جستجو در تأليفات معظم له
 

قرآن، حديث، دعا
زندگينامه
کتابخانه
احكام و فتاوا
دروس
معرفى و اخبار دفاتر
ديدارها و ملاقات ها
پيامها
فعاليتهاى فرهنگى
کتابخانه تخصصى فقهى
نگارخانه
اخبار
مناسبتها
صفحه ويژه
تفسير مجمع البيان ـ ج3 « قرآن، حديث، دعا « صفحه اصلى  

<<        الفهرس        >>


مجمع البيان ج : 3 ص : 156
فليصلوا و لم يقل لم تصل فلتصل حملا للكلام تارة على اللفظ و أخرى على المعنى كما قال و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا و لم يقل اقتتلا و مثله كثير .

المعنى

ثم ابتدأ تعالى ببيان صلاة الخوف في جماعة فقال « و إذا كنت » يا محمد « فيهم » يعني في أصحابك الضاربين في الأرض الخائفين عدوهم أن يغزوهم « فأقمت لهم الصلاة » بحدودها و ركوعها و سجودها عن الحسن و قيل معناه أقمت لهم الصلاة بأن تؤمهم « فلتقم طائفة منهم » أي من أصحابك الذين أنت فيهم « معك » في صلاتك و ليكن سائرهم في وجه العدو و تقديره و لتقم طائفة منهم تجاه العدو و لم يذكر ما ينبغي أن تفعله الطائفة غير المصلية لدلالة الكلام عليه « و ليأخذوا أسلحتهم » اختلف في هذا فقيل المأمور بأخذ السلاح الطائفة المصلية مع رسول الله يأخذون من السلاح مثل السيف يتقلدون به و الخنجر يشدونه إلى دروعهم و كذلك السكين و نحو ذلك و هو الصحيح و قيل هم الطائفة التي بإزاء العدو دون المصلية عن ابن عباس « فإذا سجدوا » يعني الطائفة التي تصلي معه و فرغوا من سجودهم « فليكونوا من ورائكم » يعني فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم مصافين للعدو و اختلف في الطائفة الأولى إذا رفعت رءوسهم من السجود و فرغت من الركعة كيف يصنعون فعندنا أنهم يصلون ركعة أخرى و يتشهدون و يسلمون و الإمام قائم في الثانية ثم ينصرفون إلى مواقف أصحابهم و يجيء الآخرون فيستفتحون الصلاة و يصلي بهم الإمام الركعة الثانية حسب و يطيل تشهده حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم ثم يسلم بهم الإمام فيكون للطائفة الأولى تكبيرة الافتتاح و للثانية التسليم و هو مذهب الشافعي أيضا و قيل إن الطائفة الأولى إذا فرغت من ركعة يسلمون و يمضون إلى وجه العدو و تأتي الطائفة الأخرى و يصلي بهم ركعة و هو مذهب مجاهد و جابر و من يرى أن صلاة الخوف ركعة واحدة و قيل إن الإمام يصلي بكل طائفة ركعتين فيصلي بهم مرتين بكل طائفة مرة عن الحسن و قيل إنه إذا صلى بالطائفة الأولى ركعة مضوا إلى وجه العدو و تأتي الطائفة الأخرى فيكبرون و يصلي بهم الركعة الثانية و يسلم الإمام و يعودون إلى وجه العدو و تأتي الطائفة الأولى فيقضون ركعة بغير قراءة لأنهم لاحقون و يسلمون و يرجعون إلى وجه العدو و تأتي الطائفة الثانية فيقضون ركعة بغير قراءة لأنهم مسبوقون عن عبد الله بن مسعود و هو مذهب أبي حنيفة « و لتأت طائفة أخرى لم يصلوا » و هم الذين كانوا بإزاء العدو « فليصلوا معك و ليأخذوا حذرهم و أسلحتهم » يعني و ليكونوا حذرين من عدوهم متأهبين لقتالهم بأخذ الأسلحة أي آلات
مجمع البيان ج : 3 ص : 157
الحرب و هذا يدل على أن الفرقة المأمورة بأخذ السلاح في الأول هم المصلون دون غيرهم « ود الذين كفروا » معناه تمنى الذين كفروا « لو تغفلون » لو تعتزلون « عن أسلحتكم » و تشتغلون عن أخذها تأهبا للقتال « و أمتعتكم » أي و عن أمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم فتسهون عنها « فيميلون عليكم ميلة واحدة » أي يحملون عليكم حملة واحدة و أنتم متشاغلون بصلاتكم فيصيبون منكم غرة فيقتلونكم و يستبيحون عسكركم و ما معكم المعنى لا تتشاغلوا بأجمعكم بالصلاة عند مواقفة العدو فيتمكن عدوكم من أنفسكم و أسلحتكم و لكن أقيموها على ما أمرتم به و من عادة العرب أن يقولوا ملنا عليهم بمعنى حملنا قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري لرسول الله ليلة العقبة الثانية و الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا فقال رسول الله لم نؤمر بذلك يعني في ذلك الوقت « و لا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر » معناه لا حرج عليكم و لا إثم و لا ضيق إن نالكم أذى من مطر و أنتم مواقفوا عدوكم « أو كنتم مرضى » يعني أعلاء أو جرحى « أن تضعوا أسلحتكم » إذا ضعفتم عن حملها لكن إذا وضعتموها فاحترسوا منهم « و خذوا حذركم » لئلا يميلوا عليكم و أنتم غافلون « إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا » مذلا يبقون فيها أبدا و في الآية دلالة على صدق النبي و صحة نبوته و ذلك أنها نزلت و النبي بعسفان و المشركون بضجنان فتواقفوا فصلى النبي و أصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع و السجود فهم المشركون بأن يغيروا عليهم فقال بعضهم إن لهم صلاة أخرى أحب إليهم من هذه يعنون صلاة العصر فأنزل الله عليه هذه الآية فصلى بهم العصر صلاة الخوف و كان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد القصة و فيها دلالة أخرى ذكر أبو حمزة في تفسيره إن النبي غزا محاربا و بني أنمار فهزمهم الله و أحرزوا الذراري و المال فنزل رسول الله و المسلمون و لا يرون من العدو واحدا فوضعوا أسلحتهم و خرج رسول الله ليقضي حاجته و قد وضع سلاحه فجعل بينه و بين أصحابه الوادي فإلى أن يفرغ من حاجته و قد درأ الوادي و السماء ترش فحال الوادي بين رسول الله و بين أصحابه و جلس في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي فقال له أصحابه يا غورث هذا محمد قد انقلع من أصحابه فقال قتلني الله إن لم أقتله و انحدر من الجبل و معه السيف و لم يشعر به رسول الله إلا و هو قائم على رأسه و معه السيف قد سله من غمده و قال يا محمد من يعصمك مني الآن فقال الرسول الله فانكب عدو الله لوجهه فقام رسول الله فأخذ سيفه و قال يا غورث من يمنعك مني الآن قال لا أحد قال أ تشهد أن لا إله إلا الله و إني عبد الله و رسوله قال لا و لكني أعهد أن لا أقاتلك أبدا و لا أعين عليك عدوا فأعطاه
مجمع البيان ج : 3 ص : 158
رسول الله سيفه فقال له غورث و الله لأنت خير مني قال (عليه السلام) إني أحق بذلك و خرج غورث إلى أصحابه فقالوا يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه قال الله أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من زلجني بين كتفي فخررت لوجهي و خر سيفي و سبقني إليه محمد و أخذه و لم يلبث الوادي أن سكن فقطع رسول الله إلى أصحابه فأخبرهم الخبر و قرأ عليهم « إن كان بكم أذى من مطر » الآية كلها .
فَإِذَا قَضيْتُمُ الصلَوةَ فَاذْكرُوا اللَّهَ قِيَماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكمْ فَإِذَا اطمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصلَوةَ إِنَّ الصلَوةَ كانَت عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتَباً مَّوْقُوتاً(103)

اللغة

اطمأن الشيء أي سكن و طامنه و طمأنه سكنة و قد قيل اطبأن بالباء بمعنى اطمأن .

