حاشا النبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) من كل صفة نقص تنفر عن قبول قوله فإنه حجة الله على خليقته و صفوته على بريته .
وَ لَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَ اتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيرٌ لَّوْ كانُوا يَعْلَمُونَ(103)

اللغة

المثوبة و الثواب و الأجر نظائر و نقيض المثوبة العقوبة يقال ثاب يثوب ثوبا و ثوابا و أثابه إثابة و مثوبة و ثوابا و الأصل في الثواب ما رجع إليك من شيء يقال اعترت الرجل غشية ثم ثابت إليه نفسه و لذلك سمي الثواب ثوابا لأنه العائد إلى صاحبه مكافاة لما فعل و منه التثويب في الأذان و هو ترجيع الصوت يقال ثوب الداعي إذا كرر دعاءه إلى الحرب أو غيرها و يقال انهزم القوم ثم ثابوا أي رجعوا و الثوب مشتق من هذا أيضا لأنه ثاب لباسا بعد أن كان قطنا أو غزلا و المثابة الموضع يثوب إليه الناس و في الشواذ قرأ قتادة لمثوبة بسكون الثاء و فتح الواو و هي لغة كما قالوا مشورة و مشورة و أجمع العرب على قولهم هذا خير منه و هذا شر منه إلا بعض بني عامر فإنهم يقولون هذا أخير من ذا و أشر من ذا .

الإعراب

اللام في لمثوبة لام الابتداء و هي في موضع جواب لو لأنها تنبىء عن قولك لا تثيبوا و الضمير في أنهم عائد إلى الذين يتعلمون السحر .

المعنى

ثم قال سبحانه « و لو أنهم » يعني الذين يتعلمون السحر و يعملونه و قيل هم اليهود « آمنوا » أي صدقوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) و القرآن « و اتقوا » السحر و الكفر و قيل جميع المعاصي « لمثوبة من عند الله خير » أي لأثيبوا و ثواب الله خير « لو كانوا يعلمون » أي لو كانوا يستعملون ما يعلمونه و ليس أنهم كانوا يجهلون ذلك كما يقول الإنسان لصاحبه و هو يعظه ما أدعوك إليه خير لك لو كنت تعقل أو تنظر في العواقب و في قوله « لو كانوا يعلمون » و هو خير علموا أو لم يعلموا وجهان ( أحدهما ) أن معناه لو كانوا يعلمون لظهر لهم بالعلم ذلك أي لعلموا أن ثواب الله خير من السحر ( و الآخر ) أن المعنى فيه الدلالة على جهلهم و ترغيبهم في أن يعلموا ذلك و أن يطلبوا ما هو خير لهم من السحر و هو ثواب الله الذي ينال بطاعاته و اتباع مرضاته و في هذه الآية دلالة على بطلان قول أصحاب
مجمع البيان ج : 1 ص : 343
المعارف لأنه نفى ذلك العلم عنهم .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَقُولُوا رَعِنَا وَ قُولُوا انظرْنَا وَ اسمَعُوا وَ لِلْكفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(104)

اللغة

المراعاة التفقد للشيء في نفسه أو أحواله و المراعاة و المحافظة و المراقبة نظائر و نقيض المراعاة الإغفال و رعى الله فلانا أي حفظه و رعيت له حقه و عهده فيمن خلف و أرعيته سمعي إذا أصغيت إليه و راعيته بعيني إذا لاحظته و جمع الراعي رعاء و رعاة و رعيان و كل من ولي قوما فهو راعيهم و هم رعيته و المرعي من الناس المسوس و الراعي السائس و استرعاه الله خلقه أي ولاه أمرهم ليرعاهم و الإرعاء الإبقاء على أخيك و الاسم الرعوى و الرعيا و راعني سمعك أي استمع و رجل ترعية للذي صنعته و صنعه آبائه الرعاية و قال الشاعر :
يسوسها ترعية حاف فضل و أصل الباب الحفظ و نظرت الرجل أنظر نظرة بمعنى انتظرته و ارتقبته .

