جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج1 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>


مجمع البيان جلد 1

مجمع البيان ج : 1 ص : 87

( 1 ) سورة فاتحة الكتاب مكية و آياتها سبع ( 7 )
بسم الله الرحمن الرحيم مكية عن ابن عباس و قتادة و مدنية عن مجاهد و قيل أنزلت مرتين مرة بمكة و مرة بالمدينة .

أسماؤها

( فاتحة الكتاب ) سميت بذلك لافتتاح المصاحف بكتابتها و لوجوب قراءتها في الصلاة فهي فاتحة لما يتلوها من سور القرآن في الكتاب و القراءة ( الحمد ) سميت بذلك لأن فيها ذكر الحمد ( أم الكتاب ) سميت بذلك لأنها متقدمة على سائر سور القرآن و العرب تسمي كل جامع أمر أو متقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه أما فيقولون أم الرأس للجلدة التي تجمع الدماغ و أم القرى لأن الأرض دحيت من تحت مكة فصارت لجميعها أما و قيل لأنها أشرف البلدان فهي متقدمة على سائرها و قيل سميت بذلك لأنها أصل القرآن و الأم هي الأصل و إنما صارت أصل القرآن لأن الله تعالى أودعها مجموع ما في السور لأن فيها إثبات الربوبية و العبودية و هذا هو المقصود بالقرآن ( السبع ) سميت بذلك لأنها سبع آيات لا خلاف في جملتها ( المثاني ) سميت بذلك لأنها تثنى بقراءتها في كل صلاة فرض و نفل و قيل لأنها نزلت مرتين ، هذه أسماؤها المشهورة ، و قد ذكر في أسمائها ( الوافية ) لأنها لا تنتصف في الصلاة و ( الكافية ) لأنها تكفي عما سواها و لا يكفي ما سواها عنها و يؤيد ذلك ما رواه عبادة بن الصامت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أم القرآن عوض عن غيرها و ليس غيرها عوضا عنها و ( الأساس ) لما روي عن ابن عباس أن لكل شيء أساسا و ساق الحديث إلى أن قال و أساس القرآن الفاتحة و أساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم و ( الشفاء ) لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) فاتحة الكتاب شفاء من كل داء و ( الصلاة ) لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين نصفها لي و نصفها لعبدي فإذا قال العبد « الحمد لله رب العالمين » يقول الله حمدني عبدي فإذا قال « الرحمن
مجمع البيان ج : 1 ص : 88
الرحيم » يقول الله أثنى علي عبدي فإذا قال العبد « مالك يوم الدين » يقول الله مجدني عبدي فإذا قال « إياك نعبد و إياك نستعين » يقول الله هذا بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل فإذا قال « اهدنا الصراط المستقيم » إلى آخره قال الله هذا لعبدي ما سأل ، أورده مسلم بن الحجاج في الصحيح فهذه عشرة أسماء .

فضلها

ذكر الشيخ أبو الحسين الخبازي المقري في كتابه في القراءة أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم و الشيخ عبد الله بن محمد قالا حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك قال حدثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال حدثنا سلام بن سليمان المدائني قال حدثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال قال رسول الله أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن و أعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن و مؤمنة و روي من طريق آخر هذا الخبر بعينه إلا أنه قال كأنما قرأ القرآن ، و روي غيره عن أبي بن كعب أنه قال قرأت على رسول الله (صلى الله عليهوآلهوسلّم) فاتحة الكتاب فقال و الذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة و لا في الإنجيل و لا في الزبور و لا في القرآن مثلها هي أم الكتاب و هي السبع المثاني و هي مقسومة بين الله و بين عبده و لعبده ما سأل ، و في كتاب محمد بن مسعود العياشي بإسناده أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال لجابر بن عبد الله الأنصاري يا جابر أ لا أعلمك أفضل سورة أنزلها الله في كتابه قال فقال له جابر بلى بأبي أنت و أمي يا رسول الله علمنيها قال فعلمه الحمد أم الكتاب ثم قال يا جابر أ لا أخبرك عنها قال بلى بأبي أنت و أمي فأخبرني فقال هي شفاء من كل داء إلا السام و السام الموت ، و عن سلمة بن محرز عن جعفر بن محمد الصادق قال من لم يبرءه الحمد لم يبرءه شيء و روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إن الله تعالى قال لي يا محمد و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب و جعلها بإزاء القرآن ، و إن فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش و إن الله خص محمدا و شرفه بها و لم يشرك فيها أحدا من أنبيائه ما خلا سليمان فإنه أعطاه منها « بسم الله الرحمن الرحيم » أ لا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت إني ألقي إلي كتاب كريم أنه من سليمان و أنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد و آله منقادا لأمرها . مؤمنا بظاهرها و باطنها . أعطاه الله بكل حرف منها حسنة كل واحدة منها أفضل له من الدنيا بما فيها من أصناف أموالها و خيراتها و من استمع إلى قارىء يقرؤها كان له قدر ثلث ما للقارىء فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض له فإنه غنيمة . لا يذهبن أوانه فتبقى في قلوبكم الحسرة .

مجمع البيان ج : 1 ص : 89

الاستعاذة


اتفقوا على التلفظ بالتعوذ قبل التسمية فيقول ابن كثير و عاصم و أبو عمرو : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) و نافع و ابن عامر و الكسائي : ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
إن الله هو السميع العليم ، ) و حمزة : ( نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، ) و أبو حاتم ( أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ) .

اللغة

الاستعاذة الاستجارة فمعناه أستجير بالله دون غيره و العوذ و العياذ هو اللجأ و ] الشيطان [ في اللغة هو كل متمرد من الجن و الإنس و الدواب و لذلك جاء في القرآن شياطين الإنس و الجن و وزنه فيعال من شطنت الدار أي بعدت و قيل هو فعلان من شاط يشيط إذا بطل و الأول أصح لأنه قد جاء في الشعر شاطن بمعناه قال أمية بن أبي الصلت
أيما شاطن عصاه عكاه
ثم يلقى في السجن و الأغلال و الرجيم فعيل بمعنى مفعول من الرجم و هو الرمي .

المعنى

أمر الله بالاستعاذة من الشيطان إذ لا يكاد يخلو من وسوسته الإنسان فقال فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، و معنى أعوذ ألجأ إلى الله من شر الشيطان أي البعيد من الخير المفارق أخلاقه أخلاق جميع جنسه و قيل المبعد من رحمة الله ( الرجيم ) أي المطرود من السماء المرمي بالشهب الثاقبة و قيل المرجوم باللغة ( إن الله هو السميع ) السميع لجميع المسموعات ( العليم ) بجميع المعلومات .
سورة الفاتحة
بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(1) اتفق أصحابنا أنها آية من سورة الحمد و من كل سورة و إن من تركها في الصلاة بطلت صلاته سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا و أنه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة و يستحب الجهر بها فيما يخافت فيه بالقراءة و في جميع ما ذكرناه خلاف بين فقهاء الأمة و لا خلاف في أنها بعض آية من سورة النمل و كل من عدها آية جعل من قوله صراط الذين إلى آخر السورة آية و من لم يعدها آية جعل صراط الذين أنعمت عليهم آية و قال إنها افتتاح للتيمن و التبرك و أما القراء فإن حمزة و خلفا و يعقوب و اليزيدي تركوا الفصل بين السور بالتسمية و الباقون يفصلون بينها بالتسمية إلا بين الأنفال و التوبة .

فضلها

روي عن علي بن موسى الرضا (عليهماالسلام) أنه قال « بسم الله الرحمن الرحيم » أقرب إلى اسم الله الأعظم من سواد العين إلى بياضها ، و روي عن ابن عباس عن
مجمع البيان ج : 1 ص : 90
النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال إذا قال المعلم للصبي قل « بسم الله الرحمن الرحيم » فقال الصبي « بسم الله الرحمن الرحيم » كتب الله براءة للصبي و براءة لأبويه و براءة للمعلم و عن ابن مسعود قال من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ « بسم الله الرحمن الرحيم » فإنها تسعة عشر حرفا ليجعل الله كل حرف منها جنة من واحد منهم و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها و هي « بسم الله الرحمن الرحيم » .