المعنى

« فإذا قضيتم الصلاة » معناه فإذا فرغتم من صلاتكم أيها المؤمنون و أنتم مواقفوا عدوكم « فاذكروا الله قياما و قعودا » أي في حال قيامكم و قعودكم « و على جنوبكم » أي مضطجعين فقوله « و على جنوبكم » في موضع نصب عطفا على ما قبله من الحال أي ادعوا الله في هذه الأحوال لعله ينصركم على عدوكم و يظفركم بهم مثل قوله « يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون » عن ابن عباس و أكثر المفسرين و قيل معناه فإذا أردتم الصلاة فصلوا قياما إذا كنتم أصحاء و قعودا إذا كنتم مرضى لا تقدرون على القيام و على جنوبكم إذا لم تقدروا على القعود عن ابن مسعود و روي أنه قال عقيب تفسير الآية لم يعذر الله أحدا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله « فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة » اختلف في تأويله فقيل معناه فإذا استقررتم في أوطانكم و أقمتم في أمصاركم فأتموا الصلاة التي أذن لكم في قصرها عن مجاهد و قتادة و قيل معناه إذا استقررتم بزوال خوفكم فأتموا حدود الصلاة عن السدي و ابن زيد و مجاهد في رواية أخرى « إن
مجمع البيان ج : 3 ص : 159
الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا » اختلف في تأويله فقيل معناه إن الصلاة كانت على المؤمنين واجبة مفروضة عن ابن عباس و عطية العوفي و السدي و مجاهد و هو المروي عن الباقر و الصادق (عليهماالسلام) و قيل معناه فرضا موقوتا أي منجما تؤدونها في أنجمها عن ابن مسعود و قتادة و القولان متقاربان .
وَ لا تَهِنُوا فى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(104)

القراءة

روي في الشواذ عن عبد الرحمن الأعرج أن تكونوا تألمون بفتح الألف .

الحجة

قال ابن جني أن محمولة على قوله « و لا تهنوا في ابتغاء القوم لأنكم تألمون » فمن اعتقد نصب أن بعد حذف الجر عنها فإن هنا منصوبة الموضع و هي على مذهب الخليل مجرورة الموضع باللام المرادة و صارت أن لكونها حرفا كالعوض في اللفظ من اللام .

اللغة

الوهن الضعف وهن فلان في الأمر يهن وهنا و وهونا فهو واهن و الألم الوجع و الألم جنس من الأعراض يكون من فعل الله ابتداء و بسبب و قد يكون من فعل العباد بسبب و الرجاء قد يستعمل بمعنى الخوف نحو قول الشاعر :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
و خالفها في بيت نوب عوامل قال أبو ذويب :
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
و خالفها في بيت نوب عوامل و قال الفراء نوب و نوب و هي النحل و قال تعالى « ما لكم لا ترجون لله وقارا » و المعنى لا تخافون لله عظمة و إنما استعمل على معنى الخوف لأن الرجاء أمل و قد يخاف أن لا يتم .

النزول

قيل نزلت في الذهاب إلى بدر الصغرى لموعد أبي سفيان يوم أحد و قيل نزلت يوم أحد في الذهاب خلف أبي سفيان و عسكره إلى حمراء الأسد عن عكرمة .

مجمع البيان ج : 3 ص : 160

المعنى

عاد الكلام إلى الحث على الجهاد فقال تعالى « و لا تهنوا » أي و لا تضعفوا « في ابتغاء القوم » أي في طلب القوم الذين هم أعداء الله و أعداء المؤمنين من أهل الشرك « إن تكونوا » أيها المؤمنون « تألمون » مما ينالكم من الجراح منكم « فإنهم » يعني المشركون « يألمون » أيضا مما ينالهم منكم من الجراح و الأذى « كما تألمون » أي مثل ما تألمون أنتم من جراحهم و أذاهم « و ترجون » أنتم أيها المؤمنون « من الله » الظفر عاجلا و الثواب آجلا على ما ينالكم منهم « ما لا يرجون » هم على ما ينالهم منكم أي و أنتم إن كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم مكذبون به أولى و أحرى أن تصبروا على حربهم و قتالهم منهم على حربكم و قتالكم عن ابن عباس و قتادة و مجاهد و السدي « و كان الله عليما » بمصالح خلقه « حكيما » في تدبيره إياهم و تقديره أحوالهم قال ابن عباس و عكرمة .

[ القصة]


قال ابن عباس و عكرمة لما أصاب المسلمين ما أصابهم يوم أحد و صعد النبي الجبل قال أبو سفيان يا محمد لنا يوم و لكم يوم فقال أجيبوه فقال المسلمون لا سواء قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار فقال أبو سفيان لنا عزى و لا عزى لكم فقال النبي قولوا الله مولانا و لا مولى لكم فقال أبو سفيان أعل هبل فقال النبي قولوا الله أعلى و أجل فقال أبو سفيان موعدنا و موعدكم يوم بدر الصغرى و نام المسلمون و بهم الكلوم و فيهم نزلت أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله الآية و فيهم نزلت « إن تكونوا تألمون » الآية لأن الله أمرهم على ما بهم من الجراح أن يتبعوهم و أراد بذلك إرهاب المشركين و خرجوا إلى حمراء الأسد و بلغ المشركين ذلك فأسرعوا حتى دخلوا مكة .
إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْك الْكِتَب بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بمَا أَرَاك اللَّهُ وَ لا تَكُن لِّلْخَائنِينَ خَصِيماً(105) وَ استَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَّحِيماً(106)

النزول

نزلت في بني أبيرق و كانوا ثلاثة إخوة بشر و بشير و مبشر و كان بشير يكنى أبا
مجمع البيان ج : 3 ص : 161
طعمة و كان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ثم يقول قاله فلان و كانوا أهل حاجة في الجاهلية و الإسلام فنقب أبو طعمة على علية رفاعة بن زيد و أخذ له طعاما و سيفا و درعا فشكا ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان و كان قتادة بدريا فتجسسا في الدار و سألا أهل الدار في ذلك فقال بنو أبيرق و الله ما صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل ذو حسب و نسب فأصلت عليهم لبيد بن سهل سيفه و خرج إليهم و قال يا بني أبيرق أ ترمونني بالسرق و أنتم أولى به مني و أنتم منافقون تهجون رسول الله و تنسبون ذلك إلى قريش لتبينن ذلك أو لأضعن سيفي فيكم فداروه و أتى قتادة رسول الله فقال يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل بيت سوء عدوا على عمي فخرقوا علية له من ظهرها و أصابوا له طعاما و سلاحا فقال رسول الله انظروا في شأنكم فلما سمع بذلك رجل من بطنهم الذي هم منه يقال له أسيد بن عروة جمع رجالا من أهل الدار ثم انطلق إلى رسول الله فقال إن قتادة بن النعمان و عمه عمدا إلى أهل بيت منا لهم حسب و نسب و صلاح و أبنوهم بالقبيح و قالوا لهم ما لا ينبغي و انصرف فلما أتى قتادة رسول الله بعد ذلك ليكلمه جبهة رسول الله جبها شديدا و قال عمدت إلى أهل بيت حسب و نسب تأتيهم بالقبيح و تقول لهم ما لا ينبغي قال فقام قتادة من عند رسول الله و رجع إلى عمه و قال يا ليتني مت و لم أكن كلمت رسول الله فقد قال لي ما كرهت فقال عمه رفاعة الله المستعان فنزلت الآيات « إنا أنزلنا إليك الكتاب » إلى قوله « إن الله لا يغفر أن يشرك به » فبلغ بشيرا ما نزل فيه من القرآن فهرب إلى مكة و ارتد كافرا فنزل على سلافة بنت سعد بن شهيد و كانت امرأة من الأوس من بني عمرو بن عوف نكحت من بني عبد الدار فهجاها حسان فقال :
فقد أنزلته بنت سعد و أصبحت
ينازعها جلد استها و تنازعه
ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتموا
و فينا نبي عنده الوحي واضعة فحملت رحله على رأسها فألقته بالأبطح و قالت ما كنت تأتيني بخير أهديت إلي شعر حسان هذا قول مجاهد و قتادة بن النعمان و عكرمة و ابن جريج إلا أن عكرمة قال إن بني أبيرق طرحوا ذلك على يهودي يقال له زيد بن السهين فجاء اليهودي إلى رسول الله و جاء بنو أبيرق إليه و كلموه أن يجادل عنهم فهم رسول الله أن يفعل و أن يعاقب اليهودي فنزلت الآية
مجمع البيان ج : 3 ص : 162
و به قال ابن عباس و قال الضحاك نزلت في رجل من الأنصار استودع درعا فجحد صاحبها فخونه رجال من أصحاب النبي فغضب له قومه فقالوا يا نبي الله خون صاحبنا و هو مسلم أمين فعذره النبي و كذب عنه و هو يرى أنه بريء مكذوب عليه فأنزل الله فيه الآيات و اختار الطبري هذا الوجه قال لأن الخيانة إنما تكون في الوديعة لا في السرقة .