المعنى

لما قدم سبحانه نهي اليهود عن السحر عقبه بالنهي عن إطلاق هذه اللفظة فقال سبحانه « يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا » كان المسلمون يقولون يا رسول الله راعنا أي استمع منا فحرفت اليهود هذه اللفظة فقالوا يا محمد راعنا و هم يلحدون إلى الرعونة يريدون به النقيصة و الوقيعة فلما عوتبوا قالوا نقول كما يقول المسلمون فنهى الله عن ذلك بقوله « لا تقولوا راعنا و قولوا انظرنا » و قال قتادة إنها كلمة كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء و قال عطا هي كلمة كانت الأنصار تقولها في الجاهلية فنهوا عنها في الإسلام و قال السدي كان ذلك كلام يهودي بعينه يقال له رفاعة بن زيد يريد بذلك الرعونة فنهي المسلمون عن ذلك و قال الباقر (عليه السلام) هذه الكلمة سب بالعبرانية إليه كانوا يذهبون و قيل كان معناه عندهم اسمع لا سمعت و روي عن الحسن أنه كان يقرأ راعنا بالتنوين و هو شاذ لا يؤخذ به و معنى « انظرنا » يحتمل وجوها ( أحدها ) انتظرنا نفهم و نتبين ما تعلمنا ( و الآخر ) فقهنا و بين لنا يا محمد ( و الثالث ) أقبل علينا و يجوز أن يكون معناه أنظر إلينا فحذف حرف الجر و قوله « و اسمعوا » يحتمل أمرين ( أحدهما ) أن معناه اقبلوا ما يأمركم به قوله سمع الله لمن حمده و سمع الله دعاءك أي قبله و ( الثاني ) أن معناه استمعوا ما يأتيكم به الرسول عن الحسن « و للكافرين » بمحمد و القرآن « عذاب أليم » أي موجع
مجمع البيان ج : 1 ص : 344
قال الحسن و الضحاك كل ما في القرآن يا أيها الذين آمنوا فإنه نزل بالمدينة .
مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَ لا المُْشرِكِينَ أَن يُنزَّلَ عَلَيْكم مِّنْ خَير مِّن رَّبِّكمْ وَ اللَّهُ يخْتَص بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ(105)

اللغة

المودة المحبة و الاختصاص بالشيء هو الانفراد به و ضد الاختصاص الاشتراك و يقال خصه بالشيء يخصه خصا إذا فضله به و الخصاص الفرج و الخص بيت من قصب أو شجر و إنما سمي خصا لأنه يرى ما فيه من خصاصة و كل خلل أو خرق يكون في السحاب أو المنخل فهو الخصاصة و أصل الباب الانفراد بالشيء و منه يقال للفرج الخصائص لانفراد كل واحد عن الآخر من غير جمع بينها و يقال أخصصته بالفائدة و اختصصت أنا بها كما يقال أفردته بها و انفردت أنا بها .

الأعراب

« الذين كفروا » في موضع رفع لأنه فاعل يود و المشركين في موضع جر بالعطف على أهل الكتاب و تقديره و لا من المشركين و قوله « أن ينزل » في موضع نصب لأنه مفعول يود و من في قوله « من خير » زائدة مؤكدة كقولك ما جاءني من أحد و موضع من خير رفع و من في قوله « من ربكم » لابتداء الغاية و التي في قوله « من أهل الكتاب » للتنويع و التبيين مثل التي في قوله فاجتنبوا الرجس من الأوثان .

المعنى

ثم أخبر سبحانه أيضا عن اليهود فقال « ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم » معناه ما يحب الكافرون من أهل الكتاب و لا من المشركين بالله من عبدة الأوثان أن ينزل الله عليكم شيئا من الخير الذي هو عنده و الخير الذي تمنوا أن لا ينزله الله عليهم ما أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) و أنزله عليه من القرآن و الشرائع بغيا منهم و حسدا « و الله يختص برحمته من يشاء » و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أن المراد برحمته هنا النبوة و به قال الحسن و أبو علي و الرماني و غيرهم من المفسرين قالوا يختص بالنبوة من يشاء من عباده « و الله ذو الفضل العظيم » هذا خبر منه سبحانه أن كل خير نال عباده في دينهم و دنياهم فإنه من
مجمع البيان ج : 1 ص : 345
عنده ابتداء منه إليهم و تفضلا عليهم من غير استحقاق منهم لذلك عليه فهو عظيم الفضل ذو المن و الطول .
* مَا نَنسخْ مِنْ ءَايَة أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بخَير مِّنهَا أَوْ مِثْلِهَا أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(106)

القراءة

قرأ ابن عامر ما ننسخ بضم النون و كسر السين و الباقون بفتحها و قرأ ابن كثير و أبو عمرو ننساها بفتح النون و السين و إثبات الهمزة و الباقون بضم النون و كسر السين بلا همز .