اللغة

الاسم مشتق من السمو و هو الرفعة أصله سمو بالواو لأن جمعه أسماء مثل قنو و أقناء .
و حنو و أحناء و تصغيره سمي قال الراجز :
باسم الذي في كل سورة سمه ) و سمه أيضا ذكره أبو زيد و غيره و قيل إنه مشتق من الوسم و السمة و الأول أصح لأن المحذوف الفاء نحو صلة و وصل و عدة و وعد لا تدخله همزة الوصل و لأنه كان يجب أن يقال في تصغيره وسيم ، كما يقال وعيدة و وصيلة في تصغير عدة و صلة و الأمر بخلافه ( الله ) اسم لا يطلق إلا عليه سبحانه و تعالى و ذكر سيبويه في أصله قولين ( أحدهما ) أنه إلاه على وزن فعال فحذفت الفاء التي هي الهمزة و جعلت الألف و اللام عوضا لازما عنها بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الداخلة على لام التعريف في القسم و النداء في نحو قوله ( أ فالله لتفعلن و يا الله اغفر لي ) و لو كانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل كما لم تثبت في غير هذا الاسم و القول الآخر أن أصله لاه و وزنه فعل فالحق به الألف و اللام .
يدل عليه قول الأعشى :
كحلفة من أبي رباح
يسمعها لاهه الكبار و إنما أدخلت عليه الألف و اللام للتفخيم و التعظيم فقط و من زعم أنها للتعريف فقد أخطأ لأن أسماء الله تعالى معارف و الألف من لاه منقلبة عن ياء فأصله إليه كقولهم في معناه لهي أبوك قال سيبويه نقلت العين إلى موضع اللام و جعلت اللام ساكنة إذ صارت في مكان العين كما كانت العين ساكنة و تركوا آخر الاسم الذي هو لهي مفتوحا كما تركوا آخر أن مفتوحا و إنما فعلوا ذلك حيث غيروه لكثرته في كلامهم فغيروا إعرابه كما غيروا بناءه و هذه دلالة قاطعة لظهور الياء في لهي و الألف على هذا القول منقلبة كما ترى
مجمع البيان ج : 1 ص : 91
و في القول الأول زائدة لأنها ألف فعال و تقول العرب أيضا لاه أبوك تريد لله أبوك قال ذو الإصبع العدواني :
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني و لا أنت دياني فتخزوني أي تسوسني قال سيبويه حذفوا لام الإضافة و اللام الأخرى و لم ينكر بقاء عمل اللام بعد حذفها فقد حكى سيبويه من قولهم الله لأخرجن يريدون و الله و مثل ذلك كثير يطول الكلام بذكره فأما الكلام في اشتقاقه فمنهم من قال إنه اسم موضع غير مشتق إذ ليس يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا لأنه لو وجب ذلك لتسلسل هذا قول الخليل و منهم من قال إنه مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه : فمنها أنه مشتق من الألوهية التي هي العبادة و التأله التعبد قال رؤبة :
لله در الغانيات المده
سبحن و استرجعن من تألهي أي تعبدي و قرأ ابن عباس و يذرك و إلاهتك أي عبادتك و يقال أله الله فلان إلاهة كما يقال عبده عبادة فعلى هذا يكون معناه الذي يحق له العبادة و لذلك لا يسمى به غيره و يوصف فيما لم يزل بأنه إله ( و منها ) أنه مشتق من الوله و هو التحير يقال أله يأله إذا تحير - عن أبي عمرو - فمعناه أنه الذي تتحير العقول في كنه عظمته ( و منها ) أنه مشتق من قولهم ألهت إلى فلان أي فزعت إليه لأن الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم فقيل للمألوه آله كما يقال للمؤتم به إمام ( و منها ) أنه مشتق من ألهت إليه أي سكنت إليه عن المبرد و معناه أن الخلق يسكنون إلى ذكره و منها أنه من لاه أي احتجب فمعناه أنه المحتجب بالكيفية عن الأوهام ، الظاهر بالدلائل و الأعلام ، « الرحمن الرحيم » اسمان وضعا للمبالغة ، و اشتقا من الرحمة ، و هي النعمة ، إلا أن فعلان أشد مبالغة من فعيل و حكي عن أبي عبيدة أنه قال : الرحمن ذو الرحمة و الرحيم هو الراحم و كرر لضرب من التأكيد و أما ما روي عن ابن عباس أنهما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر فالرحمن الرقيق و الرحيم العطاف على عباده بالرزق و النعم فمحمول على أنه يعود عليهم بالفضل بعد الفضل ، و النعمة بعد النعمة ، فعبر عن ذلك بالرقة ، لأنه لا يوصف بالرقة ، و ما حكي عن تغلب أن لفظة الرحمن ليست بعربية و إنما هي ببعض اللغات مستدلا بقوله تعالى « قالوا و ما الرحمن » إنكارا منهم لهذا الاسم فليس بصحيح لأن هذه اللفظة مشهورة عند العرب
مجمع البيان ج : 1 ص : 92
موجودة في أشعارها قال الشنفري :
أ لا ضربت تلك الفتاة هجينها
أ لا قضب الرحمن ربي يمينها و قال سلامة بن جندل :
و ما يشأ الرحمن يعقد و يطلق ) .

الإعراب

« بسم الله » الباء حرف جر أصله الإلصاق و الحروف الجارة موضوعة لمعنى المفعولية أ لا ترى أنها توصل الأفعال إلى الأسماء و توقعها عليها فإذا قلت مررت بزيد أوقعت الباء المرور على زيد فالجالب للباء فعل محذوف نحو ابدأوا بسم الله أو قولوا بسم الله فحمله نصب لأنه مفعول به و إنما حذف الفعل الناصب لأن دلالة الحال أغنت عن ذكره و قيل إن محل الباء رفع على تقدير مبتدإ محذوف و تقديره ابتدائي بسم الله فالباء على هذا متعلقة بالخبر المحذوف الذي قامت مقامه أي ابتدائي ثابت بسم الله أو ثبت ثم حذف هذا الخبر فأفضى الضمير إلى موضع الباء و هذا بمنزلة قولك زيد في الدار و لا يجوز أن يتعلق الباء بابتدائي المضمر لأنه مصدر و إذا تعلقت به صارت من صلته و بقي المبتدأ بلا خبر و إذا سأل عن تحريك الباء مع أن أصل الحروف البناء و أصل البناء السكون فجوابه أنه حرك للزوم الابتداء به و لا يمكن الابتداء بالساكن و إنما حرك بالكسر ليكون حركته من جنس ما يحدثه و إذا لزم كاف التشبيه في كزيد فجوابه أن الكاف لا يلزم الحرفية و قد تكون اسما في نحو قوله ( يضحكن عن كالبرد المنهم ) فخولف بينه و بين الحروف التي لا تفارق الحرفية و هذا قول أبي عمرو الجرمي و أصحابه فأما أبو علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي فقال إنهم لو فتحوا أو ضموا لجاز لأن الغرض التوصل إلى الابتداء فبأي حركة توصل إليه جاز و بعض العرب يفتح هذه الباء و هي لغة ضعيفة و إنما حذفت الهمزة من بسم الله في اللفظ لأنها همزة الوصل تسقط في الدرج و حذفت هاهنا في الخط أيضا لكثرة الاستعمال و لوقوعها في موضع معلوم لا يخاف فيه اللبس و لا تحذف في نحو قوله « اقرأ باسم ربك » لقلة الاستعمال و إنما تغلظ لام الله إذا تقدمته الضمة أو الفتحة تفخيما لذكره ، و إجلالا لقدره ، و ليكون فرقا بينه و بين ذكر اللات .
« الله » مجرور بالإضافة و « الرحمن الرحيم » مجروران لأنهما صفتان لله .