المعنى

ثم خاطب الله نبيه فقال « إنا أنزلنا إليك » يا محمد « الكتاب » يعني القرآن « بالحق » الذي يجب لله على عباده و قيل معناه أنك به أحق « لتحكم » يا محمد « بين الناس بما أراك الله » أي أعلمك الله في كتابه « و لا تكن للخائنين خصيما » نهاه أن يكون لمن خان مسلما أو معاهدا في نفسه أو ماله خصيما يدافع من طاله عنه بحقه الذي خانه فيه و يخاصم ثم قال « و استغفر الله » أمره بأن يستغفر الله في مخاصمته عن الخائن « إن الله كان غفورا رحيما » يصفح عن ذنوب عباده المسلمين و يترك مؤاخذتهم بها و الخطاب و إن توجه إلى النبي من حيث خاصم عمن رآه على ظاهر الإيمان و العدالة و كان في الباطن بخلافه فالمراد بذلك أمته و إنما ذكر ذلك على وجه التأديب له في أن لا يبادر بالخصام و الدفاع عن خصم إلا بعد أن يتبين وجه الحق فيه جل نبي الله عن جميع المعاصي و القبائح و قيل أنه لم يخاصم عن الخصم و إنما هم بذلك فعاتبه الله عليه .

النظم

وجه اتصال الآية بما قبلها أنه لما تقدم ذكر المنافقين و الكافرين و الأمر بمجانبتهم عقب ذلك بذكر الخائنين و الأمر باجتناب الدفع عنهم و قيل أنه تعالى لما بين الأحكام و الشرائع في السورة عقبها بأن جميع ذلك أنزل بالحق .

مجمع البيان ج : 3 ص : 163
وَ لا تجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يخْتَانُونَ أَنفُسهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يحِب مَن كانَ خَوَّاناً أَثِيماً(107) يَستَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لا يَستَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ محِيطاً(108) هَأَنتُمْ هَؤُلاءِ جَدَلْتُمْ عَنهُمْ فى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَدِلُ اللَّهَ عَنهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيهِمْ وَكيلاً(109)

اللغة

المخاصمة و المجادلة و المناظرة و المحاجة نظائر و إن كان بينها فرق فإن المجادلة هي المنازعة فيما وقع فيه خلاف بين اثنين و المخاصمة المنازعة بالمخالفة بين اثنين على وجه الغلظة و المناظرة فيما يقع بين النظيرين و المحاجة في محاولة إظهار الحجة و أصل المجادلة من الجدل و هو شدة الفتل و رجل مجدول كأنه قد جدل أي فتل و الأجدل الصقر لأنه من أشد الطيور قوة و التبييت التدبير للشيء بالليل لأن ذلك يكون في وقت رواح الناس إلى بيوتهم .

الإعراب

ها للتنبيه و أعيدت في أولاء و المعنى ها أنتم الذين جادلتم عنهم لأن هؤلاء و هذا يكونان في الإشارة للمخاطبين إلى أنفسهم بمنزلة الذين و قد يكونان لغير المخاطبين بمنزلة الذين نحو قول الشاعر :
عدس ما لعباد عليك إمارة
أمنت و هذا تحملين طليق أي و الذي تحملين طليق .

النزول

نزلت الآيات في القصة التي ذكرناها قبل .

المعنى

ثم نهى تعالى عن المجادلة و الدفع عن أهل الخيانة مؤكدا لما تقدم فقال « و لا تجادل » قيل الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) حين هم أن يبريء أبا طعمة لما أتاه قوم ينفون عنه السرقة و قيل الخطاب له و المراد قومه و قيل تقديره و لا تجادل أيها الإنسان « عن الذين يختانون أنفسهم » أي يخونون أنفسهم و يظلمونها أراد من سرق الدرع و من شاركه في السرقة و الخيانة و قيل أنه أراد به قومه الذين مشوا معه إلى النبي و شهدوا له بالبراءة عما نسب إليه من السرقة و قيل أراد به السارق و قومه و من هو في معناهم و إنما قال « يختانون أنفسهم » و إن خانوا غيرهم لأن ضرر خيانتهم كأنه راجع إليهم لاحق بهم كما تقول لمن ظلم غيره ما ظلمت إلا نفسك و كقوله تعالى « إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم » « إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما » هو فعال الخيانة أي من كان كثير الخيانة و قد ألفها و اعتادها و قد يطلق الخوان على الخائن في شيء واحد إذا عظمت تلك الخيانة و الأثيم فاعل الإثم و قيل معناه لا يحب
مجمع البيان ج : 3 ص : 164
من كان خوانا إذا سرق الدرع و أثيما إذا رمى به اليهودي و قال ابن عباس في معنى الآية لا تجادل عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة و يرمون بالخيانة غيرهم يريد به سارق الدرع سرق الدرع و رمى بالسرقة اليهودي فصار خائنا بالسرقة أثيما في رمية غيره بها « يستخفون من الناس » أي يكتمون عن الناس « و لا يستخفون من الله و هو معهم » يعني الذين مشوا في الدفع عن ابن أبيرق و معناه يتسترون عن الناس بمعاصيهم في أخذ الأموال لئلا يفتضحوا في الناس و لا يتسترون من الله و هو مطلع عليهم و قيل معناه يستحيون من الناس و لا يستحيون من الله و عليه معهم فيكون معناه يخفون الخيانة عن الناس و يطلبون إخفاءها حياء منهم و لا يتركونها حياء من الله و هو عالم بأفعالهم « إذ يبيتون ما لا يرضى من القول » أي يدبرون بالليل قولا لا يرضاه الله و قيل يغيرون القول من جهته و يكذبون فيه و قيل أنه قول ابن أبيرق في نفسه بالليل أرمي بهذا الدرع في دار اليهودي ثم أحلف أني بريء منه فيصدقني المسلمون لأني على دينهم و لا يصدقون اليهودي لأنه ليس على دينهم و قيل إنه رمى بالدرع إلى دار لبيد بن سهل « و كان الله بما يعملون محيطا » قال الحسن حفيظا لأعمالهم و قال غيره عالما بأعمالهم لا يخفى عليه شيء منها و في هذه الآية تقريع بليغ لمن يمنعه حياء الناس و حشمتهم عن ارتكاب القبائح و لا يمنعه خشية الله عن ارتكابها و هو سبحانه أحق أن يراقب و أجدر أن يحذر و فيها أيضا توبيخ لمن يعمل قبيحا ثم يقرف غيره به سواء كان ذلك الغير مسلما أو كافرا « ها أنتم » خطاب للذابين عن السارق « هؤلاء » يعني الذين « جادلتم » أي خاصمتم و دافعتم « عنهم » عن الخائبين « في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة » استفهام يراد به النفي لأنه في معنى التقريع و التوبيخ أي لا مجادل عنهم و لا شاهد على براءتهم بين يدي الله يوم القيامة و في هذه الآية النهي عن الدفع عن الظالم و المجادلة عنه « أم من يكون عليهم وكيلا » أي من يحفظهم و يتولى معونتهم يعني لا يكون يوم القيامة عليهم وكيل يقوم بأمرهم و يخاصم عنهم و أصل الوكيل من جعل إليه القيام بالأمر و الله يسمى وكيلا بمعنى أنه القائم بالأمر و يقال أنه يسمى وكيلا بمعنى الحافظ و لا يقال أنه وكيل لنا و إنما يقال أنه وكيل علينا .