الحجة

أما قراءة ابن عامر ننسخ فلا يخلو من أن يكون أفعل لغة في فعل نحو بدأ و أبدأ و حل من إحرامه و أحل أو تكون الهمزة للنقل نحو ضرب و أضربته و نسخ الكتاب و أنسخته الكتاب أو يكون المعنى في أنسخت الآية وجدتها منسوخة كقولهم أحمدت زيدا و أبخلته و الوجه الصحيح هو الأول و هو أن يكون نسخ و أنسخ لغتين متفقتين في المعنى و إن اختلفتا في اللفظ و قول من فتح النون أبين و أوضح و أما ننساها فهي من النسإ و هو التأخير يقال نسأت الإبل عن الحوض أنساها نسا إذا أخرتها عنه و انتسأت أنا أي تأخرت و منه قولهم أنسا الله أجلك و نسا في أجلك و أما القراءة الأخرى فمن النسيان الذي هو بمعنى السهو أو بمعنى الترك .

اللغة

النسخ في اللغة إبطال شيء و إقامة آخر مقامه يقال نسخت الشمس الظل أي أذهبته و حلت محله و قال ابن دريد كل شيء خلف شيئا فقد انتسخه و انتسخ الشيب الشباب و تناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة و أصل الميراث قائم لم يقسم و كذلك تناسخ الأزمنة و القرون بعد القرون الماضية و أصل الباب الإبدال من الشيء غيره و قال علي بن عيسى النسخ الرفع لشيء قد كان يلزم العمل به إلى بدل منه كنسخ الشمس بالظل لأنه يصير بدلا منها في مكانها و هذا ليس بصحيح لأنه ينتقض بمن يلزمه الصلاة قائما فعجز عن القيام فإنه يسقط عنه القيام لعجزه و لا يسمى العجز ناسخا و لا القيام منسوخا و ينتقض
مجمع البيان ج : 1 ص : 346
أيضا بمن يستبيح الشيء بحكم العقل و ورد الشرع بخطره فإنه لا يقال إن الشرع نسخ حكم العقل و لا أن حكم العقل منسوخ و أولى ما يجد به النسخ أن يقال هو كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول غير ثابت في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه و النسخ في القرآن على ضروب منها أن يرفع حكم الآية و تلاوتها كما روي عن أبي بكر أنه قال كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم و منها أن تثبت الآية في الخط و يرفع حكمها كقوله و إن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم الآية فهذه ثابتة اللفظ في الخط مرتفعة الحكم و منها ما يرتفع اللفظ و يثبت الحكم ك آية الرجم فقد قيل أنها كانت منزلة فرفع لفظها و قد جاءت أخبار كثيرة بأن أشياء كانت في القرآن فنسخ تلاوتها فمنها ما روي عن أبي موسى أنهم كانوا يقرءون لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب و يتوب الله على من تاب ثم رفع و عن أنس أن السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة قرأنا فيهم كتابا بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا و أرضانا ثم إن ذلك رفع و قال أبو عبيدة معنى ننساها أي نمضيها فلا ننسخها قال طرفة :
أمون كالواح الأران نسأتها
على لا حب كأنه ظهر برجد أي أمضيتها و قال غيره نسأت الإبل في ظمئها أنساها نسا إذا زدتها في ظمئها يوما أو يومين و ظمؤها منعها الماء و نسأت الماشية تنسأ نسا إذا سمنت و كل سمين ناسىء قال الزجاج و تأويله أن جلودها نسأت أي تأخرت عن عظامها و قال غيره إنما قيل ذلك لأنها تأخرت في المرعى حتى سمنت و يقال للعصا المنساة لأنها ينسأ بها أي يؤخر ما يساق عن مكانه و يدفع بها الإنسان عن نفسه الأذى و نسأت ناقتي إذا دفعتها في السير و أصل الباب التأخير .

الإعراب

« ما ننسخ » ما اسم ناب مناب أن و هو في موضع نصب بننسخ و إنما لزمه التقديم و إن كان مفعولا و مرتبة المفعول أن يكون بعد الفاعل لنيابته عن حرف الشرط الذي له صدر الكلام و ننسخ مجزوم بالشرط و ننس جزم لأنه معطوف عليه و نأت مجزوم لأنه جزاء و من في قوله « من آية » للتبعيض و قيل هي مزيدة و لفظ أ لم هاهنا لفظ الاستفهام و معناه التقرير و تعلم مجزوم بلم لأن حرف الاستفهام لا يغير العامل عن عمله .