المعنى

« بسم الله » قيل المراد به تضمين الاستعانة فتقديره استعينوا بأن تسموا الله بأسمائه الحسنى ، و تصفوه بصفاته العلي ، و قيل المراد استعينوا بالله و يلتفت إليه قول أبي عبيدة أن الاسم صلة و المراد هو الله كقول لبيد :
مجمع البيان ج : 1 ص : 93

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
و من يبك حولا كاملا فقد اعتذر أي ثم السلام عليكما و الاسم قد يوضع موضع المسمى لما كان المعلق على الاسم ذكرا أو خطابا معلقا على المسمى تقول رأيت زيدا فتعلق الرؤية على الاسم و في الحقيقة تعلقها بالمسمى فإن الاسم لا يرى فحسن إقامة الاسم مقام المسمى و قيل المراد به أبتدأ بتسمية الله فوضع الاسم موضع المصدر كما يقال أكرمته كرامة أي إكراما و أهنته هوانا أي إهانة و منه قول الشاعر :
أ كفرا بعد رد الموت عني
و بعد عطائك المائة الرتاعا أي بعد إعطائك ، و قال الآخر :
فإن كان هذا البخل منك سجية
لقد كنت في طولي رجائك أشعبا أراد في إطالتي رجائك فعلى هذا يكون تقدير الكلام ابتداء قراءتي بتسمية الله أو أقرأ مبتدئا بتسمية الله و هذا القول أولى بالصواب لأنا إنما أمرنا بأن نفتتح أمورنا بتسمية الله لا بالخبر عن كبريائه و عظمته كما أمرنا بالتسمية على الأكل و الشرب و الذبائح أ لا ترى أن الذابح لو قال بالله و لم يقل باسم الله لكان مخالفا لما أمر به و معنى الله و الإله أنه الذي تحق له العبادة و إنما تحق له العبادة لأنه قادر على خلق الأجسام و إحيائها و الإنعام عليها بما يستحق به العبادة و هو تعالى إله للحيوان و الجماد لأنه قادر على أن ينعم على كل منهما بما معه يستحق العبادة فأما من قال معنى الإله المستحق للعبادة يلزمه أن لا يكون إلها في الأزل لأنه لم يفعل الإنعام الذي يستحق به العبادة و هذا خطأ و إنما قدم الرحمن على الرحيم لأن الرحمن بمنزلة اسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله فوجب لذلك تقديمه بخلاف الرحيم لأنه يطلق عليه و على غيره و روى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أن عيسى بن مريم قال الرحمن رحمن الدنيا و الرحيم رحيم الآخرة و عن بعض التابعين قال الرحمن بجميع الخلق و الرحيم بالمؤمنين خاصة و وجه عموم الرحمن بجميع الخلق مؤمنهم و كافرهم و برهم و فاجرهم هو إنشاؤه إياهم و خلقهم أحياء قادرين و رزقه إياهم و وجه خصوص الرحيم بالمؤمنين هو ما فعله بهم في الدنيا من التوفيق
مجمع البيان ج : 1 ص : 94
و في الآخرة من الجنة و الإكرام ، و غفران الذنوب و الآثام ، و إلى هذا المعنى يؤول ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال الرحمن اسم خاص بصفة عامة و الرحيم اسم عام بصفة خاصة و عن عكرمة قال الرحمن برحمة واحدة و الرحيم بمائة رحمة و هذا المعنى قد اقتبسه من قول الرسول أن لله عز و جل مائة رحمة و أنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه بها يتعاطفون و يتراحمون و أخر تسعا و تسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة و روي أن الله قابض هذه إلى تلك فيكملها مائة يرحم بها عباده يوم القيامة .
الْحَمْدُ للَّهِ رَب الْعَلَمِينَ(2)
القراءة
أجمع القراء على ضم الدال من الحمد و كسر اللام من لله و روي في الشواذ بكسر الدال و اللام .
و بفتح الدال و كسر اللام .
و بضم الدال و اللام .
و أجمعوا على كسر الباء من « رب » .
و روي عن زيد بن علي نصب الباء و يحمل على أنه بين جوازه لا إنه قراءة .

اللغة

الحمد و المدح و الشكر متقاربة المعنى و الفرق بين الحمد و الشكر أن الحمد نقيض الذم كما أن المدح نقيض الهجاء .
و الشكر نقيض الكفران .
و الحمد قد يكون من غير نعمة و الشكر يختص بالنعمة إلا أن الحمد يوضع موضع الشكر و يقال الحمد لله شكرا فينصب شكرا على المصدر و لو لم يكن الحمد في معنى الشكر لما نصبه فإذا كان الحمد يقع موقع الشكر فالشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم و يكون بالقلب و هو الأصل و يكون أيضا باللسان و إنما يجب باللسان لنفي تهمة الجحود و الكفران و أما المدح فهو القول المنبىء عن عظم حال الممدوح مع القصد إليه ( و أما الرب ) فله معان ( منها ) السيد المطاع كقول لبيد :
و أهلكن قدما رب كندة و ابنه
و رب معد بين خبت و عرعر أي سيد كندة ( و منها ) المالك نحو قول النبي لرجل أ رب غنم أم رب إبل فقال من كل ما آتاني الله فأكثر و أطيب .
( و منها ) الصاحب نحو قول أبي ذؤيب :
مجمع البيان ج : 1 ص : 95

قد ناله رب الكلاب بكفه

بيض رهاب ريشهن مقزع أي صاحب الكلاب ( و منها ) المربب ( و منها ) المصلح و اشتقاقه من التربية يقال ربيته و رببته بمعنى و فلان يرب صنيعته إذا كان ينممها و لا يطلق هذا الاسم إلا على الله و يقيد في غيره فيقال رب الدار و رب الضيعة و ( العالمون ) جمع عالم و العالم جمع لا واحد له من لفظه كالنفر و الجيش و غيرهما و اشتقاقه من العلامة لأنه يدل على صانعه و قيل أنه من العلم لأنه اسم يقع على ما يعلم و هو في عرف اللغة عبارة عن جماعة من العقلاء لأنهم يقولون جاءني عالم من الناس و لا يقولون جاءني عالم من البقر و في المتعارف بين الناس هو عبارة عن جميع المخلوقات و تدل عليه الآية « قال فرعون و ما رب العالمين قال رب السموات و الأرض و ما بينهما » و قيل أنه اسم لكل صنف من الأصناف و أهل كل قرن من كل صنف يسمى عالما و لذلك جمع فقيل عالمون لعالم كل زمان و هذا قول أكثر المفسرين كابن عباس و سعيد بن جبير و قتادة و غيرهم و قيل العالم نوع ما يعقل و هم الملائكة و الجن و الإنس و قيل الجن و الإنس لقوله تعالى : « ليكون للعالمين نذيرا » و قيل هم الإنس لقوله تعالى : « أ تأتون الذكران من العالمين » .