مجمع البيان ج : 3 ص : 165
وَ مَن يَعْمَلْ سوءاً أَوْ يَظلِمْ نَفْسهُ ثُمَّ يَستَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً(110) وَ مَن يَكْسِب إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَ كانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(111) وَ مَن يَكْسِب خَطِيئَةً أَوْ إِثماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بهْتَناً وَ إِثْماً مُّبِيناً(112)

اللغة

السوء القبيح الذي يواجه به صاحبه من ساءه يسوءه سوءا إذا واجهه بقبيح يكرهه و رجل سوء من شأنه أن يواجه الناس بالمكاره فأما السيئة فهي نقيض الحسنة ، و يجد أصله من الوجدان و هو الإدراك يقال وجدت الضالة وجدانا إذا أدركتها بعد ذهابك عنها و وجدت وجودا علمت و الوجود ضد العدم لأنه يظهر بالوجود كظهوره بالإدراك و الكسب فعل يجر به نفع أو يدفع به ضر و لذلك لا يوصف سبحانه به .

المعنى

ثم بين تعالى طريق التلافي و التوبة مما سبق منهم من المعصية فقال « و من يعمل سوءا » أي معصية أو أمرا قبيحا « أو يظلم نفسه » بارتكاب جريمة و قيل يعمل سوءا بأن يسرق الدرع أو يظلم نفسه بأن يرمي بها بريئا و قيل المراد بالسوء الشرك و بالظلم ما دون الشرك « ثم يستغفر الله » أي يتوب إليه و يطلب منه المغفرة « يجد الله غفورا رحيما » ثم بين الله تعالى أن جريمتهم و إن عظمت فإنها غير مانعة من المغفرة و قبول التوبة إذا استغفروا و تابوا « و من يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه » ظاهر المعنى و نظيره لا تكسب كل نفس إلا عليها من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها « و كان الله عليما » بكسبه « حكيما » في عقابه و قيل عليما في قضائه فيهم و قيل عليما بالسارق حكيما في إيجاب القطع عليه ثم بين أن من ارتكب إثما ثم قذف به غيره كيف يعظم عقابه فقال « و من يكسب خطيئة » أي يعمل ذنبا على عمد أو غير عمد « أو إثما » أي ذنبا تعمده و قيل الخطيئة الشرك و الإثم ما دون الشرك « ثم يرم به بريئا » ثم ينسب ذنبه إلى بريء و قيل البريء هو اليهودي الذي طرح عليه الدرع عن الحسن و غيره و قيل هو لبيد بن سهل و قد مضى ذكرهما قبل و قوله « ثم يرم به بريئا » اختلف في الضمير الذي هو الهاء في به فقيل يعود إلى الإثم أي بالإثم و قيل إلى واحد منهما و قيل يعني يكسبه « فقد احتمل بهتانا » كذبا عظيما يتحير من عظمه « و إثما مبينا » أي ذنبا ظاهرا بينا و في هذه الآيات دلالة على أنه تعالى لا يجوز أن يخلق
مجمع البيان ج : 3 ص : 166
أفعال خلقه ثم يعذبهم عليها لأنه إذا كان الخالق لها فهم براء منها فلو قيل أن الكسب مضاف إلى العبد فجوابه أن الكسب لو كان مفهوما و له معنى لم يخرج العبد بذلك من أن يكون بريئا لأنه إذا قيل أن الله تعالى أوجد الفعل و أحدثه و أوجد الاختيار في القلب و الفعل لا يتجزى فقد انتفى عن العبد من جميع جهاته .
وَ لَوْ لا فَضلُ اللَّهِ عَلَيْك وَ رَحْمَتُهُ لهََمَّت طائفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوك وَ مَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسهُمْ وَ مَا يَضرُّونَك مِن شىْء وَ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْك الْكِتَب وَ الحِْكْمَةَ وَ عَلَّمَك مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَ كانَ فَضلُ اللَّهِ عَلَيْك عَظِيماً(113) * لا خَيرَ فى كثِير مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصلَح بَينَ النَّاسِ وَ مَن يَفْعَلْ ذَلِك ابْتِغَاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسوْف نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً(114)


القراءة


قرأ فسوف يؤتيه بالياء أبو عمرو و حمزة و قتيبة و الكسائي و سهل و خلف و الباقون بالنون .

الحجة

من قرأ بالياء فلما تقدمه من قوله « و لو لا فضل الله عليك و أنزل عليك الكتاب و من قرأ بالنون فلأنه أشبه بما بعده من قوله نوله ما تولى و نصله جهنم .

اللغة

الهم ما هممت به و منه الهمة و الهمام الملك العظيم الهمة قال علي بن عيسى : النجوى هو الأسرار عند أهل اللغة و قال الزجاج : النجوى في الكلام ما ينفرد به الجماعة أو الاثنان سرا كان أو ظاهرا و معنى نجوت الشيء في اللغة خلصته و ألقيته يقال نجوت الجلد إذا ألقيته عن البعير أو غيره قال الشاعر :
مجمع البيان ج : 3 ص : 167

فقلت انجوا منها نجا الجلد إنه
سيرضيكما منها سنام و غاربة و نجوت فلانا إذا استنكهته قال :
نجوت مجالدا فشممت منه
كريح الكلب مات حديث عهد و أصله من النجوة و هو ما ارتفع من الأرض فالمراد بنجواهم ما يديرونه بينهم من الكلام و فلان نجي فلان أي مناجيه و القوم أنجية .

الإعراب

« إلا من أمر » يجوز أن يكون من في موضع جر ، المعنى إلا في نجوى من أمر و يجوز أن يكون استثناء ليس من الأول و يكون موضعها نصبا و يكون معناه لكن من أمر بصدقة أو معروف ففي نجواه خير و نصيب ابتغاء مرضاة الله لأنه مفعول له و يجوز أن يكون من أمر مجرور الموضع أيضا على اتباع لكثير بمعنى لا خير في كثير إلا فيمن أمر بصدقة كما يقال لا خير في القوم إلا نفر منهم و يكون النجوى هنا بمعنى المتناجين نحو قوله « و إذ هم نجوى » و يجوز أيضا أن يكون استثناء حقيقيا على تقدير لا خير في نجوى الناس إلا نجوى من أمر و هذا أولى مما تقدم من الاستثناء المنقطع لأن حمل الكلام على الاتصال أولى إذا لم يخل بالمعنى .

النزول

قيل نزلت في بني أبيرق و قد مضت قصتهم عن أبي صالح عن ابن عباس و قيل نزلت في وفد من ثقيف قدموا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و قالوا يا محمد جئناك نبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا و على أن نمتع بالعزى سنة فلم يجبهم إلى ذلك و عصمه الله منه عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس .

المعنى

ثم بين سبحانه لطفه برسوله و فضله عليه إذ صرف كيدهم عنه و عصمه من الميل إليهم فقال « و لو لا فضل الله عليك و رحمته » قيل فضل الله النبوة و رحمته نصرته إياه بالوحي و قيل فضله تأييده بألطافه و رحمته نعمته عن الجبائي و قيل فضله النبوة و رحمته العصمة « لهمت طائفة منهم » لقصدت و أضمرت جماعة من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم « أن يضلوك » فيه أقوال ( أحدها ) أن المعنى بهم الذين شهدوا للخائنين من بني أبيرق
مجمع البيان ج : 3 ص : 168
بالبراءة عن ابن عباس و الحسن و الجبائي فيكون المعنى همت طائفة منهم أن يزيلوك عن الحق بشهادتهم للخائنين حتى أطلعك الله على أسرارهم ( و ثانيها ) أنهم وفد ثقيف الذين التمسوا من رسول الله ما لا يجوز و قد مضى ذكرهم عن ابن عباس أيضا ( و ثالثها ) أنهم المنافقون الذين هموا بإهلاك النبي و المراد بالإضلال القتل و الإهلاك كما في قوله تعالى أ إذا ضللنا في الأرض فيكون المعنى لو لا حفظ الله تعالى لك و حراسته إياك لهمت طائفة من المنافقين أن يقتلوك و يهلكوك و مثله و هموا بما لم ينالوا عن أبي مسلم « و ما يضلون إلا أنفسهم » أي و ما يزيلون عن الحق إلا أنفسهم و قيل ما يهلكون إلا أنفسهم و معناه أن وبال ما هموا به من الإهلاك و الإذلال يعود عليهم حتى استحقوا العذاب الدائم « و ما يضرونك من شيء » أي لا يضرونك بكيدهم و مكرهم شيئا فإن الله حافظك و ناصرك و مسددك و مؤيدك « و أنزل الله عليك الكتاب و الحكمة » أي القرآن و السنة و اتصاله بما قبله أن المعنى كيف يضلونك و هو ينزل عليك الكتاب و يوحي إليك بالأحكام « و علمك ما لم تكن تعلم » أي ما لم تعلمه من الشرائع و أنباء الرسل الأولين و غير ذلك من العلوم « و كان فضل الله عليك عظيما » قيل فضله عليك منذ خلقك إلى أن بعثك عظيم إذ جعلك خاتم النبيين و سيد المرسلين و أعطاك الشفاعة و غيرها ثم قال « لا خير في كثير من نجواهم » أي أسرارهم و معنى النجوى لا يتم إلا بين اثنين فصاعدا كالدعوى « إلا من أمر بصدقة » فإن في نجواه خيرا « أو معروف » يعني بالمعروف أبواب البر لاعتراف العقول بها و قيل لأن أهل الخير يعرفونها « أو إصلاح بين الناس » أي تأليف بينهم بالمودة و قال علي بن إبراهيم في تفسيره حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله قال أن الله فرض التجمل في القرآن فقال قلت و ما التجمل في القرآن جعلت فداك قال أن يكون وجهك أعرض من وجه أخيك فتجمل له و هو قوله « لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف » الآية قال و حدثني أبي رفعه إلى أمير المؤمنين أنه قال أن الله فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيديكم « و من يفعل ذلك » يعني ما تقدم ذكره « ابتغاء مرضات الله » أي لطلب رضاء الله « فسوف نؤتيه » أي نعطيه « أجرا عظيما » أي مثوبة عظيمة في الكثرة و المنزلة
مجمع البيان ج : 3 ص : 169
و الصفة أما الكثرة فلأنه دائم و أما المنزلة فلأنه مقارن للتعظيم و الإجلال و أما الصفة فلأنه غير مشوب بما ينغصه و في الآية دلالة على أن فاعل المعصية هو الذي يضر بنفسه لما يعود عليه من وبال فعله و فيها دلالة أيضا على أن الذي يدعو إلى الضلال هو المضل و على أن فاعل الضلال مضل لنفسه و على أن الدعاء إلى الضلال يسمى إضلالا .
وَ مَن يُشاقِقِ الرَّسولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَينَ لَهُ الْهُدَى وَ يَتَّبِعْ غَيرَ سبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلى وَ نُصلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَت مَصِيراً(115)

اللغة

الشقاق الخلاف مع العداوة و شق العصا أي فارق الجماعة و الشق النصف و أصله من الشق و هو القطع طولا و سميت العداوة مشاقة لأن أحد المتعاديين يصير في شق غير شق الآخر من أجل العداوة التي بينهما و منه الاشتقاق فإنه قطع الفرع عن الأصل نوله من الولي و هو القرب يقال ولي الشيء يليه إذا قرب منه و كل ما يليك أي ما يقاربك و الولي المطر الذي يلي الوسمي .

النزول

قيل نزلت في شأن ابن أبي أبيرق سارق الدرع و لما أنزل الله في تقريعه و تقريع قومه الآيات كفر و ارتد و لحق بالمشركين من أهل مكة ثم نقب حائطا للسرقة فوقع عليه الحائط فقتله عن الحسن و قيل أنه خرج من مكة نحو الشام فنزل منزلا و سرق بعض المتاع و هرب فأخذ و رمي بالحجارة حتى قتل عن الكلبي .

المعنى

لما بين سبحانه التوبة عقبه بذكر حال الإصرار فقال « و من يشاقق الرسول » أي من يخالف محمدا و يعاده « من بعد ما تبين له الهدى » أي ظهر له الحق و الإسلام و قامت له الحجة و صحت الأدلة بثبوت نبوته و رسالته « و يتبع » طريقا « غير سبيل المؤمنين » أي غير طريقهم الذي هو دينهم « نوله ما تولى » أي نكله إلى من انتصر به و اتكل عليه من الأوثان و حقيقته نجعله يلي ما أعتمده من دون الله أي يقرب منه و قيل معناه نخلي بينه و بين ما اختاره لنفسه « و نصله » أي نلزمه دخول « جهنم » عقوبة له على ما اختاره من الضلالة بعد الهدى « و ساءت مصيرا » قد مر معناه و قد استدل بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة لأنه توعد على مخالفة سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول و الصحيح أنه لا يدل على ذلك لأن ظاهر الآية يقتضي إيجاب متابعة من هو مؤمن على الحقيقة ظاهرا و باطنا لأن من أظهر الإيمان لا يوصف بأنه مؤمن إلا مجازا فكيف يحمل ذلك
مجمع البيان ج : 3 ص : 170
على إيجاب متابعة من أظهر الإيمان و ليس كل من أظهر الإيمان مؤمنا و متى حملوا الآية على بعض الأمة حملها غيرهم على من هو مقطوع على عصمته عنده من المؤمنين و هم الأئمة من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) على أن ظاهر الآية يقتضي أن الوعيد إنما يتناول من جمع بين مشاقة الرسول و اتباع غير سبيل المؤمنين فمن أين لهم أن من فعل أحدهما يتناوله الوعيد و نحن إنما علمنا يقينا أن الوعيد إنما يتناول بمشاقة الرسول بانفرادها بدليل غير الآية فيجب أن يسندوا تناول الوعيد باتباع غير سبيل المؤمنين إلى دليل آخر .
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشرَك بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك لِمَن يَشاءُ وَ مَن يُشرِك بِاللَّهِ فَقَدْ ضلَّ ضلَلا بَعِيداً(116)
قد مر تفسيره فيما تقدم و قوله « قد ضل ضلالا بعيدا » أي ذهب عن طريق الحق و الغرض المطلوب و هو النعيم المقيم في الجنة ذهابا بعيدا لأن الذهاب عن نعيم الجنة يكون على مراتب أبعدها الشرك بالله .
إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلا إِنَثاً وَ إِن يَدْعُونَ إِلا شيْطناً مَّرِيداً(117) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَ قَالَ لأَتخِذَنَّ مِنْ عِبَادِك نَصِيباً مَّفْرُوضاً(118) وَ لأُضِلَّنَّهُمْ وَ لأُمَنِّيَنَّهُمْ وَ لاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكنَّ ءَاذَانَ الأَنْعَمِ وَ لاَمُرَنهُمْ فَلَيُغَيرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَ مَن يَتَّخِذِ الشيْطنَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسرَاناً مُّبِيناً(119) يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ مَا يَعِدُهُمُ الشيْطنُ إِلا غُرُوراً(120) أُولَئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا يجِدُونَ عَنهَا محِيصاً(121)

القراءة

القراءة المشهورة « إلا إناثا » و روي في الشواذ عن النبي إلا إثنا بالثاء قبل النون و إلا أنثا بالنون قبل الثاء روتهما عائشة و روي عن ابن عباس إلا وثنا و إلا أثنا بضمتين و الثاء قبل النون و عن عطاء بن أبي رباح إلا أثنا الثاء قبل النون و هي ساكنة .

مجمع البيان ج : 3 ص : 171

الحجة

أما أثن فجمع وثن و أصله وثن قلبت الواو همزة نحو أجوه في وجوه و أعد في وعد فأما أثن بسكون الثاء فهو كأسد بسكون السين و أما أنثا بتقديم النون على الثاء فيمكن أن يكون جمع أنيث كقولهم سيف أنيث الحديد و يمكن أن يكون جمع إناث .