النظم

لما قال سبحانه في الآية الأولى ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب و لا
مجمع البيان ج : 1 ص : 347
المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم دل بهذه الآية على أنه سبحانه لا يخليهم من إنزال خير إليهم بخلاف ما تمناه أعداؤهم فيهم و أنه أبدا ينزل عليهم ما هو أصلح لهم عن علي بن عيسى و قيل إنه سبحانه لما عاب اليهود بأشياء و رد عليهم ما راموا به الطعن في أمر نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) و كان مما طعنوا فيه أنه يقول بنسخ كل شريعة تقدمت شريعته فبين الله سبحانه جواز ذلك ردا عليهم عن أبي مسلم .

المعنى

« ما ننسخ من آية » قد ذكرنا حقيقة النسخ عند المحققين و قيل معناه ما نرفع من آية أو حكم آية و قيل معناه ما نبدل من آية عن ابن عباس و من قرأ « أو ننسها » فمعناه على وجهين فإن لفظ النسي المنقول منه أنسى على ضربين ( أحدهما ) بمعنى النسيان الذي هو خلاف الذكر نحو قوله و اذكر ربك إذا نسيت ( و الآخر ) بمعنى الترك نحو قوله نسوا الله فنسيهم أي تركوا طاعة الله فترك رحمتهم أو ترك تخليصهم فالوجه الأول في الآية مروي عن قتادة و هو أن يكون محمولا على النسيان الذي هو مقابل الذكر و يجوز ذلك على الأمة بأن يؤمروا بترك قراءتها فينسونها على طول الأيام و لا يجوز ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأنه يؤدي إلى التنفير كذا ذكره الشيخ أبو جعفر رحمه الله في تفسيره و قد جوز جماعة من المحققين ذلك على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قالوا أنه لا يؤدي إلى التنفير لتعلقه بالمصلحة و يجوز أيضا أن ينسيهم الله تعالى ذلك على الحقيقة و إن كانوا جمعا كثيرا و جما غفيرا بأن يفعل النسيان في قلوب الجميع و إن كان ذلك خارقا للعادة و يكون معجزا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و استدل من حمل الآية على النسيان الذي هو خلاف الذكر و جوز كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) مرادا به بقوله سبحانه سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله أي إلا ما شاء الله أن تنساه قال و إلى هذا ذهب الحسن فقال إن نبيكم أقرىء القرآن ثم نسيه و أنكر الزجاج هذا القول فقال إن الله تعالى قد أنبأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في قوله و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره بأنه لا يشاء أن يذهب بما أوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال أبو علي الفارسي هذا الذي احتج به على من ذهب إلى أن ننسها من النسيان لا يدل على فساد ما ذهبوا إليه و ذلك أن قوله و لئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك إنما هو على ما لا يجوز عليه النسخ و التبديل من الأخبار و أقاصيص الأمم و نحو ذلك مما لا يجوز عليه التبديل و الذي ينساه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و هو ما يجوز أن ينسخ من الأوامر و النواهي الموقوفة على المصلحة و في الأوقات التي يكون ذلك فيها أصلح و يدل على أن ننسها من النسيان الذي هو خلاف الذكر قراءة من قرأ أو تنسها و هو قراءة سعد بن أبي وقاص و قراءة من قرأ أو ننسكها و هو المروي عن سالم مولى أبي حذيفة و قراءة من قرأ أو تنسها و هو المروي عن
مجمع البيان ج : 1 ص : 348
سعد بن مالك فالمفعول المراد المحذوف في قراءة من قرأ « أو ننسها » مظهر في قراءة من قرأ ننسكها و يبينه ما روي عن الضحاك أنه قرأ ننسها و يؤكد ذلك أيضا ما روي من قراءة ابن مسعود ما ننسك من آية أو ننسخها و به قرأ الأعمش و روي عن مجاهد أنه قال قراءة أبي ما ننسخ من آية أو ننسك فهذا كله يثبت قراءة من جعل ننسها من النسيان و يؤكد ما روي عن قتادة أنه قال كانت الآية تنسخ بالآية و ينسي الله نبيه من ذلك شيئا و الوجه الثاني و هو أن المراد بالنسيان الترك في الآية مروي عن ابن عباس فعلى هذا يكون المراد بننسها نأمركم بتركها أي بترك العمل بها قال الزجاج إنما يقال في هذا نسيت إذا تركت و لا يقال فيه أنسيت تركت و إنما معنى « أو ننسها » أو نتركها أي نأمركم بتركها قال أبو علي من فسر أنسيت بتركت لا يكون مخطئا