الإعراب
« الحمد » رفع بالابتداء و الابتداء عامل معنوي غير ملفوظ به و هو خلو الاسم عن العوامل اللفظية ليسند إليه خبر و خبره في الأصل جملة هي فعل مسند إلى ضمير المبتدأ و تقديره الحمد حق أو استقر لله إلا أنه قد استغنى عن ذكرها لدلالة قوله « لله » عليها فانتقل الضمير منها إليه حيث سد مسدها و تسمى هذه جملة ظرفية هذا قول الأخفش و أبي علي الفارسي و أصل اللام للتحقيق و الملك ، و أما من نصب الدال فعلى المصدر تقديره أحمد الحمد لله أو اجعل الحمد لله إلا أن الرفع بالحمد أقوى و أمدح لأن معناه الحمد وجب لله أو استقر لله و هذا يقتضي العموم لجميع الخلق و إذا نصب الحمد فكان تقديره أحمد الحمد كان مدحا من المتكلم فقط فلذلك اختير الرفع و من كسر الدال و اللام أتبع حركة الدال حركة اللام و من ضمهما أتبع حركة اللام حركة الدال و هذا أيسر من الأول لأنه اتبع حركة المبني حركة الإعراب و الأول اتبع حركة المعرب حركة البناء و اتبع الثاني الأول و هو الأصل في الاتباع و الذي كسر أتبع الأول الثاني و هذا ليس بأصل و أكثر النحويين ينكرون ذلك لأن حركة الإعراب غير لازمة فلا يجوز لأجلها الاتباع و لأن الاتباع
مجمع البيان ج : 1 ص : 96
في الكلمة الواحدة ضعيف نحو الحلم فكيف في الكلمتين و قال أبو الفتح بن جني في كسر الدال و ضم اللام هنا دلالة على شدة ارتباط المبتدأ بالخبر لأنه اتبع فيهما ما في أحد الجزءين ما في الجزء الآخر و جعل بمنزلة الكلمة الواحدة نحو قولك أخوك و أبوك و أصل هذه اللام الفتح لأن الحرف الواحد لا حظ له في الإعراب و لكنه يقع مبتدأ في الكلام و لا يبتدأ بساكن فاختير له الفتح لأنه أخف الحركات تقول رأيت زيدا و عمرا قالوا و من عمرا - مفتوحة - و كذلك الفاء من فعمرا إلا أنهم كسروها لأنهم أرادوا أن يفرقوا بين لام الملك و لام التوكيد إذا قلت أن المال لهذا أي في ملكه و أن المال لهذا أي هو هو و إذا أدخلوا هذه اللام على مضمر ردوها إلى أصلها و هو الفتح قالوا لك و له لأن اللبس قد ارتفع و ذلك لأن ضمير الجر مخالف لضمير الرفع إذا قلت أن هذا لك و أن هذا لأنت إلا أنهم كسروها مع ضمير المتكلم نحو لي لأن هذه الياء لا يكون ما قبلها إلا مكسورا نحو غلامي و فرسي و هذا كله قول سيبويه و جميع النحويين المحققين و ليس من الحروف المبتدأ بها مما هو على حرف واحد حرف مكسور إلا الباء وحدها و قد مضى القول فيه و أما لام الجزم في ليفعل فإنما كسرت ليفرق بينها و بين لام التوكيد نحو ليفعل فاعلم و « رب العالمين » مجرور على الصفة و العامل في الصفة عند أبي الحسن الأخفش كونه صفة فذلك الذي يرفعه و ينصبه و يجره و هو عامل معنوي كما أن المبتدأ إنما رفعه الابتداء و هو معنى عمل فيه و استدل على أن الصفة لا يعمل فيه ما يعمل في الموصوف بأنك تجد في الصفات ما يخالف الموصوف في إعرابه نحو أيا زيد العاقل لأن المنادى مبني و العاقل الذي هو صفته معرب و دليل ثان و هو أن في هذه التوابع ما يعرب بإعراب ما يتبعه و لا يصح أن يعمل فيه ما يعمل في موصوفة و ذلك نحو أجمع و جمع و جمعاء و لما صح وجوب هذا فيها دل على أن الذي يعمل في الموصوف غير عامل في الصفة لاجتماعهما في أنهما تابعان و قال غيره من النحويين العامل في الموصوف هو العامل في الصفة و من نصب « رب العالمين » فإنما ينصبه على المدح و الثناء كأنه لما قال « الحمد لله » استدل بهذا اللفظ على أنه ذاكر لله فكأنه قال اذكر رب العالمين فعلى هذا لو قرىء في غير القرآن رب العالمين مرفوعا على المدح أيضا لكان جائزا على معنى هو رب العالمين قال الشاعر :
لا يبعدن قومي الذين هم
سم العداة و آفة الجزر
النازلين بكل معترك
و الطيبون معاقد الأزر
مجمع البيان ج : 1 ص : 97
و قد روي النازلون و النازلين و الطيبون و الطيبين و الوجه في ذلك ما ذكرناه و « العالمين » مجرور بالإضافة و الياء فيه علامة الجر و حرف الإعراب و علامة الجمع و النون هنا عوض عن الحركة في الواحد و إنما فتحت فرقا بينها و بين نون التثنية تقول هذا عالمان فتكسر نون الاثنين لالتقاء الساكنين و قيل إنما فتحت نون الجمع و حقها الكسر لثقل الكسرة بعد الواو كما فتحت الفاء من سوف و النون من أين و لم تكسر لثقل الكسرة بعد الواو و الياء .

المعنى

معنى الآية أن الأوصاف الجميلة و الثناء الحسن كلها لله الذي تحق له العبادة لكونه قادرا على أصول النعم و فاعلا لها و لكونه منشئا للخلق و مربيا لهم و مصلحا لشأنهم ، و في الآية دلالة على وجوب الشكر لله على نعمه و فيها تعليم للعباد كيف يحمدونه .
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(3) قد مضى تفسيرها و إنما أعاد ذكر الرحمن و الرحيم للمبالغة و قال علي بن عيسى الرماني في الأول ذكر العبودية فوصل ذلك بشكر النعم التي بها يستحق العبادة و هاهنا ذكر الحمد فوصله بذكر ما به يستحق الحمد من النعم فليس فيه تكرار .
مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)

الحجة

اختلفوا في أن أي القراءتين أمدح فمن قرأ « مالك » قال إن هذه الصفة أمدح لأنه لا يكون مالكا للشيء إلا و هو يملكه و قد يكون ملكا للشيء و لا يملكه كما يقال ملك العرب و ملك الروم و إن كان لا يملكهم و قد يدخل في المالك ما لا يصح دخوله في الملك يقال فلان مالك الدراهم و لا يقال ملك الدراهم فالوصف بالمالك أعم من الوصف بالملك .
و الله مالك كل شيء و قد وصف نفسه بأنه « مالك الملك يؤتي الملك من يشاء » فوصفه بالمالك أبلغ في الثناء و المدح من وصفه بالملك و من قرأ الملك قال أن هذه الصفة أمدح لأنه لا يكون إلا مع التعظيم و الاحتواء على الجمع الكثير و اختاره أبو بكر محمد بن السري السراج و قال أن الملك الذي يملك الكثير من الأشياء و يشارك غيره من الناس في ملكه بالحكم عليه و كل ملك مالك و ليس كل مالك ملكا و إنما قال تعالى « مالك الملك » لأنه تعالى يملك ملوك الدنيا و ما ملكوا فمعناه أنه يملك ملك الدنيا فيؤتي الملك فيها من يشاء فأما يوم الدين فليس إلا ملكه و هو ملك الملوك
مجمع البيان ج : 1 ص : 98
يملكهم كلهم و قد يستعمل هذا في الناس يقال فلان ملك الملوك و أمير الأمراء و يراد بذلك أن من دونه ملوكا و أمراء و لا يقال ملك الملك و لا أمير الإمارة لأن أميرا و ملكا صفة غير جارية على فعل فلا معنى لإضافتها إلى المصدر فأما إضافة ملك إلى الزمان فكما يقال ملك عام كذا و ملوك الدهر الأول و ملك زمانه و سيد زمانه فهو في المدح أبلغ و الآية إنما نزلت في الثناء و المدح لله أ لا ترى إلى قوله رب العالمين و الربوبية و الملك متشابهان و قال أبو علي الفارسي يشهد لمن قرأ « مالك » من التنزيل قوله تعالى « و الأمر يومئذ لله » لأن قولك الأمر له و هو مالك الأمر بمعنى أ لا ترى أن لام الجر معناها الملك و الاستحقاق و كذلك قوله تعالى : « يوم لا تملك نفس لنفس شيئا » يقوي ذلك و يشهد لقراءة من قرأ ملك قوله تعالى : « لمن الملك اليوم » لأن اسم الفاعل من الملك الملك فإذا قال الملك له ذات اليوم كان بمنزلة قوله هو ملك ذلك اليوم و هذا مع قوله فتعالى الله الملك الحق و الملك القدوس و ملك الناس .