اللغة

المريد و المارد و المتمرد بمعنى و هو العاتي و الخارج عن الطاعة و المتملس منها يقال حائط ممرد أي مملس و شجرة مرداء تناثر ورقها و منه سمي من لم تنبت له اللحية أمرد أي أملس موضع اللحية و مرد الرجل يمرد مرودا إذا عتا و خرج عن الطاعة و أصل اللعن البعد و منه قيل للطريد اللعين و أصل الفرض القطع و الفرضة الثلمة تكون في النهر و الفرض الحز الذي يكون في السواك و غيره يشد فيه الخيط و الفرض في القوس الحز الذي يكون فيه الوتر و الفريضة ما أمر الله به العباد فجعله حتما عليهم قاطعا و أما قول الشاعر :
إذا أكلت سمكا و فرضا
ذهبت طولا و ذهبت عرضا فالفرض هنا التمر و إنما سمي التمر فرضا لأنه يؤخذ في فرائض الصدقة ، التبتيك التشقيق و البتك القطع بتكته أبتكه تبتيكا و البتكة مثل القطعة البتك القطع قال زهير :
حتى إذا ما هوت كف الغلام له
طارت و في كفه من ريشها بتك و المحيص المعدل يقال حصت عنه أحيص حيصا و جضت أجيض جيضا بمعنى قال :
و لم ندر إن جضنا عن الموت جيضة
كم العمر باق و المدى متطاول روي باللغتين .

الإعراب

إن على أربعة أوجه ( أحدها ) أن إن النافية كما في الآية « إن يدعون » أي ما يدعون ( و الثاني ) إن المخففة من الثقيلة كما في قوله و إن كانت لكبيرة و يلزمها لام التأكيد ( و الثالث ) إن الجازمة كما في قوله « و إن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا » ( و الرابع ) إن المزيدة نحو ما أن جاءني زيد :
و ما إن طبنا جبن و لكن
منايانا و دولة آخرينا
مجمع البيان ج : 3 ص : 172
« لعنه الله » جملة في موضع النصب بأنها صفة لقوله : « شيطانا » و اللام في « لأتخذن » و ما بعده لام اليمين و إنما يدخل على جواب القسم لأنه المقسم عليه فعلى هذا يكون القسم هنا مضمرا في الجميع .

المعنى

لما ذكر في الآية المتقدمة أهل الشرك و ضلالهم ذكر في هذه الآية حالهم و فعالهم فقال « إن يدعون » أي ما يدعون هؤلاء المشركون و ما يعبدون « من دونه » أي من دون الله « إلا إناثا » فيه أقوال ( أحدها ) إلا أوثانا و كانوا يسمون الأوثان باسم الإناث اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى و إساف و نائلة عن أبي مالك و السدي و مجاهد و ابن زيد و ذكر أبو حمزة الثمالي في تفسيره قال كان في كل واحدة منهن شيطانة أنثى تتراءى للسدنة و تكلمهم و ذلك من صنع إبليس و هو الشيطان الذي ذكره الله فقال « لعنه الله » قالوا و اللات كان اسما لصخرة و العزى كان اسما لشجرة إلا أنهم نقلوهما إلى الوثن و جعلوهما علما عليهما و قيل العزى تأنيث الأعز و اللات تأنيث لفظ الله و قال الحسن كان لكل حي من العرب وثن يسمونه باسم العز تأنيث الأعز و اللات تأنيث لفظ الله و قال الحسن كان لكل حي من العرب وثن يسمونه باسم الأنثى ( و ثانيها ) أن المعنى إلا مواتا عن ابن عباس و الحسن و قتادة فعلى هذا يكون تقديره ما يعبدون من دون الله إلا جمادا و مواتا لا تعقل و لا تنطق و لا تضر و لا تنفع فدل ذلك على غاية جهلهم و ضلالهم و سماها إناثا لاعتقاد مشركي العرب الأنوثة في كل ما اتضعت منزلته و لأن الإناث من كل جنس أرذله و قال الزجاج لأن الموات يخبر عنها بلفظ التأنيث تقول الأحجار تعجبني و لا تقول يعجبونني و يجوز أن يكون إناثا سماها لضعفها و قلة خيرها و عدم نصرها ( و ثالثها ) أن المعنى إلا ملائكة لأنهم كانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله و كانوا يعبدون الملائكة عن الضحاك « و إن يدعون إلا شيطانا مريدا » أي ماردا شديدا في كفره و عصيانه متماديا في شركه و طغيانه يسأل عن هذا فيقال كيف نفى في أول الكلام عبادتهم لغير الأوثان ثم أثبت في آخره عبادتهم الشيطان فأثبت في الآخر ما نفاه في الأول أجاب الحسن عن هذا فقال أنهم لم يعبدوا إلا الشيطان في الحقيقة لأن الأوثان كانت مواتا ما دعت أحدا إلى عبادتها بل الداعي إلى عبادتها الشيطان فأضيفت العبادة إلى الشيطان بحكم الدعاء و إلى الأوثان لأجل أنهم كانوا يعبدونها و يدل عليه قوله
مجمع البيان ج : 3 ص : 173
تعالى « و يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أ هؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن » أضافت الملائكة عبادتهم إلى الجن من قبل أن الجن دعتهم إلى عبادة الملائكة و قال ابن عباس كان في كل واحد من أصنامهم التي كانوا يعبدونها شيطان مريد يدعو المشركين إلى عبادتها فلذلك حسن إضافة العبادة إلى الأصنام و إلى الشيطان و قيل ليس في الآية إثبات المنفي بل ما يعبدون إلا الأوثان و إلا الشيطان و هو إبليس « لعنه الله » أبعده الله عن الخير بإيجاب الخلود في نار جهنم « و قال » يعني الشيطان لما لعنه الله « لأتخذن من عبادك نصيبا » أي حظا « مفروضا » أي معلوما عن الضحاك و قيل مقدرا محدودا و أصل الاتخاذ أخذ الشيء على وجه الاختصاص فكل من أطاعه فإنه من نصيبه و حزبه كما قال سبحانه « كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله » و روي أن النبي قال في هذه الآية من بني آدم تسعة و تسعون في النار و واحد في الجنة و في رواية أخرى من كل ألف واحد لله و سائرهم للنار و لإبليس أوردهما أبو حمزة الثمالي في تفسيره و يقال كيف علم إبليس أن له أتباعا يتابعونه و الجواب علم ذلك من قوله « لأملأن جهنم منك و ممن تبعك » و قيل أنه لما نال من آدم ما نال طمع في ولده و إنما قال ذلك ظنا و يؤيده قوله تعالى و لقد صدق عليهم إبليس ظنه « و لأضلنهم » هذا من مقالة إبليس يعني لأضلنهم عن الحق و الصواب و إضلاله دعاؤه إلى الضلال و تسبيبه له بحبائله و غروره و وساوسه « و لأمنينهم » يعني أمنينهم طول البقاء في الدنيا فيؤثرون بذلك الدنيا و نعيمها على الآخرة و قيل معناه أقول لهم ليس وراءكم بعث و لا نشر و لا جنة و لا نار و لا ثواب و لا عقاب فافعلوا ما شئتم عن الكلبي و قيل معناه أمنينهم بالأهواء الباطلة الداعية إلى المعصية و أزين لهم شهوات الدنيا و زهراتها و أدعو كلا منهم إلى نوع يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة و ألقيه في المعصية « و لآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام » تقديره و لآمرنهم بتبتيك آذان الأنعام فليبتكن أي ليشققن آذانهم عن الزجاج و قيل ليقطعن الآذان من أصلها و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و هذا شيء قد كان مشركو العرب يفعلونه يجدعون آذان الأنعام و يقال كانوا يفعلونه بالبحيرة و السائبة و سنذكر ذلك في سورة المائدة إن شاء الله « و لآمرنهم فليغيرن خلق الله » أي لآمرنهم بتغيير خلق الله فليغيرنه و اختلف في معناه فقيل يريد دين الله و أمره عن ابن عباس و إبراهيم و مجاهد و الحسن و قتادة و جماعة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و يؤيده قوله سبحانه و تعالى « فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله » و أراد بذلك تحريم الحلال و تحليل الحرام و قيل أراد معنى الخصاء عن عكرمة و شهر بن حوشب و أبي
مجمع البيان ج : 3 ص : 174
صالح عن ابن عباس و كرهوا الإخصاء في البهائم و قيل أنه الوشم عن ابن مسعود و قيل إنه أراد الشمس و القمر و الحجارة عدلوا عن الانتفاع بها إلى عبادتها عن الزجاج « و من يتخذ الشيطان وليا » أي ناصرا و قيل ربا يطيعه « من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا » أي ظاهرا و أي خسران أعظم من استبدال الجنة بالنار و أي صفقة أخسر من استبدال رضاء الشيطان برضاء الرحمن « يعدهم » الشيطان أن يكون لهم ناصرا « و يمنيهم » الأكاذيب و الأباطيل و قيل معناه يعدهم الفقر إن أنفقوا مالهم في أبواب البر و يمنيهم طول البقاء في الدنيا و دوام النعيم فيها ليؤثروها على الآخرة « و ما يعدهم الشيطان إلا غرورا » أي لا يكون لما يعدهم و يمنيهم أصل و حقيقة و الغرور إيهام النفع فيما فيه ضرر « أولئك » إشارة إلى الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله فاغتروا بغروره و تابعوه فيما دعاهم إليه « مأواهم » مستقرهم جميعا « جهنم و لا يجدون عنها محيصا » أي مخلصا و لا مهربا و لا معدلا .
وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ عَمِلُوا الصلِحَتِ سنُدْخِلُهُمْ جَنَّت تجْرِى مِن تحْتِهَا الأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَ مَنْ أَصدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً(122)
قد مر تفسير صدر الآية في هذه السورة و قوله « و من أصدق من الله قيلا » و من أصدق من الله حديثا و نحوه بإشمام الزاي كوفي غير عاصم و رويس و الباقون بالصاد و قد ذكرنا الوجه عند ذكر الصراط في الفاتحة و قوله « وعد الله » نصب على المصدر و تقديره وعد الله ذلك وعدا فهو مصدر دل معنى الكلام الذي تقدم على فعله الناصب له و « حقا » أيضا مصدر مؤكد لما قبله كأنه قال أحقه حقا و « قيلا » منصوب على التمييز كما يقال هو أكرم منك فعلا و معناه وعد الله ذلك وعدا حقا لا خلاف فيه « و من أصدق » استفهام فيه معنى النفي أي لا أحد أصدق من الله قولا فيما أخبره و وعدا فيما وعده .