لأنك إذا أنسيت فقد نسيت و من هذا قال علي بن عيسى إنما فسره المفسرون على ما يؤول إليه المعنى لأنه إذا أمر بتركها فقد تركها فإن قيل إذا كان نسخ الآية رفعها و تركها أن لا تنزل فما معنى ذلك و لم جمع بينهما قيل ليس معنى تركها ألا تنزل و قد غلط الزجاج في توهمه ذلك و إنما معناه إقرارها فلا ترفع كما قال ابن عباس نتركها فلا نبدلها و إضافة الترك إلى القديم سبحانه في نحو هذا اتساع كقوله تعالى و تركهم في ظلمات لا يبصرون و تركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض أي خليناهم و ذاك و أما من قرأ أو ننساها على معنى التأخير فقيل فيه وجوه ( أحدها ) أن معناه أو نؤخرها فلا ننزلها و ننزل بدلا منها مما يقوم مقامها في المصلحة أو يكون أصلح للعباد منها ( و ثانيها ) أن معناه نؤخرها إلى وقت ثان و نأتي بدلا منها في الوقت المتقدم بما يقوم مقامها ( و ثالثها ) أن يكون معنى التأخير أن ينزل القرآن فيعمل به و يتلى ثم يؤخر بعد ذلك بأن ينسخ فيرفع تلاوته البتة و يمحي فلا تنسأ و لا يعمل بتأويله مثل ما روي عن زر بن حبيش أن أبيا قال له كم تقرءون الأحزاب قال بضعا و سبعين آية قال قد قرأتها و نحن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أطول من سورة البقرة أورده أبو علي في كتاب الحجة ( و رابعها ) أن يؤخر العمل بالتأويل لأنه نسخ و يترك خطه مثبتا و تلاوته قرآن يتلى و هو ما حكي عن مجاهد يثبت خطها و يبدل حكمها و الوجهان الأولان عليهما الاعتماد لأن الوجهين الأخيرين يرجع معناهما إلى معنى النسخ فلا يحسن إذ يكون في التقدير محصولة ما ننسخ من آية أو ننسخها و هذا لا يصح على أن الوجه الأول أيضا فيه ضعف لأنه لا فائدة في تأخير ما لم يعرفه العباد و لا علموه و لا سمعوه فالأقوى هو الوجه الثاني و قوله « نأت بخير منها أو مثلها » فيه قولان ( أحدهما ) نأت بخير منها لكم في التسهيل و التيسير كالأمر بالقتال الذي سهل على المسلمين بقوله الآن خفف الله عنكم أو مثلها في السهولة كالعبادة بالتوجه إلى
مجمع البيان ج : 1 ص : 349
الكعبة بعد أن كان إلى بيت المقدس عن ابن عباس ( و الثاني ) نأت بخير منها في الوقت الثاني أي هي لكم في الوقت الثاني خير لكم من الأولى في الوقت الأول في باب المصلحة أو مثلها في ذلك عن الحسن و قوله « أ لم تعلم أن الله على كل شيء قدير » قيل هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قيل هو خطاب لجميع المكلفين و المراد أ لم تعلم أيها السامع أو أيها الإنسان إن الله تعالى قادر على آيات و سور مثل القرآن ينسخ بها ما أمر فيقوم في النفع مقام المنسوخ و على القول الأول معناه أ لم تعلم يا محمد أنه سبحانه قادر على نصرك و الانتصار لك من أعدائك و قيل هو عام في كل شيء و استدل من زعم أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة المعلومة بهذه الآية قال أضاف الإتيان بخير منها إلى نفسه و السنة لا تضاف إليه حقيقة ثم قال بعد ذلك « أ لم تعلم أن الله على كل شيء قدير » فلا بد من أن يكون أراد ما يختص سبحانه بالقدرة عليه من القرآن المعجز و الصحيح أن القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة المقطوع عليها و معنى خير منها أي أصلح لنا منها في ديننا و أنفع لنا بأن نستحق به مزيد الثواب فأما إضافة ذلك إليه تعالى فصحيحة لأن السنة إنما هي بوحيه تعالى و أمره فإضافتها إليه كإضافة كلامه و آخر الآية إنما يدل على أنه قادر على أن ينسخ الآية بما هو أصلح و أنفع سواء كان ذلك بقرآن أو سنة و في هذه الآية دلالة على أن القرآن محدث و أنه غير الله تعالى لأن القديم لا يصح نسخه و لأنه أثبت له مثلا و الله سبحانه قادر عليه و ما كان داخلا تحت القدرة فهو فعل و الفعل لا يكون إلا محدثا .
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْك السمَوَتِ وَ الأَرْضِ وَ مَا لَكم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلىّ وَ لا نَصِير(107)

اللغة

الولي هو القائم بالأمر و منه ولي عهد المسلمين و دون الله سوى الله قال أمية بن أبي الصلت :
يا نفس ما لك دون الله من واق
و ما على حدثان الدهر من باق و النصير الناصر و هو المؤيد و المقوي .