اللغة

( الملك ) القادر الواسع المقدرة الذي له السياسة و التدبير ( و المالك ) القادر على التصرف في ماله و له أن يتصرف فيه على وجه ليس لأحد منعه منه و يوصف العاجز بأنه مالك من جهة الحكم يقال ملك بين الملك بضم الميم و مالك بين الملك و الملك بكسر الميم و فتحها و ضم الميم لغة شاذة و يقال طالت مملكتهم الناس و مملكتهم بكسر اللام و فتحها و لي في هذا الوادي ملك و ملك و ملك ذكرها أبو علي الفارسي و قال الملك للشيء اختصاص من المالك به و خروجه من أن يكون مباحا لغيره و معنى الإباحة في الشيء كالاتساع فيه و خلاف الحصر و القصر على الشيء أ لا تراهم قالوا باح السر و باحت الدار و قال أبو بكر محمد بن السري السراج الملك و الملك يرجعان إلى أصل واحد و هو الربط و الشد كما قالوا ملكت العجين أي شددته قال الشاعر :
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها
يرى قائم من دونها ما وراءها يقول شددت بهذه الطعنة كفي و منه الأملاك و معناه رباط الرجل بالمرأة و ( الدين ) معناه في الآية الجزاء قال الشاعر
و اعلم بأنك ما تدين تدان ) و هو قول سعيد بن جبير و قتادة و قيل الدين الحساب و هو المروي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهماالسلام)
مجمع البيان ج : 1 ص : 99
و ابن عباس و الدين الطاعة قال عمرو بن كلثوم :
و أيام لنا غر طوال
عصينا الملك فيها أم ندينا و الدين العادة قال الشاعر :
تقول إذا درأت لها وضيني
أ هذا دينه أبدا و ديني و الدين القهر و الاستعلاء قال الأعشى :
هو دان الرباب إذ كرهوا الدين
دراكا بغزوة و احتيال
ثم دانت بعد الرباب و كانت
كعذاب عقوبة الأقوال و يدل على أن المراد به الجزاء و الحساب قوله تعالى : « اليوم تجزى كل نفس بما كسبت و اليوم تجزون ما كنتم تكسبون » .

الإعراب

« مالك » مجرور على الوصف لله تعالى و ما جاء من النصب فعلى ما ذكرناه من نصب « رب العالمين » و يجوز أن ينصب « رب العالمين » و « مالك يوم الدين » على النداء كأنك قلت لك الحمد يا رب العالمين و يا مالك يوم الدين و من قرأ ملك يوم الدين بإسكان اللام فأصله ملك فخفف كما يقال فخذ و فخذ و من قرأ ملك يوم الدين جعله فعلا ماضيا و يوم مجرور بإضافة ملك أو مالك إليه و كذلك الدين مجرور بإضافة يوم إليه و هذه الإضافة من باب يا سارق الليلة أهل الدار اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به ثم أضيف إليه على هذا الحد كما قال الشاعر أنشده سيبويه :
و يوم شهدناه سليما و عامرا
قليل سوى الطعن النهال نوافله فكأنه قال هو ملك ذلك اليوم و لا يؤتي أحدا الملك فيه كما آتاه في الدنيا فلا ملك يومئذ غيره و من قرأ « مالك يوم الدين » فإنه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه و تقديره مالك يوم الدين الأحكام و القضاء لا يملك ذلك و لا يليه سواه ] أي لا يكون أحد واليا سواه [ إنما خص يوم الدين بذلك لتفرده تعالى بذلك في ذلك اليوم و جميع
مجمع البيان ج : 1 ص : 100
الخلق يضطرون إلى الإقرار و التسليم و أما الدنيا فليست كذلك فقد يحكم فيها ملوك و رؤساء و ليست هذه الإضافة مثل قوله تعالى و عنده علم الساعة لأن الساعة مفعول بها على الحقيقة و ليست مفعولا بها على السعة لأن الظرف إذا جعل مفعولا على السعة فمعناه معنى الظرف و لو كانت الساعة ظرفا لكان المعنى يعلم في الساعة و ذلك لا يجوز لأنه تعالى يعلم في كل وقت و المعنى أنه يعلم الساعة أي يعرفها .

المعنى

أنه سبحانه لما بين ملكه في الدنيا بقوله « رب العالمين » بين أيضا ملكه في الآخرة بقوله « مالك يوم الدين » و أراد باليوم الوقت و قيل أراد به امتداد الضياء إلى أن يفرغ من القضاء و يستقر أهل كل دار فيها و قال أبو علي الجبائي أراد به يوم الجزاء على الدين و قال محمد بن كعب أراد يوم لا ينفع إلا الدين و إنما خص يوم القيامة بذكر الملك فيه تعظيما لشأنه و تفخيما لأمره كما قال رب العرش و هذه الآية دالة على إثبات المعاد و على الترغيب و الترهيب لأن المكلف إذا تصور ذلك لا بد أن يرجو و يخاف .
إِيَّاك نَعْبُدُ وَ إِيَّاك نَستَعِينُ(5)

اللغة

العبادة في اللغة هي الذلة يقال طريق معبد أي مذلل بكثرة الوطء قال طرفة :
تباري عتاقا ناجيات و أتبعت
وظيفا وظيفا فوق مور معبد و بعير معبد إذا كان مطليا بالقطران و سمي العبد عبدا لذلته و انقياده لمولاه و الاستعانة طلب المعونة يقال استعنته و استعنت به .

الإعراب

قال أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج موضع « إياك » نصب بوقوع الفعل عليه و موضع الكاف في إياك خفض بإضافة إيا إليها و إيا اسم للضمير المنصوب إلا أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات نحو قولك إياك ضربت و إياه ضربت و إياي حدثت و لو قلت إيا زيد حدثت كان قبيحا لأنه خص به المضمر و قد روى الخليل عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه و إيا الشواب و هذا كلام الزجاج و رد عليه الشيخ أبو علي الفارسي فقال إن إيا ليس بظاهر بل هو مضمر يدل على ذلك تغير ذاته و امتناع ثباته في حال الرفع و الجر و ليس كذلك الاسم الظاهر أ لا ترى أنه يعتقب عليه الحركات في آخره و يحكم له بها في موضعه من غير تغير نفسه فمخالفته للمظهر فيما وصفناه يدل على أنه مضمر ليس
مجمع البيان ج : 1 ص : 101
بمظهر قال و حكى السراج عن المبرد عن أبي الحسن الأخفش أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير أواخر المضمرات لاختلاف أعداد المضمرين و الكاف في إياك كالتي في ذلك و هي دالة على الخطاب فقط مجردة عن كونها علامة للمضمر فلا محل لها من الإعراب و أقول و هكذا الحكم في إياي و إيانا و إياه و إياها في أنها حروف تلحق إيا فالياء في إياي دليل على التكلم و الهاء في إياه تدل على الغيبة لا على نفس الغائب و يجري التأكيد على إيا منصوبا تقول إياك نفسك رأيت و إياه نفسه ضربت و إياهم كلهم عنيت فاعرفه و لا يجيز أبو الحسن إياك و إيا زيد و يستقل روايتهم عن العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه و إيا الشواب و يحمله على الشذوذ لأن الغرض في الإضافة التخصيص و المضمر على نهاية التخصيص فلا وجه إذا لإضافته و الأصل في نستعين نستعون لأنه من المعونة و العون لكن الواو قلبت ياء لثقل الكسرة عليها فنقلت كسرتها إلى العين قبلها فتصير الياء ساكنة لأن هذا من الإعلال الذي يتبع بعضه بعضا نحو أعان يعين و قام يقوم و في شرحه كلام و ربما يأتي مشروحا فيما بعد إن شاء الله و قوله نعبد و نستعين مرفوع لوقوعه موقعا يصلح للاسم أ لا ترى أنك لو قلت أنا عابدك و أنا مستعينك لقام مقامه و هذا المعنى عمل فيه الرفع و أما الإعراب في الفعل المضارع فلمضارعته الاسم لأن الأصل في الفعل البناء و إنما يعرب منه ما شابه الأسماء و هو ما لحقت أوله زيادة من هذه الزيادات الأربع التي هي الهمزة و النون و التاء و الياء .