مجمع البيان ج : 3 ص : 175
لَّيْس بِأَمَانِيِّكُمْ وَ لا أَمَانىِّ أَهْلِ الْكتَبِ مَن يَعْمَلْ سوءاً يجْزَ بِهِ وَ لا يجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً(123) وَ مَن يَعْمَلْ مِنَ الصلِحَتِ مِن ذَكر أَوْ أُنثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظلَمُونَ نَقِيراً(124)

القراءة

( يدخلون الجنة بضم الياء هناك و في مريم و حم مكي بصري و أبو جعفر و أبو بكر و الباقون « يدخلون » بفتح الياء و ضم الخاء .

الحجة

حجة من قرأ « يدخلون » قوله « ادخلوا الجنة ادخلوها بسلام آمنين » و من قرأ يدخلون فلأنهم لا يدخلونها حتى يدخلوها .

اللغة

الأماني جمع أمنية و هي تقدير الأمن في النفس على جهة الاستمتاع به و وزن أمنية أفعولة من المنية و أصله التقدير يقال منى له الماني أي قدر له المقدر و منه سميت المنية و هي فعيلة أي مقدرة و النقير النكتة في ظهر النواة كان ذلك نقر فيه .

الإعراب

اسم ليس مضمر لدلالة الكلام عليه و التقدير ليس الأمر بأمانيكم أي ليس الثواب بأمانيكم ، و « لا يجد » مجزوم عطفا على الجزاء لا على الشرط و هو قوله « يجز » و الوقف عند قوله « أهل الكتاب » وقف تام ثم استؤنف الخبر بعدها بمن يعمل و من موضعه رفع بالابتداء على ما تقدم ذكر أمثاله و من في قوله « من الصالحات » مزيدة و قيل هو للتبعيض لأن العبد لا يطيق جميعها و قيل أنه لتبيين الجنس و قال « و هو مؤمن » فوحد ثم قال « فأولئك يدخلون الجنة » فجمع لأن من اسم مبهم موحد اللفظ مجموع المعنى فيعود الضمير إليه مرة على اللفظ مرة على المعنى .

النزول

قيل تفاخر المسلمون و أهل الكتاب فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم و كتابنا قبل كتابكم و نحن أولى بالله منكم فقال المسلمون نبينا خاتم النبيين و كتابنا يقضي على الكتب و ديننا الإسلام فنزلت الآية فقال أهل الكتاب نحن و أنتم سواء فأنزل الله الآية التي بعدها « و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى و هو مؤمن » ففلح المسلمون عن قتادة و الضحاك و قيل لما قالت اليهود نحن أبناء الله و أحباؤه و قال أهل الكتاب لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى نزلت الآية عن مجاهد .

مجمع البيان ج : 3 ص : 176

المعنى

لما ذكر سبحانه الوعد و الوعيد قال عقيب ذلك « ليس بأمانيكم » معناه ليس الثواب و العقاب بأمانيكم أيها المسلمون عن مسروق و السدي و قيل الخطاب لأهل الشرك من قريش لأنهم قالوا لا نبعث و لا نعذب عن مجاهد و ابن زيد « و لا أماني أهل الكتاب » أي و لا بأماني أهل الكتاب في أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى و هذا يقوي القول الأخير على أنه لم يجر للمسلمين ذكر في الأماني و ذكر أماني الكفار قد جرى في قوله و لأمنينهم هذا و قد وعد الله المؤمنين فيما بعد بما هو غاية الأماني « من يعمل سوءا يجز به » اختلف في تأويله على أقوال ( أحدها ) أنه يريد بذلك جميع المعاصي صغائرها و كبائرها و إن من ارتكب شيئا منها فإن الله سبحانه يجازيه عليها إما في الدنيا و إما في الآخرة عن عائشة و قتادة و مجاهد و روي عن أبي هريرة أنه قال لما نزلت هذه الآية بكينا و حزنا و قلنا يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء فقال أما و الذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت و لكن أبشروا و قاربوا و سددوا أنه لا تصيب أحدا منكم مصيبة إلا كفر الله بها خطيئته حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه رواه الواحدي في تفسيره مرفوعا و قال القاضي أبو عاصم القارىء العامري في هذا قطع لتوهم من توهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر .
( و ثانيها ) أن المراد به مشركو قريش و أهل الكتاب عن الحسن و الضحاك و ابن زيد قالوا و هو كقوله و هل نجازي إلا الكفور ( و ثالثها ) أن المراد بالسوء هنا الشرك عن ابن عباس و سعيد بن جبير « و لا يجد له من دون الله وليا و لا نصيرا » معناه و لا يجد هذا الذي يعمل سوءا من معاصي الله و خلاف أمره وليا يلي أمره ينصره و يحامي عنه و يدفع عنه ما ينزل به من عقوبة الله و لا نصيرا أي ناصرا ينصره و ينجيه من عذاب الله و من استدل بهذه الآية على المنع من جواز العفو عن المعاصي فإنا نقول له إن من ذهب إلى أن العموم لا ينفرد في اللغة بصيغة مختصة به لا يسلم أنها تستغرق جميع من فعل السوء بل يجوز أن يكون المراد بها بعضهم على ما ذكره أهل التأويل كابن عباس و غيره على أنهم قد اتفقوا على أن الآية مخصوصة فإن التائب و من كانت معصيته صغيرة لا يتناوله العموم فإذا جاز لهم أن يخصصوا العموم في الآية بالفريقين جاز لنا أن نخصها بمن يتفضل الله عليه بالعفو و هذا بين و الحمد لله و قوله سبحانه « و من يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى و هو مؤمن » و إنما قال « و هو مؤمن » ليبين أن الطاعة لا تنفع من دون الإيمان « فأولئك يدخلون
مجمع البيان ج : 3 ص : 177
الجنة و لا يظلمون نقيرا » وعد الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من الرجال و النساء إذا عملوا الأعمال الصالحة أي الطاعات الخالصة و هم مؤمنون موحدون مصدقون نبيه بأن يدخلهم الجنة و يثبتهم فيها و لا يبخسهم شيئا مما يستحقونه من الثواب و إن كان مقدار نقير في الصغر و قد قابل سبحانه الوعيد العام في الآية التي قبل هذه الآية بالوعد العام في هذه الآية ليقف المؤمن بين الخوف و الرجاء .
وَ مَنْ أَحْسنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَ هُوَ محْسِنٌ وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفاً وَ اتخَذَ اللَّهُ إِبْرَهِيمَ خَلِيلاً(125) وَ للَّهِ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ وَ كانَ اللَّهُ بِكلِّ شىْء محِيطاً(126)