الإعراب و المعنى

« أ لم تعلم » استفهام تقرير و تثبيت و يؤول في المعنى إلى الإيجاب فكأنه يقول قد علمت حقيقة كما قال جرير :
مجمع البيان ج : 1 ص : 350

أ لستم خير من ركب المطايا

و أندى العالمين بطون راح فلهذا خاطب به النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قيل إن الآية و إن كانت خطابا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فالمراد به أمته كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء و مثله قول الكميت في مدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) :
لج بتفضيلك اللسان و لو
أكثر فيك الضجاج و اللجب
و قيل أفرطت بل قصدت و لو
عنفني القائلون أو ثلبوا
أنت المصفى المهذب المحض
في النسبة إن نص قومك النسب فأخرج كلامه مخرج الخطاب للنبي (صلى الله عليهوآلهوسلّم) و أراد به أهل بيته لأن أحدا من المسلمين لا يعنف مادح النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و لا يكثر الضجاج و اللجب في إطناب القول فيه فكأنه قال أ لم تعلم أيها الإنسان « أن الله له ملك السماوات و الأرض » لأنه خلقهما و ما فيهما و قوله « و ما لكم من » قال إن الآية خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال أتي بضمير الجمع في الخطاب تفخيما لأمره و تعظيما لقدره و من قال هي خطاب له و للمؤمنين أو لهم خاصة فالمعنى أ لم تعلموا ما لكم أيها الناس « من دون الله » أي سوى الله « من ولي » يقوم بأمركم « و لا نصير » ناصر ينصركم .
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسئَلُوا رَسولَكُمْ كَمَا سئلَ مُوسى مِن قَبْلُ وَ مَن يَتَبَدَّلِ الْكفْرَ بِالايمَنِ فَقَدْ ضلَّ سوَاءَ السبِيلِ(108)

اللغة

السؤال هو أن يطلب أمر ممن يعلم معنى الطلب و سواء بالمد على ثلاثة أوجه بمعنى قصد و عدل و بمعنى وسط في قوله إلى سواء الجحيم و بمعنى غير في قولك أتيت سواك أي غيرك و معنى ضل هاهنا ذهب عن الاستقامة قال الأخطل :
كنت القذى في موج أكدر مزبد
قذف الآتي به فضل ضلالا .

مجمع البيان ج : 1 ص : 351

الإعراب

أم هذه منقطعة فإن أم على ضربين متصلة و منقطعة فالمتصلة عديلة الألف و هي مفرقة لما جمعته أي كما أن أو مفرقة لما جمعه أحد تقول أضرب أيهم شئت زيدا أم عمرا أم بكرا كما تقول اضرب أحدهم زيدا أو عمرا أو بكرا و المنقطعة لا تكون إلا بعد كلام لأنها بمعنى بل و همزة الاستفهام كقول العرب أنها لابل أم شاء كأنه قال بل أ هي شاء فقوله « أم تريدون » تقديره بل أ تريدون و مثله قول الأخطل :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط
غلس الظلام من الرباب خيالا « أن تسئلوا » موصول و صلة في محل النصب لأنه مفعول تريدون كما أن الكاف حرف جر ما حرف موصول « سئل موسى » جملة فعلية هي صلة ما و الموصول و الصلة في محل الجر بالكاف و الكاف متعلق بتسألوا و الجار و المجرور في محل النصب على المصدر و من قبل في محل النصب لأنه ظرف قوله « سئل » و من اسم للشرط في محل الرفع بالابتداء و الفاء في قوله « فقد ضل سواء السبيل » في محل الجزم لأنه جواب الشرط و معنى حرف الشرط الذي تضمنه من مع الجملتين في محل الرفع لأنه خبر المبتدأ .

النزول

اختلف في سبب نزول الآية فروي عن ابن عباس أنه قال إن رافع بن حرملة و وهب بن زيد قالا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه و فجر لنا أنهارا نتبعك و نصدقك فأنزل الله هذه الآية و قال الحسن عنى بذلك مشركي العرب و قد سألوا فقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا إلى قوله أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا و قالوا لو لا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا و قال السدي سألت العرب محمدا أن أتيهم بالله فيروه جهرة و قال مجاهد سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا قال نعم و لكن يكون لكم كالمائدة لقوم عيسى (عليه السلام) فرجعوا و قال أبو علي الجبائي روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) سأله قوم أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط و هي شجرة كانوا يعبدونها و يعلقون عليها الثمر و غيره من المأكولات كما سألوا موسى (عليه السلام) اجعل لنا إلها كما لهم آلهة .