المعنى

قوله تعالى : « إياك نعبد و إياك نستعين » أدل على الاختصاص من أن نقول نعبدك و نستعينك لأن معناه نعبدك و لا نعبد سواك و نستعينك و لا نستعين غيرك كما إذا قال الرجل إياك أعني فمعناه لا أعني غيرك و يكون أبلغ من أن يقول أعنيك و العبادة ضرب من الشكر و غاية فيه لأنها الخضوع بأعلى مراتب الخضوع مع التعظيم بأعلى مراتب التعظيم و لا يستحق إلا بأصول النعم التي هي خلق الحياة و القدرة و الشهوة و لا يقدر عليه غير الله تعالى فلذلك اختص سبحانه بأن يعبد و لا يستحق بعضنا على بعض العبادة كما يستحق بعضنا على بعض الشكر و تحسن الطاعة لغير الله تعالى و لا تحسن العبادة لغيره و قول من قال أن العبادة هي الطاعة للمعبود يفسد بأن الطاعة موافقة الأمر و قد يكون موافقا لأمره و لا يكون عابدا له أ لا ترى أن الابن يوافق أمر الأب و لا يكون عابدا له و كذلك العبد يطيع مولاه و لا يكون عابدا له بطاعته إياه و الكفار يعبدون الأصنام و لا يكونون مطيعين لهم إذ لا يتصور من جهتهم الأمر و معنى قوله « إياك نستعين » إياك نستوفق و نطلب المعونة على عبادتك و على أمورنا كلها و التوفيق هو أن يجمع بين جميع الأسباب التي يحتاج إليها في
مجمع البيان ج : 1 ص : 102
حصول الفعل و لهذا لا يقال فيمن أعان غيره وفقه لأنه لا يقدر أن يجمع بين جميع الأسباب التي يحتاج إليها في حصول الفعل و أما تكرار قوله « إياك » فلأنه لو اقتصر على واحد ربما توهم متوهم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بالجمع بينهما و لا يمكنه أن يفصل بينهما و هو إذا تفكر في عظمة الله تعالى كان عبادة و إن لم يستعن به و قيل أنه جمع بينهما للتأكيد كما يقال الدار بين زيد و بين عمرو و لو اقتصر على واحد فقيل بين زيد و عمرو كان جائزا قال عدي بن زيد :
و جاعل الشمس مصرا لا خفاء به
بين النهار و بين الليل قد فصلا و قال أعشى همدان :

بين الأشج و بين قيس باذخ

بخ بخ لوالده و للمولود و هذا القول فيه نظر لأن التكرير إنما يكون تأكيدا إذا لم يكن محمولا على فعل ثان و « إياك » الثاني في الآية محمول على « نستعين » و مفعول له فكيف يكون تأكيدا و قيل أيضا أنه تعليم لنا في تجديد ذكره تعالى عند كل حاجة فإن قيل أن عبادة الله تعالى لا تتأتى بغير إعانة منه فكان يجب أن يقدم الاستعانة على العبادة فالجواب أنه قدم العبادة على الاستعانة لا على الإعانة و قد تأتي بغير استعانة و أيضا فإن أحدهما إذا كان مرتبطا بالآخر لم يختلف التقديم و التأخير كما يقال قضيت حقي فأحسنت إلي و أحسنت إلي فقضيت حقي و قيل أن السؤال للمعونة إنما يقع على عبادة مستأنفة لا على عبادة واقعة منهم و إنما حسن طلب المعونة و إن كان لا بد منها مع التكليف على وجه الانقطاع إليه تعالى كقوله رب احكم بالحق و لأنه ربما لا يكون اللطف في إدامة التكليف و لا في فعل المعونة به إلا بعد تقديم الدعاء من العبد و قد أخطأ من استدل بهذه الآية على أن القدرة مع الفعل من حيث أن القدرة لو كانت متقدمة لما كان لطلب المعونة وجه لأن للرغبة إلى الله تعالى في طلب المعونة وجهين أحدهما أن يسأل الله تعالى من ألطافه و ما يقوي دواعيه و يسهل الفعل عليه ما ليس بحاصل و متى لطف له بأن يعلمه أن له في فعله الثواب العظيم زاد ذلك في نشاطه و رغبته و الثاني أن يطلب بقاء كونه قادرا على طاعته المستقبلة بأن تجدد له القدرة حالا بعد حال عند من لا يقول ببقائها و أن لا يفعل ما يضادها و ينفيها عند من قال ببقائها و أما العدول عن الخبر إلى الخطاب في قوله « إياك نعبد » إلى آخر السورة فعلى عادة العرب المشهورة و أشعارهم من ذلك مملوءة قال لبيد :
باتت تشكي إلي النفس مجهشة
و قد حملتك سبعا بعد سبعينا
مجمع البيان ج : 1 ص : 103
و قال أبو كثير الهذلي :
يا لهف نفسي كان جدة خالد
و بياض وجهك للتراب الأعفر فرجع من الإخبار عن النفس إلى مخاطبتها في البيت الأول و من الإخبار عن خالد إلى خطابه في البيت الثاني و قال الكسائي تقديره قولوا إياك نعبد أو قل يا محمد هذا كما قال الله تعالى « و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا » و قال « و الملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام » أي يقولون سلام .
اهْدِنَا الصرَط الْمُستَقِيمَ(6)

القراءة

قرأ حمزة بإشمام الصاد الزاي إلا العجلي و برواية خلاد و ابن سعدان يشم هاهنا في الموضعين فقط و قرأ الكسائي من طريق أبي حمدون بإشمام السين و يعقوب من طريق رويس بالسين و الباقون بالصاد .

الحجة

الأصل في الصراط السين لأنه مشتق من السرط و مسترط الطعام ممره و منه قولهم سرطراط و الأصل سريط فمن قرأ بالسين راعى الأصل و من قرأ بالصاد فلما بين الصاد و الطاء من المؤاخاة بالاستعلاء و الإطباق و لكراهة أن يتسفل بالسين ثم يتصعد بالطاء في السراط و إذا كانوا قد أبدلوا من السين الصاد مع القاف في صقب و صويق ليجعلوها في استعلاء القاف مع بعد القاف من السين و قرب الطاء منها فأن يبدلوا منها الصاد مع الطاء أجدر من حيث كان الصاد إلى الطاء أقرب أ لا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان و أصول الثنايا و أن الطاء تدغم في الصاد و من قرأ بإشمام الزاي فللمؤاخاة بين السين و الطاء بحرف مجهور من مخرج السين و هو الزاي من غير إبطال الأصل .

اللغة

الهداية في اللغة الإرشاد و الدلالة على الشيء يقال لمن يتقدم القوم و يدلهم على الطريق هاد خريت أي دال مرشد قال طرفة :
للفتى عقل يعيش به
حيث تهدي ساقه قدمه و الهداية التوفيق قال :
فلا تعجلن هداك المليك
فإن لكل مقام مقالا أي وفقك و الصراط الطريق الواضح المتسع و سمي بذلك لأنه يسرط المارة أي
مجمع البيان ج : 1 ص : 104
يبتلعها و المستقيم المستوي الذي لا اعوجاج فيه قال جرير :
أمير المؤمنين على صراط
إذا أعوج الموارد مستقيم .

الإعراب

« اهدنا » مبني على الوقف و فاعله الضمير المستكن فيه لله تعالى و الهمزة مكسورة لأن ثالث المضارع منه مكسور و موضع النون و الألف من اهدنا نصب لأنه مفعول به و الصراط منصوب لأنه مفعول ثان .