اللغة

الخليل مشتق من الخلة بضم الخاء التي هي المحبة أو من الخلة بفتح الخاء التي هي الحاجة و إنما استعمل بمعنى الصداقة لأن كل واحد من المتصادقين يسد خلل صاحبه و قيل لأن كل واحد منهما يطلع صاحبه على أسراره فكأنه في خلل قلبه و إنما استعمل في الحاجة للاختلال الذي يلحق الفقير فيما يحتاج إليه و منه قول زهير :
و إن أتاه خليل يوم مسغبة
يقول لا غائب مالي و لا حرم و قال الأزهري الخليل الذي خص بالمحبة يقال دعا فلان فخلل أي خص .

الإعراب

دينا منصوب على التمييز و هو مما انتصب بعد تمام الاسم و قوله « و هو محسن » جملة في موضع النصب على الحال و كذلك قوله « و هو مؤمن » في الآية التي قبل و حنيفا منصوب على الحال و ذو الحال الضمير في اتبع و المضمر هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) و يجوز أن يكون حنيفا حالا من « ملة إبراهيم » و كان حقه أن يكون فيه الهاء لأن فعيلا إذا كان بمعنى فاعل للمؤنث تثبت فيه الهاء إلا أنه قد جاء مجيء ناقة سديس و ريح حريق و يجوز أن يكون حالا من إبراهيم و الحال من المضاف إليه عزيز و قد جاء ذلك في الشعر قال النابغة :
قالت بنو عامر خالوا بني أسد
يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
مجمع البيان ج : 3 ص : 178
أي يا بؤس الجهل ضرارا و اللام مقمحة لتوكيد الإضافة و خليلا مفعول ثان لاتخذ .

المعنى

ثم بين سبحانه من يستحق الوعد الذي ذكره قبل فقال « و من أحسن دينا » و هو في صورة الاستفهام و المراد به التقرير و معناه من أصوب طريقا و أهدى سبيلا أي لا أحد أحسن اعتقادا « ممن أسلم وجهه لله » أي استسلم وجهه و المراد بقوله « وجهه » هنا ذاته و نفسه كما قال تعالى : « كل شيء هالك إلا وجهه » و المعنى انقاد لله سبحانه بالطاعة و لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالتصديق و قيل معنى « أسلم وجهه لله » قصده بالعبادة وحده كما أخبر عن إبراهيم (عليه السلام) أنه قال وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض و قيل معناه أخلص أعماله لله أي أتى بها مخلصا لله فيها « و هو محسن » أي فاعل للفعل الحسن الذي أمره الله تعالى و قيل معناه و هو محسن في جميع أقواله و أفعاله و قيل أن المحسن هنا الموحد و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) سئل عن الإحسان فقال أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك « و اتبع ملة إبراهيم » أي افتدى بدينه و سيرته و طريقته يعني ما كان عليه إبراهيم و أمر به بنيه من بعده و أوصاهم به من الإقرار بتوحيده و عدله و تنزيهه عما لا يليق به و من ذلك الصلاة إلى الكعبة و الطواف حولها و سائر المناسك « حنيفا » أي مستقيما على منهاجه و طريقه و قد مر معنى الحنيف في سورة البقرة « و اتخذ الله إبراهيم خليلا » أي محبا لا خلل في مودته لكمال خلته و المراد بخلته لله أنه كان مواليا لأولياء الله و معاديا لأعداء الله و المراد بخلة الله تعالى له نصرته على من أراده بسوء كما أنقذه من نار نمرود و جعلها عليه بردا و سلاما و كما فعله بملك مصر حين راوده عن أهله و جعله إماما للناس و قدوة لهم قال الزجاج جايز أن يكون سمي خليل الله بأنه الذي أحبه الله بأن اصطفاه محبة تامة كاملة و أحب الله هو محبة تامة كاملة و قيل سمي خليلا لأنه افتقر إلى الله و توكل عليه و انقطع بحوائجه إليه و هو اختيار الفراء و أبي القاسم البلخي و إنما خصه الله بهذا الاسم و إن كان الخلق كلهم فقراء إلى رحمته تشريفا له بالنسبة إليه من حيث أنه فقير إليه لا يرجو لسد خلته سواء كما خص موسى بأنه كليم الله و عيسى بأنه روح الله و محمدا بأنه حبيب الله و قيل إنما سمي خليلا لأنه سبحانه خصه بما لم يخص به غيره من إنزال الوحي عليه و غير ذلك من خصائصه و إنما خصه من بين سائر الأنبياء بهذا الاسم على المعنيين اللذين ذكرناهما و إن كان كل واحد من الأنبياء خليل الله في زمانه لأنه سبحانه خصهم بالنبوة و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال قد اتخذ الله صاحبكم خليلا يعني نفسه و هذا الوجه اختيار أبي علي الجبائي قال و كل ما تعبد الله به إبراهيم فقد تعبد به
مجمع البيان ج : 3 ص : 179
نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم) و زاده أشياء لم يتعبد بها إبراهيم (عليه السلام) و مما قيل في وجه خلة إبراهيم ما روي في التفسير أن إبراهيم كان يضيف الضيفان و يطعم المساكين و إن الناس أصابهم جدب فارتحل إبراهيم إلى خليل له بمصر يلتمس منه طعاما لأهله فلم يصب ذلك عنده فلما قرب من أهله مر بمفازة ذات رمل لينة فملأ غرائره من ذلك الرمل لئلا يغم أهله برجوعه من غير مبرة فحول الله ما في غرائره دقيقا فلما وصل إلى أهله دخل البيت و نام استحياء منهم ففتحوا الغرائر و عجنوا من الدقيق و خبزوا و قدموا إليه طعاما طيبا فسألهم من أين خبزوا قالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك المصري فقال أما أنه خليلي و ليس بمصري فسماه الله سبحانه خليلا رواه علي بن إبراهيم عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام) ثم بين سبحانه أنه إنما اتخذ إبراهيم خليلا لطاعته و مسارعته إلى رضاه لا لحاجة منه سبحانه إلى خلته فقال « و لله ما في السماوات و ما في الأرض » ملكا و ملكا فهو مستغن عن جميع خلقه و الخلق محتاجون إليه « و كان الله بكل شيء محيطا » يعني لم يزل سبحانه عالما بجميع ما يفعله عباده و معنى المحيط بالشيء أنه العالم به من جميع وجوهه .
وَ يَستَفْتُونَك فى النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكمْ فِيهِنَّ وَ مَا يُتْلى عَلَيْكمْ فى الْكِتَبِ فى يَتَمَى النِّساءِ الَّتى لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِب لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَ الْمُستَضعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَنِ وَ أَن تَقُومُوا لِلْيَتَمَى بِالْقِسطِ وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَير فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً(127)

اللغة

الاستفتاء و الاستقضاء بمعنى واحد يقال فأتيته و قاضيته قال الشاعر :
تعالوا نفاتيكم أ أعيا و فقعس
إلى المجد أدنى أم عشيرة حاتم
 

<<        الفهرس        >>