المعنى

« أم تريدون » أي بل أ تريدون « أن تسئلوا رسولكم » يعني النبي محمدا « كما سئل موسى » أي كما سأل قوم موسى موسى « من قبل » من الاقتراحات أي ذهب يمينا و شمالا و السبيل و الطريق و المذهب نظائر و الجمع السبل .

مجمع البيان ج : 1 ص : 352
و المحالات « و من يتبدل الكفر بالإيمان » أي من استبدل الجحود بالله و ب آياته بالتصديق بالله و الإقرار به و ب آياته و اقترح المحالات على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و سأل عما لا يعنيه بعد وضوح الحق بالبراهين « فقد ضل سواء السبيل » أي ذهب عن قصد الطريق و قيل عن طريق الاستقامة و قيل عن وسط الطريق لأن وسط الطريق خير من أطرافه .

النظم

وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما دل الله تعالى بما تقدم على تدبيره لهم فيما يأتي به من الآيات و ما ينسخه و اختياره لهم ما هو الأصلح في كل حال قال أ ما ترضون بذلك و كيف تتخيرون محالات مع اختيار الله لكم ما يعلم فيه من المصلحة فإذا أتي ب آية تقوم بها الحجة فليس لأحد الاعتراض عليها و لا اقتراح غيرها لأن ذلك بعد صحة البرهان بها يكون تعنتا .
وَدَّ كثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّاراً حَسداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَينَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصفَحُوا حَتى يَأْتىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كلِّ شىْء قَدِيرٌ(109)

اللغة

الحسد إرادة زوال نعمة المحسود إليه أو كراهة النعمة التي هو فيها و إرادة أن تصير تلك النعمة بعينها له و قد يكون تمني زوال نعمة الغير حسدا و إن لم يطمع الحاسد في تحول تلك النعمة إليه و أشد الحسد التعرض للاغتمام بكون الخير لأحد و أما الغبطة فهي أن يراد مثل النعمة التي فيها الغير و إن لم يرد زوالها عنه و لا يكره كونها له فهذه غير مذموم و الحسد مذموم و يقال حسدته على الشيء أحسده حسدا و حسدته الشيء بمعنى واحد و منه قول الشاعر :
يحسد الناس الطعاما و الصفح و العفو و التجاوز عن الذنب بمعنى و يقال لظاهر جلدة الإنسان صفحته و كذا هو من كل شيء و منه صافحته أي لقت صفحة كفه صفحة كفي و قولهم صفحت عنه فيه قولان ( أحدهما ) أن معناه إني لم آخذه بذنبه و أبديت له مني صفحة جميلة و الآخر أنه لم ير مني ما يقبض صفحته و يقال صفحت الورقة أي تجاوزتها إلى غيرها و منه تصفحت الكتاب و قد يتصفح الكتاب من لا يحسن أن يقرأه .

الإعراب

من في قوله « من أهل الكتاب » يتعلق بمحذوف تقديره فريق كائنون
مجمع البيان ج : 1 ص : 353
من أهل الكتاب فيكون صفة لكثير من بعد في محل النصب على الظرف و العامل فيه يرد و كفارا مفعول ثان ليرد و مفعوله الأول كم من يردونكم و فيه انتصاب قوله « حسدا » وجهان ( أحدهما ) أن الجملة التي قبله تدل على الفعل الذي هو مصدره و تقديره حسدوكم حسدا كما يقال فلان يتمنى لك الشر حسدا فكأنه قال يحسدك حسدا و الآخر أن يكون مفعولا له فكأنه قال يردونكم كفارا لأجل الحسد كما تقول جئته خوفا منه و قوله « من عند أنفسهم » يتعلق بقوله « ود كثير » لا بقوله « حسدا » لأن حسد الإنسان لا يكون من غير نفسه قال الزجاج و قال غيره يجوز أن يتعلق بقوله « حسدا » على التوكيد كقوله عز و جل و لا طائر يطير بجناحيه و يحتمل وجها آخر و هو أن يكون اليهود قد أضافوا الكفر و المعاصي إلى الله تعالى فقال سبحانه تكذيبا لهم إن ذلك « من عند أنفسهم » و قوله « ما تبين » ما حرف موصول و تبين لهم الحق صلته و الموصول و الصلة في محل الجر بإضافة بعد إليه « حتى يأتي الله » يأتي منصوب بإضمار أن و هما في محل الجر بحتى و الجار و المجرور مفعول فاعفوا و اصفحوا .