المعنى

قيل في معنى « اهدنا » وجوه ( أحدها ) أن معناه ثبتنا على الدين الحق لأن الله تعالى قد هدى الخلق كلهم إلا أن الإنسان قد يزل و ترد عليه الخواطر الفاسدة فيحسن أن يسأل الله تعالى أن يثبته على دينه و يديمه عليه و يعطيه زيادات الهدى التي هي إحدى أسباب الثبات على الدين كما قال الله تعالى « و الذين اهتدوا زادهم هدى » و هذا كما يقول القائل لغيره و هو يأكل كل أي دم على الأكل ( و ثانيها ) أن الهداية هي الثواب لقوله تعالى : يهديهم ربهم بإيمانهم فصار معناه اهدنا إلى طريق الجنة ثوابا لنا و يؤيده قوله الحمد لله الذي هدانا لهذا ( و ثالثها ) أن المراد دلنا على الدين الحق في مستقبل العمر كما دللتنا عليه في الماضي و يجوز الدعاء بالشيء الذي يكون حاصلا كقوله تعالى : قل رب احكم بالحق و قوله حكاية عن إبراهيم (عليه السلام) : و لا تخزني يوم يبعثون و ذلك أن الدعاء عبادة و فيه إظهار الانقطاع إلى الله تعالى فإن قيل ما معنى المسألة في ذلك و قد فعله الله بجوابه أنه يجوز أن يكون لنا في الدعاء به مصلحة في ديننا و هذا كما تعبدنا بأن نكرر التسبيح و التحميد و الإقرار لربنا عز اسمه بالتوحيد و إن كنا معتقدين لجميع ذلك و يجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا إذا سألناه و إذا لم نسأله لا تكون مصلحة فيكون ذلك وجها في حسن المسألة و يجوز أن يكون المراد استمرار التكليف و التعريض للثواب لأن إدامته ليس بواجب بل هو تفضل محض فجاز أن يرغب إليه فيه بالدعاء و قيل في معنى « الصراط المستقيم » وجوه .
( أحدها ) أنه كتاب الله و هو المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و عن علي (عليه السلام) و ابن مسعود ( و ثانيها ) أنه الإسلام و هو المروي عن جابر و ابن عباس ( و ثالثها ) أنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره عن محمد بن الحنفية ( و الرابع ) أنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و الأئمة القائمون مقامه و هو المروي في أخبارنا و الأولى حمل الآية على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد و العدل و ولاية من أوجب الله طاعته .

مجمع البيان ج : 1 ص : 105
صِرَط الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيرِ الْمَغْضوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضالِّينَ(7)

القراءة

قرأ حمزة عليهم بضم الهاء و إسكان الميم و كذلك لديهم و إليهم و قرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية و الجمع المذكر و المؤنث نحو عليهما و فيهما و عليهم و فيهم و عليهن و فيهن و قرأ الباقون « عليهم » و أخواتها بالكسر و قرىء في الشواذ عليهموا قراءة ابن أبي إسحاق و عيسى الثقفي و عليهمي قراءة الحسن البصري و عمر بن قايد و عليهم مكسورة الهاء مضمومة الميم بغير واو و عليهم مضمومة الهاء و الميم من غير بلوغ واو مرويتان عن الأعرج فهذه سبع قراءات ثم اختلف القراء في الميم فأهل الحجاز وصلوا الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت قالوا عليهموا و على قلوبهموا و على سمعهموا و منهموا و لهموا إلا أن نافعا اختلف عنه فيه و الباقون بسكون الميم فأما إذا لقي الميم حرف ساكن فإن القراء اختلفوا فأهل الحجاز و عاصم و ابن عامر يضمون على كسر الهاء و يضمون الميم نحو عليهم الذلة و من دونهم امرأتين و أبو عمرو يكسر الهاء و الميم و حمزة و الكسائي يضمان الهاء و الميم معا و كل هذا الاختلاف في الهاء التي قبلها كسرة أو ياء ساكنة فإذا جاوزت هذين الأمرين لم يكن في الهاء إلا الضم و قرأ صراط من أنعمت عليهم عمر بن الخطاب و عمرو بن عبد الله الزبيري و روي ذلك عن أهل البيت (عليهم السلام) و قرىء أيضا في الشواذ غير المغضوب عليهم بالنصب و قرأ غير الضالين عمر بن الخطاب و روي ذلك عن علي (عليه السلام) .

الحجة

من قرأ عليهم بضم الهاء فإنه رده إلى الأصل لأنه إذا انفرد من حروف يتصل بها قيل هم فعلوا بضم الهاء قال السراج و هي القراءة القديمة و لغة قريش و أهل الحجاز و من حولهم من فصحاء اليمن و إنما خص حمزة هذه الحروف الثلاثة بالضم لأن الياء قبلها كانت ألفا مثل على القوم و لدى القوم و إلى القوم و لا يجوز كسر الهاء إذا كان قبلها ألف و من قرأ عليهموا فإنه اتبع الهاء ما أشبهها و هو الياء و ترك ما لا يشبه الياء و الألف على الأصل و هو الميم و من قرأ « عليهم » فكسر الهاء و أسكن الميم فلأنه أمن اللبس إذا كانت الألف في التثنية قد دلت على الاثنين و لا ميم في الواحد فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو و أسكنوا الميم طلبا للتخفيف إذا كان ذلك لا يشكل و إنما كسر الهاء مع أن
مجمع البيان ج : 1 ص : 106
الأصل الضم للياء التي قبلها و من قرأ عليهموا فلأنه الأصل لأن وسيلة هذه الواو في الجمع وسيلة لألف في التثنية أعني أن ثبات الواو كثبات الألف و من قرأ عليهمي فإنه كسر الهاء لوقوع الياء قبلها ساكنة و كسر الميم كراهة للخروج من كسرة الهاء إلى ضمة الميم ثم انقلبت الواو ياء لسكونها و انكسار ما قبلها و من كسر الهاء و ضم الميم و حذف الواو فإنه احتمل الضمة بعد الكسرة لأنها غير لازمة إذا كانت ألف التثنية تفتحها لكنه حذف الواو تفاديا من ثقلها مع ثقل الضمة و من قرأ « عليهم » فإنه حذف الواو استخفافا و احتمل الضمة قبلها دليلا عليها و أما من ضم الميم إذا لقيها ساكن و كسر الهاء فإنما يحتج بأن يقول لما احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت و تركت الهاء على كسرها لأنه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردها إلى الأصل و لأن الهاء إنما تبعت الياء لأنها شبهت بها و لم يتبعها الميم لبعدها منه و احتج من كسر الميم و الهاء بأن قال أتبعت الكسر الكسر لثقل الضم بعد الكسر قال سيبويه الهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة لأنها خفيفة و هي من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة و هي من موضع الألف و هي أشبه الحروف بالياء و كما أمالوا الألف في مواضع استخفافا كذلك كسروا هذه الهاء و قلبوا الواو ياء لأنه لا تثبت واو ساكنة و قبلها كسرة كقولك مررت بهي و مررت بدار هي قبل .