النزول

نزلت الآية في حيي بن أخطب و أخيه أبي ياسر بن أخطب و قد دخلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حين قدم المدينة فلما خرجا قيل لحيي أ هو نبي قال هو هو فقيل فما له عندك قال العداوة إلى الموت و هو الذي نقض العهد و أثار الحرب يوم الأحزاب عن ابن عباس و قيل نزلت في كعب بن الأشرف عن الزهري و قيل في جماعة اليهود عن الحسن .

المعنى

ثم أخبر الله سبحانه عن سرائر اليهود فقال « ود » أي تمنى « كثير من أهل الكتاب » كحيي بن أخطب و كعب بن الأشرف و أمثالهما « لو يردونكم » يا معشر المؤمنين أي يرجعونكم « من بعد إيمانكم كفارا حسدا » منهم لكم بما أعد الله لكم من الثواب و الخير و إنما قال « كثير من أهل الكتاب » لأنه إنما آمن منهم القليل كعبد الله بن سلام و كعب الأحبار و قيل إنما حسد اليهود المسلمين على وضع النبوة فيهم و ذهابها عنهم و زوال الرياسة إليهم و قوله « من عند أنفسهم » قد بينا ما فيه في الإعراب و قوله « من بعد ما تبين لهم الحق » أي بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله و الإسلام دين الله عن ابن عباس و قتادة و السدي و قوله « فاعفوا و اصفحوا » أي تجاوزوا عنهم و قيل أرسلوهم فإنهم
مجمع البيان ج : 1 ص : 354
لا يفوتون الله و لا يعجزونه و إنما أمرهم بالعفو و الصفح و إن كانوا مضطهدين مقهورين من حيث أن كثيرا من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم و أقوامهم يقدرون على الانتقام من الكفار فأمرهم الله بالعفو و إن كانوا قادرين على الانتصاف « حتى يأتي الله بأمره » أي بأمره لكم بعقابهم أو يعاقبهم هو على ذلك ثم أتاهم بأمره فقال قاتلوا الذين لا يؤمنون الآية عن أبي علي و قيل بأمره أي ب آية القتل و السبي لبني قريظة و الجلاء لبني النضير عن ابن عباس و قيل بأمره بالقتال عن قتادة فإنه قال هذه الآية منسوخة بقوله قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الآخر الآية و به قال الربيع و السدي و قيل نسخت بقوله اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال لم يؤمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بقتال و لا أذن له فيه حتى نزل جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآية أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و قلده سيفا و قوله « إن الله على كل شيء قدير » فيه ثلاثة أقوال .
( أحدها ) أنه قدير على عقابهم إذ هو على كل شيء قدير عن أبي علي ( و ثانيها ) أنه قدير على أن يدعو إلى دينه بما أحب مما هو الأليق بالحكمة فيأمر بالصفح تارة و بالعقاب أخرى على حسب المصلحة عن الزجاج ( و ثالثها ) أنه لما أمر بالإمهال و التأخير في قوله « فاعفوا و اصفحوا » قال إن الله قادر على عقوبتهم بأن يأمركم بقتالهم و يعاقبهم في الآخرة بنفسه .
وَ أَقِيمُوا الصلَوةَ وَ ءَاتُوا الزَّكَوةَ وَ مَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكم مِّنْ خَير تجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(110)

الإعراب

ما اسم للشرط في موضع رفع بالابتداء و تقدموا شرط « من خير » من مزيدة و الجار و المجرور مفعول تقدموا و تجدوه مجزوم لأنه جزاء و علامة الجزم في الشرط و الجزاء سقوط النون و معنى حرف الشرط الذي تضمنه ما مع الشرط و الجزاء في محل الرفع لأنه خبر المبتدأ و ما في قوله « بما تعملون » اسم موصول أو حرف موصول و الموصول و الصلة في موضع جر بالباء و الباء متعلق ببصير الذي هو خبر إن .

المعنى

لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالصفح عن الكفار و التجاوز علم أنه يشق عليهم ذلك مع شدة عداوة اليهود و غيرهم لهم فأمرهم بالاستعانة على ذلك بالصلاة و الزكاة فإن في ذلك معونة لهم على الصبر مع ما يحوزون بهما من الثواب و الأجر كما قال في
 

<<        الفهرس        >>