الإعراب

« صراط الذين » صفة لقوله « الصراط المستقيم » و يجوز أن يكون بدلا عنه و الفصل بين الصفة و البدل أن البدل في تقدير تكرير العامل بدلالة تكرير حرف الجر في قوله تعالى : قال الذين استكبروا للذين استضعفوا لمن آمن منهم و ليس كذلك الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم فكذلك العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرير فكأنه قال اهدنا صراط الذين و ليس يخرج البدل و إن كان كذلك عن أن يكون فيه تبيين للأول كما أن الصفة كذلك و لهذا لم يجز سيبويه المسكين بي كان الأمر و لا بك المسكين كما أجاز ذلك في الغائب نحو مررت به المسكين و الذين موصول و أنعمت عليهم صلة و قد تم بها اسما مفردا يكون في موضع جر بإضافة صراط إليه و لا يقال في موضع الرفع اللذون لأنه اسم غير متمكن و قد حكي اللذون شاذا كما حكي الشياطون في حال الرفع و أما « غير المغضوب عليهم » ففي الجر فيه ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن يكون بدلا من الهاء و الميم في عليهم كقول الشاعر :
على حالة لو أن في القوم حاتما
على جوده لضن بالماء حاتم
مجمع البيان ج : 1 ص : 107
فجر حاتم على البدل من الهاء في جوده ( و ثانيها ) أن يكون بدلا من الذين ( و ثالثها ) أن يكون صفة للذين و إن كان أصل غير أن يكون صفة للنكرة تقول مررت برجل غيرك كأنك قلت مررت برجل آخر أو برجل ليس بك قال الزجاج و إنما جاز ذلك لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم فهو بمنزلة قولك إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه و قال علي بن عيسى الرماني إنما جاز أن يكون نعتا للذين لأن الذين بصلتها ليست بالمعرفة الموقتة كالأعلام نحو زيد و عمرو و إنما هي كالنكرات إذا عرفت نحو الرجل و الفرس فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك أيضا كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل و لو كانت بمنزلة الإعلام لما جاز كما لم يجز مررت بزيد غير الظريف بالجر على الصفة و قال أبو بكر السراج و الذي عندي أن غير في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة لأن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة و إنما تنكرت غير و مثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما و ذلك أنك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء ترى سوى المخاطب فهو غيره و كذلك إذا قلت رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى فأما إذا كان شيئا معرفة له ضد واحد و أردت إثباته و نفي ضده فعلم ذلك السامع فوصفته بغير و أضفت غير إلى ضده فهو معرفة و ذلك نحو قولك عليك بالحركة غير السكون فغير السكون معرفة و هي الحركة فكأنك كررت الحركة تأكيدا فكذلك قوله تعالى : « الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم » فغير المغضوب هم الذين أنعم الله عليهم فمتى كانت غير بهذه الصفة فهي معرفة و كذلك إذا عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب فقيل فيه قد جاء مثلك كان معرفة إذا أردت المعروف بشبهك قال و من جعل غير بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج لأن النكرة قد تبدل من المعرفة و في نصب غير ثلاثة أوجه أيضا ( أحدها ) أن يكون نصبا على الحال من المضمر في عليهم و العامل في الحال أنعمت فكأنه قال صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم ( و ثانيها ) أن يكون نصبا على الاستثناء المنقطع لأن المغضوب عليهم من غير جنس المنعم عليهم ( و ثالثها ) أن يكون نصبا على أعني كأنه قال أعني غير المغضوب عليهم و لم يجز أن يقال غير المغضوبين عليهم لأن الضمير قد جمع في عليهم فاستغنى عن أن يجمع المغضوب و هذا حكم كل ما تعدى بحرف جر تقول رأيت القوم غير المذهوب بهم استغنيت بالضمير المجرور في بهم عن جمع المذهوب و أما لا من قوله « و لا الضالين » فذهب البصريون إلى أنها زائدة لتوكيد النفي و ذهب الكوفيون إلى أنها بمعنى غير و وجه قول البصريين أنك إذا قلت ما قام زيد و عمرو احتمل أن تريد ما قاما معا و لكن قام كل واحد منهما بانفراده فإذا قلت ما قام زيد و لا عمرو زال الاحتمال و غير متضمن معنى
مجمع البيان ج : 1 ص : 108
النفي و لهذا أجاز النحويون أنت زيدا غير ضارب لأنه بمنزلة قولك إنك أنت زيدا لا ضارب و لا يجوزون أنت زيدا مثل ضارب لأن زيدا من صلة ضارب و لا يتقدم عليه و قال علي بن عيسى الرماني من نصب على الاستثناء جعل لا صلة كما أنشد أبو عبيدة
في بئر لا حور سرى و ما شعر ) أي في بئر هلكة و تقديره غير المغضوب عليهم و الضالين كما قال ما منعك ألا تسجد بمعنى أن تسجد .

المعنى و اللغة

معنى الآية بيان الصراط المستقيم أي صراط من أنعمت عليهم بطاعتك و هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله « من يطع الله و الرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين » و أصل النعمة المبالغة و الزيادة يقال دققت الدواء فأنعمت دقة أي بالغت في دقة و هذه النعمة و إن لم تكن مذكورة في اللفظ فالكلام يدل عليها لأنه لما قال اهدنا الصراط المستقيم و قد بينا المراد بذلك بين أن هذا صراط من أنعم عليهم به و لم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة :
كأنك من جمال بني أقيش
يقعقع خلف رجليه بشن أي كأنك من جمالهم جمل يقعقع خلف رجليه و أراد بالمغضوب عليهم اليهود عند جميع المفسرين الخاص و العام و يدل عليه قوله تعالى « من لعنه الله و غضب عليه و جعل منهم القردة و الخنازير » و هؤلاء هم اليهود بدلالة قوله تعالى « و لقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين » و أراد بالضالين النصارى بدلالة قوله تعالى : « و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل و أضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل » و قال الحسن البصري أن الله تعالى لم يبرء اليهود من الضلالة بإضافة الضلالة إلى النصارى و لم يبرء النصارى من الغضب بإضافة الغضب إلى اليهود بل كل واحدة من الطائفتين مغضوب عليهم و هم ضالون إلا أن الله تعالى يخص كل فريق بسمة يعرف بها و يميز بينه و بين غيره بها و إن كانوا مشتركين في صفات كثيرة و قيل المراد بالمغضوب عليهم و الضالين جميع الكفار و إنما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين و اختار الإمام عبد القاهر الجرجاني قولا آخر قال إن حق اللفظ فيه أن يكون خرج مخرج الجنس كما تقول نعوذ بالله أن يكون حالنا حال المغضوب عليهم فإنك لا تقصد به قوما بأعيانهم و لكنك تريد ما تريده بقولك إذا قلت اللهم اجعلني ممن أنعمت عليهم و لا تجعلني ممن غضبت عليهم فلا تريد أن هاهنا
مجمع البيان ج : 1 ص : 109
قوما بأعيانهم قد اختصوا بهذه الصفة التي هي كونهم منعما عليهم و ليس يخفى على من عرف الكلام أن العقلاء يقولون اجعلني ممن تديم له النعمة و هم يريدون أن يقولوا أدم علي النعمة و لا يشك عاقل إذا نظر لقول عنترة :
و لقد نزلت فلا تظني غيره
مني بمنزلة المحب المكرم إنه لم يرد أن يشبهها بإنسان هو محب مكرم عنده أو عند غيره و لكنه أراد أن يقول إنك محبة مكرمة عندي و أما الغضب من الله تعالى فهو إرادته إنزال العقاب المستحق بهم و لعنهم و براءته منهم و أصل الغضب الشدة و منه الغضبة و هي الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل و الغضوب الحية الخبيثة و الناقة العبوس و أصل الضلال الهلاك و منه قوله « أ إذا ضللنا في الأرض » أي هلكنا و منه قوله « و أضل أعمالهم » أي أهلكها و الضلال في الدين الذهاب عن الحق و إنما لم يقل الذين أنعمت عليهم غير الذين غضبت عليهم مراعاة للأدب في الخطاب و اختيارا لحسن اللفظ المستطاب و في تفسير العياشي رحمه الله روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سألته عن قوله تعالى : « و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم » قال فاتحة الكتاب يثني فيها القول قال و قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إن الله تعالى من علي بفاتحة الكتاب من كنز الجنة فيها « بسم الله الرحمن الرحيم » الآية التي يقول الله فيها : « و إذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا » و « الحمد لله رب العالمين » دعوى أهل الجنة حين شكروا لله حسن الثواب و « مالك يوم الدين » قال جبرائيل (عليه السلام) ما قالها مسلم إلا صدقه الله تعالى و أهل سمائه « إياك نعبد » إخلاص للعبادة و « إياك نستعين » أفضل ما طلب به العباد حوائجهم « اهدنا الصراط المستقيم » صراط الأنبياء و هم الذين أنعم الله عليهم « غير المغضوب عليهم » اليهود « و لا الضالين » النصارى و روى محمد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه كان يقرأ ملك يوم الدين و يقرأ اهدنا صراط المستقيم و في رواية أخرى يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) و روي جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال إذا كنت خلف إمام ففرغ من قراءة الفاتحة فقل أنت من خلفه الحمد لله رب العالمين و روى فضيل بن يسار عنه (عليه السلام) قال إذا قرأت الفاتحة ففرغت من قراءتها فقل الحمد لله رب العالمين .

 

<<        الفهرس        >>